التعايش المستحيل بين الحداثة وكارهيها / نسيم ضاهر

كيفما سمَّينا الأحداث الجارية لدينا ومن حولنا، لا مناص من استخلاص العبرة أن كارهي الحداثة، بما عنته من التنوير الى مكتشفات العلوم المعاصرة وسُننها، باتوا في صراع مكشوف مع دعاتها، ورفض مطلق لمظاهرها. وما الذي نشهده راهناً من توظيف واستخدام للتقنيات ومبتكراتها في حقول الاتصال والتواصل والشأن العسكري إلاّ عود على بدء لممارسة شرقية، كانت السلطنة العثمانية أبرز مختبراتها طوال قرون. انتقت الأستانة ونقلت عن الغرب لتفعيل وحداتها المسلّحة المتقادمة والتعويض عن تخلف تشكيلاتها ونمطها القتالي، وتوجَّست من أفكاره ومحمولها الاجتماعي تحت ضغط المحافظين المتواصل، خشية انتقال عدواها. وفي كلا الحالين، لم يغادر حرّاس الهيكل دائرة التشاوف والظنّ بكفار أوروبا وماديتهم الرخيصة، رافعين لواء الغلبة الروحية والمعنوية، وعاملين على ازدراء الممالك والجمهوريات رغماً عن تقهقر سلطان بني عثمان وانحسار راياتهم المظفرة.

 

انتقلت مجموعة وازنة من الأسرة الدولية الى عالم ما بعد الحداثة، تحاكي قادم متغيرات سريعة وتتناول مسألة يقين الأمس القريب وضرورة تجاوزه المعرفي والسلوكي بالتجديد المتواصل، الصادم أحياناً والجريء في مناحٍ عدة. في المقابل، ما زال الفناء العربي والإسلامي بعامة يعاني إشكاليات منبتها قروسطي، على هامش التاريخ الحاضر وهمومه، قطعت مع الثقافة والحضارة الأدبية والتسامح، عتاد العصر الذهبي، وتنكّرت لتراثه المطمور عمداً، على ما بيَّنَه الراحل محمد أركون، وأوصل نقده إلى حدّ نعت أصحابها بتشويه مفهوم الايمان والتلاعب بأصول الدين وفصله عن الرحم المشترك للرسالات السماوية وما سبقها من بانتيون عقيدي كان الشرق مصدره وحاضن فلسفاته. بل إنه ذهب بعيداً في تحديد مكامن الردَّة والانغلاق، ناسباً الخواء الفكري الى مقيِّدات الأصطرة، وعازياً ضمور الإبداع الى غياب القوى الاجتماعية الفاعلة والناشطة، في المعنى التاريخاني المتحرك، على غرار فئات الصنّاع والتجار والبحارة الذين شكلوا عصب المبادلات، وهيأوا للتلاقح والتعرف إلى العالم آنذاك، ولدخول أقوام جديدة في إسلام متألق عابر للحدود والإثنيات.

 

 

من الخطأ الاعتقاد بأن ظاهرة معينة تنشأ من عدم. كذلك لا تردّ أسبابها حصراً إلى عوامل خارجية، مهما كان مبلغ شدّتها وتأثيرها، بحسب ادّعاء أولئك الذين يتجاهلون العلّة العضوية للبراءة من مفاعيلها. فقد أنهكت الحملات الصليبية امبراطورية الروم ومكانة بيزنطية بأكثر مما ألحقت بالأتابك. وحيث أفَلَت الإمارات التي أقامها الفرنجة واستعيد حكمها، تعاقب على السلطة دخلاء على النسيج المحلي من أغراب ومماليك اعتبرهم التاريخ المنقول حماة الديار، فيما تهاوى البُنيان المعرفي قبلذاك وانقرض علم الكلام المتصل بالفلسفة الهيلينية والنورانية الآسيوية. مراد القول ان بوادر الانحطاط لاحت باكراً وانسابت في شرايين الأمة، مبدِّدَة الرصيد العقلاني، ليطبق الجمود على حال مجتمعية فقدت محركها الذاتي، وسارت نحو الاجترار والتقليد، تراوح في المكان، وتعيد انتاج المكرّر النمطي.

 

 

إن إجلاس الأجيال في تسمر موصوف قد جاء نتيجة تحجّر البُنى الاجتماعية، وانكفاء دورة الاقتصاد الى الحد الأدنى في تبادلية ضيقة المجال تقتصر على الحرفي والسلع المتداولة بين ريف وحاضرة، أو بداوة وجوار. في هذا الإطار، غدا الماضي مرجع قياس يلفّه الحنين الى عهد الفتوحات الأولى ومآثر السلف، ويعتري المؤمن الخوف من انتهاك الأجنبي قلاع قناعاته وإدخاله دوَّامَة التوغّل في المجهول. بذلك تحوَّل هذا الماضي الى ملجأ ذهني قوامه الخلاصية، يستمد منعته من الأبواب الموصودة، ويرضي طبيعة القائمين على الحكم، المولجين بالدفاع عن عروة عقيدية محكمة خارج الزمان، تتراخى إن مسَّها اجتهاد أو قراءة تحديثية، وتنتفض في وجه الإصلاح والمقارنة مع الجاري في دار الحرب.

 

 

لقد سادَ المنطق الانطوائي، إذا جاز القول، بديلاً من المراجعة ومقارعة الأفكار واليقظة العلمية المنفتحة بستاناً في القارة القديمة على تخوم أرض جرداء. بيْدَ أن ازدياد الملاحة البحرية سرَّعَ التماس وحتّم الاقتباس، نظير النقلة التي تكفل بها الملاَّحون العرب في عصر مضى، فانقلب الانزواء طلباً للستر، علّ احتواء الموجة الوافدة يُغني عن الحراك. وبالفعل فشل النهضويون الترك والعرب في إشاعة معطى التنوير، فكان سعيهم زرعاً لم يُؤتِ ثماره مجتمعياً ويُخصِّب على نطاق واسع ويُبدِّل الأحوال جذرياً. وتجدر الملاحظة أن المعوِّقات عينها أرخت بظلالها في شبه القارة الهندية وبلاد فارس، حيث انطفأ وهج كلّ من إمبراطورية المغول والصفويين، وانحدر الحضاري المُنفتح الى موروث متآكل في عهدة النواب المسلمين والقاجار. ويفيد تتبع المسار بتردِّ شامل طاول الجماعة وأنجب تيارات تتسم بمعالم الردّة، نادت بالفرقة، فانسلخت جرّاءها باكستان عن الهند بدافع ديني في المقام الأول، وتخلّت إيران عن المشروطة والحكم المدني الذي أرساه محمد شاه وفق النموذج الذي مثله أتاتورك. وما الذي ينتاب تركيا منذ سنوات، سوى عيِّنة إضافية نازعت علمانية أتاتورك مطالع القرن الواحد والعشرين، وهي سائرة إلى انفلاش.

 

 

من طالبان أفغانستان (وباكستان) إلى غزة تحت سيطرة حماس، تتجلَّى استحالة تعايش الحداثة وكارهيها. المطلب والمعلن السافر اشتباك صريح مفتوح على كل الاحتمالات، فيما تستأثر القاعدة بقصبة السباق، وتصلي الصليبيين واليهود والروس (وغداً الصين) ناراً حامية، تحت رداء الحفاظ على العادات والتقاليد، وإحياء دور حملة السيوف في مواجهة التفسخ الأخلاقي الأممي وانغماس الشعوب في الجاهلية. ولا يفوت المراقب المنصف ما أنجزه حزب الله، اقتداءً بالجمهورية الإسلامية في إيران، وعملاً بالصحوة الخمينية، من تثبيت الاشمئزاز حيال الحداثة، واستخراج مقولة الضاحية على كتف المدينة وفي تضاد سلوكي معها، يقيم الحدّ على الرذيلة، ويفصل بين شرفاء صادقين ملؤهم الإيمان والوفاء لأهل البيت من هنا، وأولئك المقطورين في ركاب غرب استكباري يقول الرئيس أحمدي نجاد عنه إن مصيره حالك، وقيمه ساقطة، ومنظومته الفكرية الى هلاك وزوال.

 

 

عن جريدة الحياة 28/9/2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق