التعليم في واد والعمل في واد.. والعبور على مسؤوليتك الخاصة!!

يتحتم على شبابنا أن يخوضوا نظاماً تعليمياً مرتبكاً قبل أن يقذف بهم إلى جوف سوق العمل الذي ينمو ويتغير بعيداً عن مقاسات تعليمنا الجامعي، ويبدو أن اضطراب علاقة جيلنا الشاب الحالي مع قضيتي التعليم والعمل تعود إلى جذور قديمة ينبغي لنا تتبعها لنفهم ارتباطها العضوي باللحظة التي يقف فيها أحدنا حاملاً شهادته الجامعة ومحاولاً تلمس مكانه في سوق العمل.

تمتلك مراحل التعليم ما قبل الجامعية في سوريا – كما في عدد كبير من الدول العربية- قدرةً كبيرة على جعل الحالة التعليمية مقتصرةً على الإكراه، وخلالها يتم استبدال الدافع الإنساني الطبيعي لامتلاك المعرفة بدافع الخوف من عدم التحصيل "الجيد"، وذلك لتجنب العقاب، وبالتالي لن يجد الطفل ومن ثم المراهق ومن ثم الشاب نفسه معنياً بالإجابة على أسئلة من نوع "ماذا أريد؟ أو ماذا أحب؟". وهذه حلقةٌ هامة من مسلسل الارتباك الذي يتابع تقدمه مع تشكل وعي أوسع للشاب وتعرفه على قيم مجتمعه الثابتة وتقسيماته الواضحة إزاء أكثر المهن احتراماً وأكثرها قدرةً على تحقيق العائد المادي، وبذلك "يتجهّز" الشاب لمعركته التالية وهي استحقاق الشهادة الثانوية التاريخي وما يتبعها. وينبغي لنا ألا ننسى حقيقة في غاية الأهمية، وهي افتقار مناهجنا المدرسية إلى تزويد الطالب بمعلومات كافية عن مجالات الأعمال والمهن التي تتوفر وتتواجد في سوق العمل، الأمر الذي يزيد من ضعف الارتباط بين مفهومي التعليم والعمل.

وتتمثل الحلقة الثانية من مسلسل "انفصال التعليم عن سوق العمل" في سياسات الحكومة التعليمية خلال العقد الأخير، فتلك السياسات لم تضع في حسبانها متطلبات سوق العمل، وارتفاع سقف هذه المتطلبات بما يتناسب مع سرعة التغيرات الحاصلة على الساحة الاقتصادية السورية.

سنفترض أن هذه الحلقة بدأت عندما اكتشفت حكومتنا أن عليها تقليص أعداد المنتسبين إلى قطاع التعليم العالي، فكانت البداية مع "ترحيل" أكثر من 70% من طلاب المدارس إلى الثانويات المهنية، ومن ثم دفع النسبة الأكبر من البقية إلى دراسة الفرع العلمي في الثانوية العامة، وبذلك تمكنت الحكومة من خفض طلبة الفرع العلمي خلال ست سنوات فقط (1999- 2005) من 60% إلى 35%. وجاءت الحلقة الجديدة من سلسلة التدابير الحكومية برفعها لمعدلات القبول في الكليات ذات الاختصاص العلمي ودفع ما يفوق 50% من حملة الشهادة الثانوية بفرعيها إلى الالتحاق بالمعاهد المتوسطة. ووفقاً للإجراءات السابقة تولدت جملة من الوقائع تبدأ بتسرب أكثر من 69% من طلاب المعاهد المتوسطة وعدم إتمامهم للدراسة، وتمر بأن 60% من طلاب الجامعة يدرسون فروع العلوم الإنسانية، ولا تنتهي بقبول أعدادٍ هائلة من الطلاب في نظام التعليم المفتوح، أولئك الذين لم يجدوا لهم متسعاً في سياسة الاستيعاب الجامعي فوجداً أنفسهم يدفعون أموالاً لقاء تعليمٍ ينافس نظيره النظامي في السوء ويشاركه ضبابية المستقبل وضعف المهارات التعليمية.

وبناء على ما سبق نؤكد مرة أخرى أن التدابير الحكومية لم تأخذ بحسبانها متطلبات سوق العمل ووضعه الراهن، فمن ينظر إلى التوزيع الحالي لحملة الشهادة الثانوية على الجامعات والمعاهد يعتقد أن وراء ذلك التوزيع حكمةً عميقة مفادها أن سوق العمل الراهن يعتمد بالدرجة الأولى على خريجي المعاهد المتوسطة، ومن ثم حملة شهادات التاريخ والجغرافيا والمكتبات والتربية، وبشكلٍ أقل بكثير على خريجي الصيدلة والطب والهندسات. ولكن لن يغفل أحد عن أن استنتاجاتنا هذه لا تمت بصلةٍ لأرض الواقع، وإنما يعلم الجميع أن الهدف يتجسد في المحافظة على شكل سياسة الاستيعاب الجامعي وفقاً لمفاضلةٍ مجتمعية معروفة، وفي دفع الكثيرين – ممن لم يجدوا لهم مكاناً لائقاً في التعليم النظامي- إلى دفع أموالهم في النظم التعليمية المستحدثة مؤخراً كالتعليم المفتوح والموازي والافتراضي إضافة إلى الجامعات الخاصة.

أما الحلقة أو المرحلة الثالثة فتمتد خلال سنوات الدراسة الجامعية، حيث على طالبنا الشاب أن يتعرض لمجموعةٍ من المشاكل على صعيد تأهيله العلمي والمعرفي والتدريبي، منها اضطراره إلى تلقي مناهج تعليمية تعود في معظمها إلى أواسط القرن الماضي، بالإضافة إلى تراجع الجانب العملي في بعض الاختصاصات واختفائه كلياً في اختصاصاتٍ أخرى، وتواضع تعليم اللغة الإنكليزية في مختلف الأقسام والكليات، واقتصار التعليم المعلوماتي في أغلب الأحيان على ما يسمى بمحو الأمية في التعامل مع الكمبيوتر كمنتجٍ تكنولوجي يتطور يومياً، ونضيف إلى ذلك جملةً من المظاهر السلبية المتعلقة بالعلاقة المتردية بين الطالب والأستاذ المدرس، وتراجع رواتب وأجور الأساتذة والمعيدين، الأمر الذي ينعكس سلباً على أدائهم التدريسي، وتقلص عدد أعضاء الهيئات التدريسية مقارنة بتزايد أعداد الطلاب، ففي جامعة البعث مثلاً هناك 65 طالب لكل عضو في الهيئة التدريسية، وهي نسبة مرتفعة ولا تحقق الحد الأدنى من شروط التعليم الصحي، وترتفع النسبة إلى 80 طالب لكل عضو هيئة تدريسية في إحدى كليات الهندسة المعلوماتية!!. كل ذلك وأكثر أسس لنموذجٍ شبه موحد للطالب الجامعي السوري على امتداد جامعات القطر، الطالب غير القادر على إحياء الارتباط بين مفهومي التعليم والعمل بالشكل المنطقي والسليم، الطالب الذي تتحول سنوات الجامعة بالنسبة إليه إلى وقتٍ للتسلية، ذريعة رسمية لتأجيل الخدمة العسكرية لدى الذكور، ومكان لإيجاد عريس مناسب لدى الإناث، وفي أغلب الأحيان يبقى الذهاب للجامعة أفضل من التسكع في الشوارع والمقاهي!! هذا ما يقوله لسان حال عدد كبير من الطلبة!!.

ومن هنا تبدأ مرحلة أخيرة تمتاز بتثاقل المسؤوليات على الشاب واضطراره إلى إيجاد عمل بأية وسيلة. إنه الآن يقف على أبواب التخرج، وعليه أن يجتاز فجوةً جديدة بين الجامعة وسوق العمل، كما كان عليه قبل سنوات أن يتجاوز الفجوة الفاصلة بين المرحلة الثانوية والتعليم الجامعي، وسيبدأ منذ الآن، ومع كلّ تعثر، يدرك عميقاً ضعف مؤهلاته العلمية والتدريبية. وهنا تتعدد الاحتمالات وتتشعب، ولكنها تصب في النهاية في ارتباكٍ شامل نعيشه سنوياً مع دخول أكثر من 300 ألف شخص سوق العمل السورية. من شبابنا مَنْ يتمكن، بصعوبةٍ شديدة وباستنزاف مالي كبير، من تدارك ضعف أدواته العلمية والعملية ويُخضع نفسه لسلسة من الدورات الخاصة والمكثفة التي تعيد تهيئته وفقاً لمقاسات سوق العمل الخاصة. ومنهم مَنْ يجد نفسه في دوّامة الوظيفة الحكومية ومكاتب التشغيل، ومنهم من يغادر البلاد بحثاً عن بداية جديدة، وأغلبهم سيعمل في وظائف ومهن لا تتعلق بدارستهم!.

"هل تعرضتُ للخديعة؟!".. ربما يسأل أحدهم نفسه بعد كلّ ذلك!!..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق