التضاد في فكر الكواكبي (3/3)

انتهى الدكتور يوسف سلامة في الجزء الثاني من هذا البحث إلى موقف الكواكبي من الدين  وكيف يرى أنه عائق في سبيل الترقي أو التقدم إذا كان الدين لا يعني شيئاً سوى العبادة .. ويواصل في هذا الجزء الثالث تحليله لرؤية عبد الرحمان الكواكبي..


…. غير أن الكواكبي يعود إلى التساؤل من جديد عن طبيعة الدين وماهيته من الناحية العلمية والمنطقية، إن جاز التعبير، بعد أن كشف عن موقفه من الرؤية التي توحد بين الدين والعبادة، وبعد أن كشف عن زيف هذه الرؤية ونفاقها وضررها على الأمة من حيث ترقيها وتقدمها. وهكذا فإنه يعود إلى طرح السؤال عن ماهية الدين ليقدم لنا هذه المرة إجابة أدق وأوفى وأقرب إلى تمثيل رأيه ووجهة نظره فيقول: ” الدين بزر جيد لا شبهة فيه، فإذا صادف مغرساً طيباً نبت ونما، وإن صادف أرضاً قاحلة مات وفات، أو أرضاً مغراقاً هاف ولم يثمر”(1 ).

وعلى ذلك فالدين لم يعد هاهنا عنصراً حاسماً أو قاعدة يبنى عليها التقدم أو الترقي، بل أصبحت فاعليته متوقفة على توفر عناصر أخرى أسبق منه إذا ما أريد أن تكون له فاعلية يعتد بها. فالمغرس الطيب – على ما يقول الكواكبي – شرط ضروري ليكون الدين ذا قيمة في حياة البشر. أما الأرض القاحلة، فإن الدين سيموت فيها بكل تأكيد، تماماً كما الحال بالنسبة للنبات في الأرض المغراق.
   ولعل هذا ما دفع بالكواكبي إلى أن يقرر بصراحة :”أن الدين يفيد الترقي الاجتماعي إذا صادف أخلاقاً فطرية لم تفسد، فينهض بها كما نهضت الإسلامية بالعرب، تلك النهضة التي نطلبها منذ ألف عام عبثاً”( 2).
 
  والنتيجة الحاسمة التي يتوصل إليها الكواكبي استناداً إلى المقدمات السابقة هي أنه يجدر “بالأمم المنحطة أن تلتمس دواءها من طريق إحياء العلم وإحياء الهمة مع الاستعانة بالدين والاستفادة منه”( 3 ).

وهكذا يظهر الخط الثاني المناقض للخط الأول في تفكير الكواكبي قوياً بارزاً متمثلاً في وضعه العلم بديلاً للدين ونقيضاً له. فبعد أن أعلى منزلة الدين ـ وخاصة ما أطلق عليه اسم الإسلامية لأسباب لا تخفى على أحد ـ ونظر إلى صورته الأصلية التي تبناها السلف الصالح وعاشوها على أنه نظام نبوي أو على أنه نوع من الرياسة الإلهية التي تجسدت في حكم الخلفاء الراشدين، ولا سيما أبو بكر وعمر، نجده ها هنا يعدل عن مذهبه ذاك في منح الأولوية الأولى والأخيرة للدين ليخلعها على العلم وما يرتبط به باعتباره الدواء الوحيد الذي يجدر بالمسلمين التعويل عليه للخروج من حالة الانحطاط والتردي التي وصلوا إليها. ومما يعزز مذهبنا هذا في كون العلم قد بدا ضداً للدين ونقيضاً له في فكر الكواكبي، وأنه قد عجز عن الوصول إلى التركيب بين هذين الضدين المتقابلين، أي العلم والدين. قوله على الطراز النبوي في الحكم والسياسة الذي لم يعد من سبيل إلى استرداده فيما يبدو، في نظر الكواكبي” إن هذا الطراز السامي من الرياسة هو الطراز النبوي المحمدي لم يخلفه فيه حقاً غير أبي بكر وعمر ثم أخذ بالتناقص، وصارت الأمة تطلبه وتبكيه من عثمان إلى اليوم. وسيدوم بكاؤها إلى يوم الدين، إذا لم تنتبه إلى الاستعاضة  بطراز سياسي شوري، ذلك الطراز الذي اهتدت إليه بعض أمم الغرب.”(4 )
 

   ومن ذلك يتضح جلياً أن الكواكبي قد أصبح مستيقناً من استحالة استعادة الطراز النبوي المحمدي في الحكم والسياسة، مما جعل الكواكبي يدعو المسلمين صراحة إلى الكف عن طلب هذا الطراز النبوي المحمدي واستعاضته بالطراز الشوري الذي اهتدت إليه الأمم الغربية. ولعل تحقق الكواكبي من هذه الحقيقة هو الذي جعله ـ بصورة ضمنية على الأقل ـ يقيم من العلم ضداً واضحاً قوياً بارزاً في مقابل الدين من غير أن يكون قادراً على استنباط أي شكل أو صورة من صور التركيب المحتملة أو الممكنة بين الأضداد المتقابلة. وهكذا ظل الضدان بارزين وواضحين لم يستبعد الكواكبي أياً منهما استبعاداً يصل حد الحذف لحساب الضد، ولكنه، في الوقت نفسه، لم يستطع الخروج من حالة التضادية هذه. بحيث يستنبط بصورة جديدة تشهد على فاعلية التركيب بين الأضداد المتقابلة لديه.
وهكذا ظل(العقل) يؤكد حقوقه لدى الكواكبي، منطلقاً في ذلك من ثقافته الغربية بصورة أساسية، كما ظل(النقل) يؤكد حقوقه داخل هذا الفكر، انطلاقاً من الشريعة الإسلامية، من غير أن يتمكن من التوحيد بينهما توحيداً خلاقاً، بل ظل الخطان متجاورين لا يغيب أحدهما غياباً حقيقياً بل غياباً مراوغاً يسهل اكتشافه، ولا يحذف الآخر إلا كي يعود إلى الظهور من جديد بصورة أو بأخرى. وقد سبق أن بينا أن إخفاق الكواكبي عن إنجاز التركيب بين الأضداد إنما يرجع بصورة أساسية إلى أن اتحاد العقل والحرية لم يكن متحققاً، كما أنه ما زال غير متحقق حتى يومنا هذا، مما جعل الإرادة- وهي صورة الحرية- لا تظهر باعتبارها الحد الثالث الذي يركب بين الضدين ويتجاوزهما في الوقت نفسه داخل الواقع نفسه على هيئة منجزات فعلية في العالم، في مقابل صورة التضاد الذهنية التي تأسف عن عجز العقل والإنسان عن التغلغل في صميم الواقع وتغييره تغييراً فعلياً.
 

 ولو أننا نظرنا في المفهوم المركزي في فكر الكواكبي،أعني (الاستبداد)، لوجدنا أن هذا المفهوم أيضاً شكل لديه حالة نموذجية للتضاد والتقابل في الفهم والتفسير، كما هو الحال بالنسبة إلى المفاهيم السابقة التي كشفنا عن التضاد فيها بكل وضوح.
 

 ولعل ازدواج العقل والنقل، أو التضاد فيما بينهما، هو القاعدة الخلفية أو اللاشعورية التي يستند إليها الازدواج والتضاد في هذا المفهوم، ذلك أن التضاد المتعلق بمفهوم الاستبداد ها هنا يعبر عن نفسه من خلال التقابل بين ما يبدو أنه أسس سياسية واجتماعية يفسر بها الكواكبي نشأة الاستبداد وتطوره، وبين ما يبدو أنه أسس دينية غيبية لاهوتية يتحول الاستبداد بموجبها إلى نوع من العقاب الإلهي الذي يوقعه الله على عباده المقصرين والمسرفين على أنفسهم بسبب طاعتهم للمستبد وخضوعهم له وتحمل كل ما يصدر عن المستبد مما يمس بالكرامة الإنسانية ويعرض سلامة الهيئة الاجتماعية لخطر التفكك والاضمحلال الناجمين عن ضروب التخريب التي يلحقها المستبد بالفرد والجماعة على حد سواء.

وفيما يتصل بالجانب الأول من التضاد، فإن الكواكبي يحاول أن يعرف الاستبداد بدلالة تصوره لعلم السياسة أي أنه يتخذ من الأسس الاجتماعية قاعدة لتفسير الاستبداد نشأةً وتطوراً. إذ” لما كان تعريف علم السياسة بأنه(إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة) يكون بالطبع أول مباحث السياسة وأهمها بحث الاستبداد(أي التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى”(5 ).
 
   وهو يعرّف الاستبداد أيضاً، انطلاقاً من الأسس الاجتماعية والسياسية قائلاً:” هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة”(6 ). ومن الواضح أن هذين التعريفين عامان وبينهما قدر من الإبهام، لأنهما يتحدثان عن فردٍ أو جمعٍ يبيح لنفسه التصرف في شؤون الأفراد بمقتضى الهوى والنزوة أو بمقتضى التغلب والقوة، في حين أن الأمر في الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك. إذ أن الاستبداد يتعلق، في النهاية، بالأسلوب الذي تسوس به حكومة ما مجتمعها، وبالتالي فهو أبلغ تعبير عن انعدام الشرعية الذي يتجلى في ممارسة حكومة ما لسلطتها على مجتمعها من غير أن تكون مخولة بذلك من المحكومين أنفسهم.
 

 وربما يكون الكواكبي نفسه قد أدرك هذا الأمر فحاول أن يصوغ تعريفات للاستبداد تتسم أنها أدق من ناحية، وبأنها، من ناحية أخرى، ألصق بالحياة السياسية للدولة والمجتمع. ولذا فهو يمضي إلى تعريف الاستبداد بأنه” هو الحكومة التي لا يوجد بينها وبين الأمة رابطة بينة معلومة مصدقة بقانون نافذ الحكم”(7 ) وهو يعرف الاستبداد أيضاً استناداً إلى الأسس السياسية والاجتماعية نفسها بقوله:” إن الاستبداد صفة للحكومة المطلق العنان فعلاً، أو حكماً التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين”  ومن البين هنا أن الكواكبي يقدم تعريفاً دقيقاً وعميقاً للاستبداد يتناول شكله وأسلوبه في حكم الناس بالتعسف والانفراد والاستئثار بالخيرات كلها للمستبد وعائلته وخدمه وعشيرته وعسكره الذي يسهرون على أمنه من ثورة المحكومين، أولئك العسكر الذين يستأصلون كل علامة من علامات التحرر قد تظهر من فرد أو جماعة قبل نضجها ليظل المجتمع في حالة فراغ من كل البدائل فيخيل المستبد بذلك للمستبد بهم بأنه لو تركهم وشأنهم لضاعوا وتخبطوا وتصارعوا فيما بينهم. ولذا فمن الخير لهم الرضا بما هم فيه من الاستبداد بدلاً من أن ينتهي المجتمع إلى عاقبة أسوأ، وهي الفوضى التي قد تفضي إلى انهيار الحياة الاجتماعية، وإلى اضمحلال الدولة التي هي أعلى أشكال الحياة الأخلاقية والإنسانية تعبيراً عن إنسانية الإنسان في هذا العالم.
 

 ومن البين أن هذا التحليل الذي ينبني على أسس اجتماعية وسياسية للاستبداد يتطابق مع الضد الأول الذي من المرجح أن يكون الكواكبي قد استفاده من الثقافة الغربية، أعني الجانب العقلي في تحليلاته المختلفة للظواهر المدروسة في كتابه(طبائع الاستبداد). فهذا التحليل في جملته يستند إلى أسس عقلية أو إلى ملاحظات مستمدة من التجربة التاريخية اعتمد الكواكبي في حصرها على المعطيات العقلية وحدها في التحليل والتقويم واستخلاص دلالاتها السياسية والاجتماعية، واستكشاف أثرها في الحياة الإنسانية، حياة الفرد والجماعة.

غير أن الكواكبي، كالعادة، لا يتوقف عند التحليلات المستندة إلى أسس عقلية فقط، بل هو ينتقل مباشرةً، وفي الوقت نفسه، إلى الضد الثاني أو البعد الثاني في التحليل الذي يؤدي إلى تولد التضاد في فكره وتحليلاته على حد سواء. وهكذا فإن عنصر(النقل) أو (العنصر النقلي)في تجربة الكواكبي في تفسير الاستبداد، سرعان ما يظهر جنباً إلى جنب مع العنصر النقلي الذي سيطر على تحليلاته من قبل، واستناداً إلى هذا الجانب المتعلق بالنقل في تجربته يعرف الاستبداد بأنه”يد الله القوية الخفية يصفع بها رقاب الآبقين من جنة عبوديته إلى جهنم عبودية المستبدين الذي يشاركون الله في عظمته.”( 8 )والاستبداد أيضاً:”هو نار غضب الله في الدنيا، والجحيم نار غضبه في الآخرة”(9 ). وهو أيضاً:” أعظم بلاء يتعجل به الله الانتقام من عباده؟؟.ولا يرفعه عنهم حتى يتوبوا توبة الأنفة” 
  ولا يخفى ها هنا أن ما يجمع بين التعريفات السابقة للاستبداد إنما هو تعبير عن الغضب الإلهي والانتقام الرباني من عباده المقصرين المسرفين على أنفسهم بسبب طاعتهم للمستبد. والكواكبي بذلك ينزلق بسهولة من التفسير الاجتماعي السياسي القائم على العقل والملاحظة إلى التفسير اللاهوتي الغيبي القائم على النقل الذي يتجاهل الأسباب الحقيقية للحوادث أو الظواهر كي يلحقها بتفسيرات يجيء بها على الأغلب من خارج الدائرة الحقيقية للتفسيرات المحتملة والممكنة. وبذلك يظهر(النقل) مضاداً بقوة للعنصر العقلي في التجربة الروحية للكواكبي، وذلك من خلال تفسيره للاستبداد وشتى الظواهر الاجتماعية والسياسية أيضاً. 
 

 والدليل على صحة ما نقوله من أن تفسيره للاستبداد يعود هنا فيلحق بعنصر النقل استناداً إلى روايات مأثورة يبني عليها مصوغات تفسيراته اللاعقلية أو النقلية لظاهرة الاستبداد بوصفه انتقاماً إلهياً ممن رضوا أن يكونوا عبيداً للمستبدين.
قول: إنه قد ورد في الخبر”الظالم سيف الله ينتقم به ثم ينتقم منه… ومن أعان ظالماً على ظلمة سلطه الله عليه”(10 ).    
 

وليس ثمة ما يدعونا إلى الشك في أن هذه النصوص مجتمعة إنما تشهد على قوة العنصر النقلي في ذهن الكواكبي إلى الحد الذي يجعله في تقابل وتضاد حادين مع العنصر العقلي الذي سبق أن أشرنا إليه.
 

 وهذا ما يعزز العنصر اللاعقلي أو النقلي بمجموعة من الاستشهادات في تجربته الروحية. فهو على سبيل المثال في إجابته عن السؤال:( لماذا يبتلي الله عباده بالمستبدين؟!) يجيب:” إن الله عادل مطلق لا يظلم أحداً، فلا يولي المستبد إلا على المستبدين”(  )وهو يقول أيضاً:”فالمستبدون يتولاهم مستبد، والأحرار يتولاهم الأحرار… [أي](كما تكونون يولى عليكم)”(11 ).

وهكذا يتظافر العنصر النقلي مع الموروث الشعبي ليعضد الكواكبي بها الضد الثاني الذي يدخل في علاقة تقابل وتناقض صريحين مع الضد الأول الذي يفسر الكواكبي من خلاله الاستبداد بالاستناد إلى العناصر العقلية المتحققة في التجربة السياسية والاجتماعية للمجتمعات للإنسانية. 

 وحتى عندما يفكر الكواكبي في التخلص من الاستبداد، فإن هذا الفعل يتحول إلى حركة أسطورية مقلوبة للحركة التي ولد الاستبداد بمقتضاها أول مرة. فالأمة- في نظر الكواكبي-“لا يقودها إلا العقلاء” بالتنوير والإهداء والثبات، حتى إذا ما اكفهرت سماء عقول بينها قيد الله لها من جمعهم الكبير أفراداً كبار النفوس قادة أبرار يشترون لها السعادة بشقائهم، والحياة بموتهم، حيث يكون الله قد جعل في ذلك لذتهم، ولمثل تلك الشهادة الشريفة خلقهم، كما خلق رجال عهد الاستبداد فساقاً فجاراً مهالكهم الشهوات والمثالب،” فسبحان الذي يختار من يشاء لمن يشاء وهو الخلاق العظيم”(12 ). ومن ذلك يتضح أكثر من ذي قبل كيف أن العناصر اللاعقلية أو النقلية قد أسهمت في خلق(الضدية) بكل قوة داخل التجربة الروحية للكواكبي. فعلى الرغم من أن الاستبداد قضية سياسية اجتماعية، فهو يحاول أن يجد لها تفسيرات لاهوتية تفضي بتفسيره الأخير إلى أن يصبح في تضاد حاد مع تفسيراته الأولى التي اصطبغت بدرجة أو بأخرى بالصبغة العقلية والمنطقية، بسبب انطلاقها من التحليلات السياسية الاجتماعية لظاهرة الاستبداد السياسي. والأعجب من ذلك كله أن الكواكبي في بعض الأحيان يقرن بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي، ويقرر بصراحة أن الواحد منهما متولد من الآخر، أو أنهما صنوان لا ينفصلان عن بعضهما البعض. ولذلك فهو يمضي إلى القول:” تضافرت آراء أكثر العلماء الناظرين في التاريخ الطبيعي للأديان على أن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني، والبعض يقول: إن لم يكن هناك توليد، فهما أخوان، أبوهما التغلب، وأمهما الرياسة، أو هما صنوان  قويان بينها رابطة الحاجة على التعاون لتذليل الإنسان، والمشاركة بينهما أنما هما حاكمان أحدها في مملكة الأجسام والآخر في مملكة القلوب”(13 )، يلاحظ الكواكبي هنا الأثر العميق لهذا التداخل بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي على عامة الناس الذي سرعان ما يخلطون بين(عبادة الإله)،(عبادة الحاكم المستبد(14 ) وهذا تأكيد على الازدواج العميق الذي يسيطر على ذهن الكواكبي فيجعله ممزقاً متضاداً فيما بين الاتجاهات المتباينة وفيما بين التجارب والخبرات التي اكتسبها الكواكبي نتيجة لمعايشته التجارب الإسلامية والشرقية العربية في إطار الدولة العثمانية، ومن الثقافة التي اكتسبها نتيجة لاطلاعه على التجارب التنويرية الغربية، بصورة خاصة التنوير الفرنسي.
 

 ولقد أدى كل ذلك بالكواكبي إلى أن يكون فكره متضاداً يطرح الاحتمالات كلها من غير أن يكون قادراً على حذف أيٍ من الاحتمالين، ومن غير أن يكون قادراً على التركيب بين الأضداد التي تكونت منها تجربته منها الروحية العميقة.
 

 بقي أن نكشف عن تضاد أخير في فكر الكواكبي يتعلق هذه المرة بموقفه من العلم، وبتصوره لطبيعته ووظيفته، وللعلاقة بين العلم والعمران من ناحية، وبين السعادة البشرية من ناحية أخرى.
 والحقيقة إن الكواكبي يرى أنه منذ فجر التاريخ الإنساني، وحتى يوم الناس هذا، لم يقمْ دليل على أن البشر قد حققوا من الترقي أو التقدم فيما يطلق عليه اسم (السعادة الحيوية)حداً أو قدراً يتجاوز ما حققوا منها حتى عندما كان البشر يعيشون عيشة طبيعيةً بدائيةً سابقة على كل ما تقدم. إذ لا تدل الآثار المشاهدة- في نظر الكواكبي-“على أكثر من ترقي العلم والعمران، وهما آلتان كما يصلحان للإسعاد يصلحان للإشقاء. وترقيهما هو من سنة الكون التي أرادها الله تعالى لهذه الأرض وبنيها” . ومعنى ذلك أن العلم في حد ذاته- على ما يرى الكواكبي- مجرد وسيلة قد يؤدي امتلاكها واستخدامها إلى السعادة أو الشقاء على حد سواء. ويكفي أن يوصف العلم بأنه وسيلة حتى يفقد جانباً كبيراً من قيمته، وذلك لأن العلم ليس مجرد وسيلة، بل هو أيضاً غاية في حد ذاته، وذلك لأن العلم بمقدرته الفريدة على الكشف عن حقائق الكون وخفايا الإنسان والطبيعة يمكننا من أن نعدل كثيراً من وجهات نظرنا الخاطئة، مما يجعلنا ننظر إلى العلم على أنه غاية للإنسان بقدر ما هو وسيلة. والحقيقة المؤكدة- في نظر الكواكبي- هي أن للعلم هذا الطابع المزدوج الذي يجعله على مسافة واحدة من الشقاء والسعادة الإنسانيين، وهذا هو الضد الأول في الازدواج الأخير الذي نحن بصدد الكشف عنه ومناقشته.
 
 أما الضد المقابل أو المناقض للضد الأول، فنلقي به في الصفحة الأخيرة، بل في السطور الأخيرة من كتاب الكواكبي(طبائع الاستبداد) إذ هو يختتم كتابه بما يشبه البشرى أو النبوءة التي يقرر فيها”بأن بواسق العلم،وما بلغ إليه، تدل على أن يوم الله قريب. ذلك اليوم الذي يقل فيه التفاوت في العلم وما يشيده من القوة، وعندئذ تتكافأ القوات بين البشر، فتنحل السلطة ويرتفع التغالب،  فيسود بين الناس العدل والتوادد، فيعيشون بشراً لا شعوباً، وشركات لا دولاً”(15 ).
فالكواكبي متفائل بأن البشر سيحصلون في النهاية أقداراً متقاربة من العلم تؤدي إلى تقارب ما يمتلكه البشر من القوة التي ينتجها العلم.
 

  والنتيجة الأولى مترتبة على هذا التقارب في مستوى القوة هي انحلال السلطة وارتفاع التغالب أو الصراع الذي لا ينفك عن السلطة ولا تنفك عنه، مما يؤدي إلى سيادة العدل والتوادد في العلاقات الإنسانية فينفتح الباب بذلك أمام كل البشر للانخراط في معيشة مشتركة قوامها الشراكة الإنسانية الحرة، بصرف النظر عن الانتماءات الضيقة التي تنتسب إلى المراحل السابقة على التطور العلمي كما يفهمه الكواكبي.

وبذلك نتبين مرة أخرى أن التضاد في فكر الكواكبي أوضح من أن يوضح. فهو بينما مضى في البداية إلى أن يقرر بأن العلم ينطوي على قيمة محايدة من ناحية الإسعاد أو الإشقاء، فإنه قد ذهب من بعد إلى أن العلم كفيل بأن تبلغ الإنسانية بواسطته السعادة  والهناءة والاستقرار بسبب انحلال كل الروابط القديمة من ناحية، ولأن التقدم العلمي، من ناحية أخرى يكاد يحذف الأثر الغاشم للقوة في الحياة الإنسانية، الناجم عن تساوي حظوظ الجميع منها بسبب تقارب حظوظ الجميع من العلم نفسه. ومن الواضح هنا أن العلم قد أصبح جالب للسعادة ودافع للتعاسة والشقاء الإنسانيين.
 

    وما من شك في أن إيمان الكواكبي بأهمية العلم وقيمته وفاعليته يذكرنا ب(سان سيمون) الذي عول على التقدم العلمي والمعرفة الحقيقية بالطبيعة والمجتمع بوصفها شروطاً للسعادة الإنسانية. ومن المحتمل أن يكون الكواكبي قد اطلع على بعض أفكار(سان سيمون) الذي تأسست جماعة من المثقفين المصريين عملت على نشر فكره وتراثه ابتداءً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولا تزال هناك في مصر حتى اليوم جماعة من السوسيولوجيين المصريين يتبنون بعض أفكاره وينتفعون بها ويحاولون تطويرها مع العصر الجديد الذي بلغته الإنسانية اليوم.
 

  غير أن الكواكبي سرعان ما يفرض على تصوره للعلم ضداً جديداً عندما يختزل ما يسميه ب(الحياة الطيبة) للإنسان في هذه(اليوتوبيا العلمية) التي صاغها إلى حياة ذات بعد واحد هو البعد الروحي الذي يختتم به كتابه فهذه الحياة الطيبة في نظره تفرض على الإنسان ألا يحصر همته في خدمة الجسد ومطالبه، بل هي في نظره تتمثل في حياة الروح وغذاؤها الفضيلة. ولذلك فهو يقرر بكل صراحة بأنه سيتثنى للإنسان يومئذ “أن يعيش كأنه عالم مستقل خالد، كأنه نجم مختص في شأنه مشترك في النظام، كأنه ملك وظيفته تنفيذ أوامر الرحمان الملهمة للوجدان.”(16 ).
 
 وما يبدو لنا هنا هو أن الكواكبي قد خرج من هذا التضاد الأليم الذي سيطر على الحركة الجوهرية في كتابه من أوله حتى آخره. غير أن الخاتمة التي انتهى إليها تسمح لنا بالاستنتاج بأن الكواكبي قد خرج من التضاد بصورة نهائية. ولكنه خرج منه لا في اتجاه التركيب، ولا في أي اتجاه من اتجاهات التقدم، بل هو قد خرج منه بالنكوص إلى الوراء، فغلب النقل على العقل، والتقليد على الإبداع، والضرورة على الحرية .        
 

الهوامش:

1-  المصدر نفسه،ص99

2 –  المصدر نفسه،ص99 .
3-   المصدر نفسه،ص100 .
4 –  المصدر نفسه،ص36 .
5 –  المصدر نفسه،ص 20 .
6 –   المصدر نفسه،ص23 .
7 –   المصدر نفسه،ص144 .
8 –   المصدر نفسه،ص24 .
9-   المصدر نفسه،ص29.
10 –   المصدر نفسه،ص29.
11 –   المصدر نفسه،ص29.
12 –   المصدر نفسه،ص 29.
13 –   المصدر نفسه،ص29.
14 –   المصدر نفسه،ص30.
15 –   المصدر نفسه،ص.68 .

16 –   المصدر نفسه،ص32 .
17 –   المصدر نفسه،ص32-33.
18 –   المصدر نفسه،ص140.
19 –   المصدر نفسه،ص150 .
20 –   المصدر نفسه،ص150 .


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق