التغنـّي بالنـّهد في الأغنية الكرديّة (2/2)

وصف النهدين:
عندما تحدّث المغني عن النهد، ذكـّرنا بأشياء أخرى كثيرة، وبنى هذا الارتباط بينهما على أسس منطقيّة، وقد أخذ شكل النهد ولونه وصفاته الأخرى حيـّزا كبيراً في الأغنية الكرديّة:
الشكل: – 
 لقد رأى فيه المغنون فاكهة، وسمّوه بتسمياتها. فلِمَ الفاكهة؟
السبب هو الاستدارة المشتركة بين الاثنتين، والسبب الآخر هو مذاق الفاكهة، اللذيذ الذي اكتشفه المغنون في النهد فيما بعد، لذا فقد اختلطت عليهم الأمور. والفاكهة التي شـُبّه النهد بها في الأغنية الكرديّة هي:
 التفاح، التمر، العنب، البرتقال، التين، البطيخ، الجوز، الرمّان، الشمّام.
تقول إحدى الأغاني:
" احمرّ نهدا غزالتي، كشمّام سهول عشيرة حَسَنا". (1)
وحسب مناطق كردستان المختلفة فإن الأكثر تأثيراً بهذه الظاهرة هي المشهورة بأنواع معيّنة من الفاكهة، وتشبيههما بالبرتقال اليافاوي– في إحدى الأغاني-  بين كرد سوريا لأمر طبيعيّ، فقربهم من الحدود أعطى شهرة لهذا النوع من البرتقال:
"… …
أنا خادم نهديك اللذين يشبهان
 البرتقال اليافاوي
المعروض أمام الدكاكين".(2)
 
لقد ربط المغني بين المدينة أو المنطقة أو الإقليم  الذي يصدّر منه أشهى أنواع الفاكهة وبين النهد في أغانيه:                

                                                                               بلى مَيْرێ(3):
" صدر حبيبتي مريم:
تمر بغداديّ
تين جبل شنگال
عنب بِسِندِري
بطيخ دياربكرلي
أبلهٌ من لم يتـخذه
مقبّلاتً  لسهرته"  (4)
يكتشف المغني – عدا المذاق اللذيذ –  الطـِّيب الذي  يفوح من النهد والأشبه برائحة الفاكهة، ويتجلـّى هذا الاكتشاف في المقطع التالي:
"أثملتنا رائحة النهد….التهمتنا".
ولأنه يظلّ رهين الثياب طويلاً، فإنه  – أي النـّهد – يـُعرق، يُحمى كالبيض، ويـُسخـّن، ويختلط فيه العطر والطـّيب، حينها يغدو المغني مالك الدنيا. ولم تقتصر رؤية المغني على الفواكه فقط، بل تعدتها إلى أشياء أخرى، قارن بينهما، وأظهر التقارب بينهما في الصّفات، مثل:
النبع، الزهرة، الحديقة، البساتين، الذهب، الفضـّة، والفناجين…
فما وجه الشبه بين النبع والنهد؟ باعتقادي أن الجواب يكمن في أن الماء والحليب يشتركان في صفة الشرب، فرأى المغني النهدين كنبعين يسكبان بدل الماء حليباً. فإلى أيّ مدى استطاع هذا النبع إيقاف الحرائق المشتعلة في قلب المغني؟ وظيفة النهد الثانية كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال:
يا أنتِ:
يا أنتِ، أيتها الحسناء"
في قرية " دودو" واديان
نهداك الأصفران نبعا ماء
لمَ أنتم صامتون يا أهلي
عيون البـِيض وحواجبهن تكاد تصرعني
ألا توقنون…!؟" (5)
……………………………………
أيّتها البيضاء:
" عصرتُ الحلمتين
امتلأت منها ثلاثة فناجين ماء
شربت إحداها
غدوت بيرقاً فضيّاً
أفعى طائرة(6) "

نـُظر إلى النهد في بعض الأغاني كأنه فنجان وخاصة الفنجان ( الفرفوري)(7)، إذ لهما صفات مشتركة من حيث الاستدارة وجمال الشكل، ثم أن لهما وظيفة أخرى متقاربة وهي الإرواء. يوصف النهد أحياناً بـ"فناجين الحكـّام"(8)  أو "فناجين الآغاوات" (9) لأن فناجين هؤلاء الحكـّام، الآغاوات، والبگوات كانت قديماً من أنفس الأنواع وأبهاها. لذا أراد المغني أن يشبه بها النهد لإظهار جماله وبهائه :
حسرتي:
خرجت ( حسرتي) من دار والدها"
لم تكلـّمني
لا أدرِ لمَ…!
هيفاء، كسنبلة بين حقول القمح
ناصعة النهدين، كفناجين الحكـّام
أنتِ، يا همّ أبيك
ذوّبت لحمي
قطعةً قطعة
ذوّبتِ عظمي…شمعاً(10) "

استخدم المغني في سبيل إظهار جمالية النهدين، بأبهى الأوصاف كافة الأساليب الفنيّة، فجعل من الصدر " حديقة" والنهدان " باقة ورد"، كما ترد في أغنية " عيشانێ":
عيشانێ:
"  صدر (عيشانێ) الناصعة البياض
حديقة….
 " فيها باقتا ورد(11)
نستنتج هنا – وبسهولة – أن باقتيْ الورد هما النهدان، ولكن ترد في بعض الأغاني كلمتا النهد والصدر متلازمتين، فيوصف الصدر بالسهل، المصيف، البستان والحديقة الواسعة، ويأخذ النهدان مكانة فيها، هنا لا يأخذ الصدر مكانة النهدين، لأنه يذكر النهد أيضاً، لكن لا يذكر النهد أحياناً، حينها تفيد كلمة الصدر بمعنى النهد.


– اللـّون:
 يختلف لون النهدين في الأغاني، وكذلك أجزاؤه : الحلمة، القاعدة، الشامات. يكون النهد في أغان كثيرة ناصعا كالثلج الأبيض، والسبب أنه محفوظ جداً، لم يرَ الشمس، لذا بقي أبيض بالنسبة إلى بقيّة أجزاء الجسد. ومهما يكن فإن كلمة (حنطيّ) لا ترقى إلى كلمة (أبيض)، فإننا رغم ذلك نرى أنها تستعمل عوضاً عنها أحياناً. لكن وُسم النهدان في أغلب الأغاني باللون الأصفر، لكنهما عندما يكتملان يصبحان أحمرين :
" احمرّ نهدا غزالتي، كشمّام سهول عشيرة حَسَنا".
 وتستعمل هذه الحمرة للإشارة إلى الحلمتين، فعندما يكتمل النهد يتغير لون الشامات حول المنطقة المحيطة بالحلمة أيضاً:
عيشان:
" قد اكتمل نهدا (عيشانتي) وصدرها
اكتست بنقاط صفراء وحمراء" (12)
كما فرّق المغني بين لون الحلمة وقاعدتها، فالرأس يكون أحمرَ دوماً بينما لوّن القاعدة بالأصفر والأبيض، لقد تدرّج من الألوان الغامقة إلى الفاتحة، وفي الحقيقة، هي كذلك، فالحلمة تكون حمراء أو بنيّة أو صفراء غامقة. وليوضـّح المغني الفرق بين هذه الألوان بشفافيّة أكثر فقد لجأ إلى تأثير الظلّ، لأنّ الجهة الظليلة من الجسم تبقى أفتح لونا من بقيّة الأعضاء:
" يا ذات الجدائل الشقراء
ليتني خادم نهديك المكوّرين
ذات الحلمة الحمراء والقاعدة الصفراء
أنه أشبه بثلج الوديان
المغطـّى دوماً بظلّ الأشجار " (13)
الملفت في الأمر، حينما تـُذكر أشكال النهود في الأغاني الكرديّة، فإن ذلك يكون مقروناً بذكر أشياء ثمينة، ذات قيمة، كالذهب، الفضة، والفناجين الفرفوريّة:
تێــــلي:
" (تێــــلي)، ليتني فداؤك،
 فؤادي مهموم، مكلوم، في مراعي ( سرحد)
فاه جرحي اليوم ملتهب، ماءً ودماً
انطلق اليوم أهل (تيلي) إلى المراعي العلويّة
حصاني يخبّ سريعاً، يقتفي أثرها
مررت بمناطق پيرو، قنديل، بنگول، سيپان، شرفدين
عرجت على خلات، شوشان، تكمان باتجاه المناطق السفلى
ثم هبطت إلى أسفل منطقة (كوسداخ)،حيث ثمة خيام منصوبة
لمحت ثلاث فتيات جالسات قرب رأس النبع
قلت يا أصدقاء: إن الكبيرة لهي (تێـلي)
أما الأخريان فخادمتاها
صاحوا: أفـّاك لئيم،
 كيف لعينيك أن تبصرا من هذه المسافة البعيدة
أجبت: لحبيبتي (تێـلي) علامات بارزة
أولها؛ سمراء، حلوة الدم
عيناها السوداوان مكحّلتان
أصابعها مرمريّة
ذقنها مدوّرة، أنفها بارز رفيع
شفتاها رقيقتان كالورق
لسانها رفيع كالقلم
أسنانها صدفيّة ناعمة
جيدها ناصع جمبليّ
نهدا تێـلي فناجين فرفوريّة
حلمتاها فضة بالإجمال
قاعدة النهد ذهب رشاديّ
سأخبركِ شيئاً هذا الصباح، لا تلوميني، (تێـلي)
القدر المكتوب من قبل الآباء سابقاً، قدر متهوّر
كل الجميلات بحسن (تێـلي)، هن من نصيب رجال جربى" (14)

نضوج النهدين وبروزهما:
" إن  أجمل النهود في الأغاني الكردية هي التي تنمو بيسر دون لمس، وهي حسب الأغاني لفتيات في الرابعة عشرة. نهود الفتيات المكتملة حديثاً بالنسبة إلى نهود (أثداء) المتزوّجات كثيرات الأطفال قاسيات جداً، لم تفقد شيئاً من استدارتها، ولكي يصف المغني هذه القساوة، وتلك النضارة، فقد اعتبرهما كتفاح واستعمل معهما كلمة ريّان، لأن كل ما هو ريان يكون قاسياً، لا يطوى، ولا يفقد شكله :
أينما شئت، لكن زرني بين الحين والآخر
نهداي تفاح خريفيّ
ريّان، ظلّ معلقاً بأعلى الشجرة
حطّ أهلي رحالهم في هذه القرية
الخطـّابون جالسون في مضافة والدي
يساومون على مهري، وهداياي
خزام أنفي على نفسه – كمصائب الدهر- يدور
من أجل قبلة
قصد فتاي صدر الحبيبة
ليس ثمّة حليب، عاد أدراجه ثانية." (15)

إن إيراد عبارة " ليس ثمّة حليب "، لدليل على عدم توفّر شروط اللـّقاء، وإظهار للحالة المزرية التي تعيشها الحبيبة. لقد شبّهت النهود التي تكتمل في حينها كقصر يشمخ ببنائه يوماً بعد يوم، ونستطيع التنبؤ بأن عبارة "طقم النهود" إنما بني بالأساس على هذا النظام:
أيها السيّئ:
" حلمتا نهديّ أنا الخاتونة
عنب دوالي (ﭽێلكێ علي رمو)
نضج في أوانه، واكتمل على الدالية
بل قصر (پيروتا)، مطلع حارة (المشكينيّة)
في مدينة ماردين" (16)
لقد عُدّ هذا النضوج بمثابة ثورة لهما، فهما يُظهران تأثيراً سريعاً في الاتـّصال والتقارب الجسديّ، وخاصّة الحلمتان:
" حلمتاك حادتان، كرؤوس الإبر" (17)
گـُلێ گـُلێ:
" دسستُ يدي في العبّ
كم هو معرّق، عبّها
الحلمتان منتصبتان
النهدان حصّة الفتيان " (18)
لقد اعتبر هذا النضوج حدثاً بعينه، فهما يلقيان التحيّة، يتحدثان، ويبدّلان لونهما بسرعة بين الأحمر والأصفر:
أمان يا ابنة العم:
" كم هو كبير عدد هذا القطيع
تيوسه كالثيران
قد قصد فتايَ صدري
فألقى عليه التحيّة" (19)
دِلبَرْ:
" نهداي أنا الصبيّة، ديكا حجلٍ
مع برودة الصّباح
يتنازعان على صدري" (20)
نهد الفتاة الناضجة، والذي لم يصبح كثيرا " منديلاً بأيدي الشباب " قاس ومستدير كالتفاحة:
 " نهدا حبيبتي تفاح أحمر، أعضـّهما بهدوء".

 ولأن كل قاس قابل للعضّ، لذا فقد شبه المغني النهد بالتفاح، وهذا ذكـّر بأشياء أخرى قاسية:
" نهدا ابنة الديوث قاسية
كما حلاوة عنتاب
لا تؤثر فيها مطرقة النجار
وقدّومه " (21)
كما شبه المغني هذا النضوج بالفواكه التي تثقل الغصن، والآيلة للسقوط:
الحسناء:
"صدركِ، كجبل (آﮔري)
احمرّ شكله، ظهرت عليه النقاط.
في السنة الماضية، كما الآن، لم يكن لحجلتي من نهدين
هذه السّنة، موعد قطافهما" (22)
في بعض الأغاني، كما تتفتح الورود وبراعم الأشجار، كذلك النهود تتفتح أيضاً وتتفجـّر أيضاً: " نهداك شقّ الثوب من ناحيتين" (23).

تحوّلٌ في شكل النهدين:
في بعض الأغاني يتلاشى ذاك الجمال والتنوّع، وتلك الاستدارة وذلك التكوّر، ويستعاض عنها بمفردات من قبيل : عضّ، عصر، شّق، تمسيد. وأغلبها قيلت على لسان رجال أبدوا عدم رضاهم من تغيّر شكل النهد:
" نهدا ابن الكلبة هذه، فقدا قساوتهما". (24)
وفي أغنية أخرى يشتكي الرّجل من تدليك النهدين المفرط:
" أنظر إلى صدر حبيبتي الذي ترهّل من التدليك "(25).
كما نلاحظ في بعض الأغاني، ولأسباب كالرّحيل، الفراق، وفتور المشاعر، أن نهدا المرأة يبقيان ( دون علاج):
يا قرية ذات بيوت ثلاثة:
" قصدت مناطق الأنهار، إنها باردة
مراعي والدك الصيفيّة عالية
تغمرها الأمطار والثلوج
مضت سبع سنين
حبيبي في بلاد الغربة
بقي صدري- أنا الفاضلة- دون علاج
آهٍ يا حبيبتي….آهٍ لقرية الأطلال…!"  (26)
بسبب التدليك، العض، ولأسباب أخرى يظهر في هذه الأغاني أن شكل النهد يتغيّر إلى شكل نهد امرأة عجوز، يتهدّل، يترهّل، كلحم جيفة، يفقد بريقه، يذبل، وهذا الأمر لفت انتباه المغنيين جداً.

لصوص النهدين وفتح الأزرار:
كلمة" أزرار" هي الأكثر تداولاً في الأغاني التي قيلت في النهدين، فما هي طبيعة العلاقة بين النهدين والأزرار؟
لم تكن المرأة قديماً تلفّ نهديها وتحفظهما بـ ( حمّالات النهود)، إنما كانت تحفظهما تحت الأثواب ذات الأزرار، لذا فقد تصادى دور الأزرار الفاعل في بعض الأغاني. بالنسبة للرجال فأن قلـّتها، أو عدمها اعتبرت فرحة كبيرة…!
لا تـُفتح الأزرار (بأيدي الرّجال ) غالباً، وهذا يظهر أن رغبة الرّجال لا تلعب دوراً كبيراً في هذا المجال، إنما الأهم هو رغبة المرأة، والقول الفصل في هذه المسألة هو لها، ولكن بوجود الحبّ والتفاهم فأن الأزرار تـُفتح من تلقاء نفسها، وعندها يقفز النهدان للخارج.، تلعب إرادة المرأة ورغبتها في فتح الأزرار – دون شك- دوراً كبيراً. لذا فأن لصوص النهود لا يحققون ما يروموه دوماً. لقد رأت المرأة في نهديها سلطة وتميّزاً عن الرجال الذين ضمرت نهودهم. لذا فإن حماية المرأة لنهديها، أو هبتهما تحظيان بمكانة خاصّة في هذه الأغاني. ولأن قولها هو الفيصل، فإن لصوص النهود لا يحقـّقون رغباتهم بهذه السّهولة المتوخّاة:
 " هممتُ بسرقة النهدين الأصفرين، فوقع يدي في شرك خرز الأقدام"(27) . 
ومع هذا، فإن اللـّصوص يجرّبون شتى الوسائل لبلوغ النهدين:
" يا حسرتي… أيتها الجليلة
لتحترق بوّابة (مشكين) الخرائب… ما أسوأها
ليحترق أنف قلعة ماردين، المطلّة عليها دوماً
ليتني غدوت ذهباً ( محموديّاً)
أتدلـّى من جيدها
على صدرها ونهديها
جيد هذه الحسناء ناصع البياض
كإحدى حدائق السّلطان عبد الحميد
محاطة بالمحارس والحرّاس ليلاً نهاراً
آه على حظي العاثر، آه لي
ضاقت بي السبل، إلهي" (28)
لكن عندما ترغب المرأة فإن الأزرار تـُفتح من تلقاء نفسها،لــِمَ؟

أننا نستشـفّ من مضمون الأغاني أن القلبين يتـّحدان في قلب واحد، لذا تسير الأمور على سجيّتها، فتفتح الأزرار تلقائيّاً، تتقطـّع أو تـُفلت. وبناء الفعل في هذه الجمل يكون دوماً في حالة المجهول، وانتقاء هذه الحالة إنما جاء ليلغي دور القوة في المشهد. كما يتـّضح في إحدى الأغاني أن( ستّة وثلاثين زراً فضـّيّاً) فـِتحت، من فتحها؟ لا أحد يعلم، ربما تكون معجزةً في الحبّ:
" عزيزي، قد هاج الشوق بكلينا
على طريق (مندرا) الخرائب، في الوادي
انفلتت الأزرار من موضعها، أنا المسكينة
لاح الصّدر الأبيض ناصعاً
*     *   *
ظلـَلـَنا هذا الطور
انقطعت الأزرار، لاح الصّدر الأبيض
لو كان لي مائة سنة
لتناصفته معك(29)"

في أغنيتيْ "ابنة العمّ الحوريّة " و"ماردين"، ثمّة خلاف، بل صراع بين الشاب والفتاة حول موضوع النـّهد بسبب اختلاف وجهات النـّظر. كما في أغنية "ابنة العمّ الحوريّة" حين تتعثر الفتاة بحجرة وهي تلاحق أغنام القطيع، فتقع، وينقطع (ثلاثمائة وست وستون) زرّاً، ويلمح الشاب نهديها، لكنها لا تقتنع وترفض التـّصديق بأن الشاب لمحها، ورأى نهديها، وتقف بشدة في وجه افتراءاته:
ابنة العمّ الحوريّة:
"-  أيها الفتى، يا همّ الدار
يا من حلـّت عليه الأكاذيب
حين لمحتَ حلمتا نهديّ…
ما هي علاماتهما؟
أيها الفتى، حين لمحتَ نهديّ-
من كان شهودك؟"
ثمّ يأخذ الحوار بينهما منحىً آخر، تتيقـّن الفتاة أخيراً من صدق كلامه، وأنه ليس غريباً:
"-  أيتها الفتاة، يا همّ داركِ
حين لمحتُ نهديك الأصفرين
كان ثمّة رجال تسعة هناك واقفين
ثلاثة جلاليّين
ثلاثة روجكيّين
وثلاثة سيبكيين.
*   *   *
– أيّها الفتى، أما الثلاثة الجلاليّون
فمهرِّبون في الجبال
والثلاثة الروجكيّون، مفترون كذّابون
أما السيبكيون، فصادقون، هم جيران والدي
وهكذا، فلستَ من لمح نهديّ الأصفرين(30) "

 

يظهر في الأغنيتين السّالفتين، أن الشاب رأى – فعلا – نهديْ الفتاة، لذا فهي تقدّمه إلى ( حليل روحها) راضية. وفي أغنية أخرى يكون مفتاح النهدين بيد الفتاة:
" إن كنت تتساءل عن مفاتيح موضع النهد، فالقفل والمفتاح كلاهما بيدي" (31)
قبل أن، تـُفتح الأزرار – في أكثر الأغاني – فإنّ اليدين تتحسّسان، أولاً، الحليّ وعقود الخرز التي تلفّ العنق وتتمايل على الصّدر، ومهما تكن وظيفة هذه الحليّ والمرجان الجماليّة، إلا أنها تنقطع في كلّ مرّة. إن هذه الحليّ الذهبيّة والفضيّة والمرجان، وعقود الخرز والأزرار، تزركش وتنمّق هذه الأغاني، وتضفي  عليها جماليّة منقطعة النـّظير.
حين تتمنـّع المرأة عن مدّ اليد إلى نهديها، فإن كل البوّابات تقفل، والمرأة الكرديّة عنيدة بطبعها في ذلك، لا تتراجع عن رأيها قيد أنملة. حين تهيم (زين) بحبّ (مم) وتصطفيه، فإن بوّابات والدها الفولاذيّة السبع، تبقى مقفلة على الدوام:
مم وزين:
"- نادت (زين): لمنزل والدي سبع بوّابات…. فولاذيّة
يحيط بها حرّاس  شجعان
من بمقدوره، هذا المساء
أن يلثم شامات الصّدر(32)"

ليس الرجل من يطلب ودّ المرأة، بل تنقلب الآية أحياناً، وتطلب هي ودّه، ملقية بالأعراف والتقاليد عرض الحائط، وحسب عادات الكرد فإن هؤلاء النسوة يسمّين (خادعات الرجال). فحينما ترغب السيّدة الثريّة في قصّة (زمبيل فروش) مراودة بائع السلال عن نفسها ويمتنع هو، تعرّي  له صدرها كي تحيده عن جادّة الصواب:
 " الباب موصد، كشفت له عن صدرها" (33)
عندما تكشف المرأة – فجأة – عن صدرها أمام رجلٍ، فإن هذا المنظر غير الاعتياديّ من  شأنه أن يشتـّت – دون شكّ – ذهن الرجل ويجعل ركبه ترتجف، تشلّ أفكاره، يجول الأمصار وهو في أرضه:
" حينما تنزّهنا سويّة، عزيزتي (سينم)
على ضفاف نهر ( ميرا)
وضعت رأسي على ركبتكِ
تأمّلت الشامات والغدائر
حينما لمحتُ نهديِ حبيبتي (سينم)
تجلـّى فيهما مصر، بيروت، والشام" (34)

التنازع في النـهود:
اعتبرت المرأة الكرديّة – في بعض الأغاني- ازدياد عدد عشاقها، خطراً يهدّد أمن نهديها، وجعلت من سلامة نهديها قضيّة أساسيّة فيها. شبـّهت تهافت الرّجال عليهما بمعركة سياسيّة، أو بالتنافس على خيرات كردستان، (الدرّ في كليهما كامن)، فتداخلت المصطلحات السياسيّة والعاطفيّة في هذه الأغاني:
قــدّي:
" قـدّي أهيف، كعود ريحان، رشيق
صورتي، عرموش عنب، معلق على الدّالية
صدري عرش كردستان
عليها يتنازع
منذ سبع سنين، اثنا عشر ملكاً"(35)

 

إن إدخال المصطلحات السياسيّة التاريخيّة في هذه الأغاني يضفي عليها صبغة فنيّة مميّزة، كما في هذه الأغنية التي تتحدّث عن النهدين:
" بلى، أنهما كالسلطان رشيد، تتنازع عليهما سبع دول أجنبيّة ".
لقد أرادت المرأة عبر هذه الأغنية أن تبدي أنوثتها وتستنكر التهديدات التي تتربّص بوطنها. في أغنية أخرى ترتقي إحدى المغنـّيات بمكانة نهديها، إلى مكانة "عواصم أمراء كردستان":
يا همــّي:
" أما قلتُ، يا فتى
لسانك يراع، وصدري الدفتر
تستذكره – عن ظهر قلب – ومنذ الصّباح
كشيخ ذو اثنا عشر علماً.
صدري ونهديّ، أنا اليتيمة
كعاصمة كردستان
حروبها دائرة في السنة
اثنتا عشر شهراً
من قبل اثنتي عشر دولة، غريبة" (36)

النــّهد وبعض المصطلحات الدينيّة:
عدا المصطلحات السياسيّة والتاريخيّة تمرّ أيضاً عبارات ومصطلحات دينيّة أيضاً تمتدح النهد، مثل:
" فطر، زكاة، ملك، صيام، سحور، حج، بركة، شيخ، ملا"
 وتخلق نوعاً جديداً من الأدب هو "أدب النهود". لأن لكل مجتمع خصوصيّته ومعتقداته الدينيّة المقدّسة، فقد أراد المغني الاستفادة منها في تعبيراته،  والربط بينها وبين  النهدين، حيث غدت – أيّ النهود-  ذهباً وفضـّة، بل جنـّة وهميّة، ملوّنة، مزيّنة:
" صدري – أنا أمة الله – أحد بساتين
طور ماردين
تستوجب الزكاة عليها ثلاث مرات في السّنة(37) "

أما في الأغنية التي قيلت في حبّ الفتاة التركيّة، فقد وُسِم النهد بإفطار المساء:
أيتها المجنونة:
" يا غزالة، يا بيضاء
أين فاتنة الدار…
آه لو التهمت نهديك
في إفطار المساء
ألا تعلمين يا مجنونة
أنك أرديتني، ذوبتني
لأنك لا تجيدين اللغة الكرديّة
قد أصبحت جندياً
ما الحلّ، ليس بوسعيّ التعلـّم"(38)
وفي أغنية (عـَيْشێ) حينما ينكشف النهدان للمغني تحدث أمور مدهشة، غريبة، وغير متوقـّعة:
" إذا فتحت أزرار الصّدر، سيعود الحجيج أدراجهم " .(39)

 

عندما يُكشف عن الصّدر يبتهل المغنـّي إلى ربه ويشكره على تلك النِعَمْ:
" سأتنشق عطر صدرها، الذي يهمي ورداً، وأشكر الله على هذه النعمة" . (40)
في أغنية أخرى يختلط موضوع الدين، والنهد:
" اقصد دار والدي، افتح الباب
وقل: بسم الله.
إذا صرت بجانبي ورفعت اللحاف
قل: يا إلهي،ما شاء الله، مائة مرة.
إذا ارتويت من لثم جِيدي (البوشناقي)
قل: لك الحمد، إلهي.
صدري الأبيض الجميل
أشبه بورق الكتابة في يد الخوجة (41)، والملا(42)"

وفي أغنية أخرى يُقدّم النهد تبرّكاً، لجلب السعادة والهناء، بل لفتح باب الخير أمام محبـّي الخير:
يا أحبـّة:
" يا أحبـّة……!
عن القدّ الأهيف يفصلني جدار
أحد طرفيه صُبغ كلساً، والآخر لا يمكن تجاوزه
إحدى نهديّ – أنا الخاتون – تفاح
والآخر برتقال
تشتكي الفتاة: يا أنت، أيها الفتى
تعال في ليلة، بعد منتصفها
طف بصدري أنا الصبيّة
فهذا أشهى لك من الطواف ببيت (باﭭـێ كال) (43)
ما تشتهيه من حزام الظهر فأعلاه هو لك
ما تشتهيه من حزام الظهر فأدناه
ليس بوسعي
فأنا مريدة (باﭭـێ كال(44))"

 

ما  يلفت الانتباه في هذه الأغنية، هو تقسيم الفتاة جسدها من الصرّة إلى منطقتين؛ سفليّة، وعلويّة. تقدّم العلويّة بأكملها للحبيب، أما السّفليّة، فتحصّنه – بأسلوب لطيف – خلف الحجب والأستار. وهذا يوضـّح أن العضو الأكثر فاعليّة وإيروتيكيّة في الأغاني الكرديّة هو النهد، أمّا الأعضاء الأخرى؛ أسفل الصرّة، فلا يُتغنـّى بها في الأغاني الكرديّة.

هل من بائعات نهود…!
تـُطلق صفة بائعات النهود في الأغاني من قبل العشاق الذين لم يهنئوا بوصال المحبوبة، لذا رموا أنفسهم في حضن الخيال، خلقوا لأنفسهم فرصاً جديدة، عاموا في بحر أحلام اليقظة بأسلوب فنيّ، ليحصّلوا في النهاية زوجاً من النهود. لذا ترد في بعض الأغاني كلمات مثل: دكان، سوق، مساومة، مشتري، بيع وشراء. وبسبب مصاعب الحياة  الجمّة ومتاعبها، فقد التجأ المغني إلى الحلم والخيال، حيث منح المرأة دور البائعة، ومنح الرجل دور الزبون المشتري دوماً:
حليم جانێ: (45)
" كوني الروح، يا (حليم جانێ)
أنا فداؤك، لست عطشاً
أو جائعاً
أنا جالس تحت أفياء أطلال (بدليس)
يا حليم جانێ
إن كنت سقـّاءة، فأنا عطش جداً
إن كنت خبّازة، فقد أنهكني الجوع
إن كنت بائعة صدرٍ، فأنا مشتر
وإن لم تبيعي
سأمسك طرف ثوبك
– في حضرة الحق –
على الصّراط
فأنا مدّع عليك، يا حليم جانێ "(46)

إن ذكر كلمات مثل: بائعة صدر ومشتري في الأغاني، توضح حرقة قلب العاشق جليّاً، وهي تظهر تهافت العاشق على النهد أكثر من رغبته في الشراء. بعبارة أخرى توضّح الأمل باللقاء، ومدى العشق، ولا يسعنا هنا استذكار أيّة صفة تجاريّة:
" قصدت غاليتي الدكان، تطلب بيع النهود"(47) .
ما نستشفّه هنا ليست عملية بيع النهد، إنما الأمل في تحصيلهما، وهذا يبقى محصوراً في حدود الأمنية.
كما أسلفنا، لم يفرق المغني بين النهد والفاكهة والزبيب، فـ "العبّ ممتلىء بالزبيب". (48)هنا وردت كلمة الزبيب عوضاً عن النهد، فالمكان الذي تـُباع فيه الفاكهة وتـُشترى، بوسعنا أن نحصل فيه – حسب فنتازيا المغني- على نهدين أيضاً. لذا فقد قصد طريق السوق وسأل الفتاة: "ألا تبيعين النهود الصفراء"(49). يبذل الرجل ما في وسعه من أجل هذا الشراء، لا يحسب حساباً لشيء، يتخلـّص من طمعه وبخله:
سيران:
" سيران، أنا خادم ثغرك
أيّها القرويّين، يا أهلي، أرجوكم
لا تعاتبوني ولا تلوموني
لن أستغني عن عيون وحواجب (سيران ملا موسى)
حتى تخضرّ السهول والمروج
على قمّة ( قرجداخ) الأطلال
قد أقسمت يا (سيران) أن أمنح صورتك الحمراء لفمي
أنا خادم ثغرك يا (سيران) حين الحديث
يا أهل قريتي وداري
أتوسّل إليكم ألا تعاتبوني
فأوصاف نهديْ (سيرانتي):
حلمتاها حمراوتان، قاعدتهما بيضاء
إنهما كتفاح (خلات)
كتمر حلب
بل كعنب (روان)(50)  الملتهب
أتت بهم إلى البيوت لبيعهم
إذا دفع الناس فيها أموالاً
سأدفع – أنا الذليل – نعاجي الأربعة الحلوبات
يا أبتِ، قد هجرتني (سيران)، ولا تكلـّمني" .(51)
باختصار يمكن أن نقول إنه وفي جميع هذه الأغاني، وبكل التشبيهات التي تم استخدامها لوصف النهدين فإنهما – النهدان – تم ترسيخهما ولمرحلة طويلة كدلالة وإشارة لشخصية المرأة.

في الكثير من الأغاني، وصف النهد بتفاح للبيع، وكما أسلفنا سابقاً فإن استدارة النهود وشكلها ولذّتها – حسب المغني – قريبة جداً إلى التفاح. فهذا المريض الذي رأى في التفاح دواءً، سلك طريق الدكان ثانية: " نهداها تفاح في الدكان " (52)
باختصار يمكن القول، إن جلّ المواضيع التي أثيرت حول المرأة، توضـّح أن النهدين اختيرا كدلالة كبيرة – ولسنين طويلة – على شخصيّة المرأة. على الأقل فإن المواد الفلكلوريّة تقدّم لنا هذه الحقيقة. من ناحية أخرى فإن هذه الأغاني كمرجع تستطيع أن توضـّح لنا،مستقبلاً، بصدد الحياة الجنسيّة للمرأة الكرديّة الكثير من المعارف المفيدة.

الهوامش:
1  – من أرشيف م. آرارات.
2  – سگﭭان عبدالحكيم، محمد عارف الجزيري حجل مبارز، ستوكهولم 1990، ص 30.
3  – مجلة اليوم الجديد، العدد 56.
4  – تصغير وتحبب من اسم مريم. المترجم.
5  -نورا جواري، ص 149.
6  – حاجي جندي، ص 122.
7  – مجلة اليوم الجديد، العدد6.
8  – كلمة فرفوري محرّفة من (فغفور) وهو لقب ملوك الصين. فغ بمعنى إله وپور بمعنى الإبن، ثمّ أطلقت الكلمة على نوع من الأواني الصينيّة عرفت بالفرفور. المصدر: أحمد خاني، مم وزين، شرح وترجمة جان دوست، دمشق 2008. المترجم.
9  – حاجي جندي، ص 201
10  – حاجي جندي، ص 198.
11  – حاجي جندي، ص 201
12  – جليلي جليل، ص 270.
13  – نوار جواري، ص 128.
14  – مجلة اليوم الجديد، العدد55.
15  – من أرشيف م. آرارات.
16  – من أرشيف م. آرارات.
17  – مجلة اليوم الجديد، العدد 27.
18  – زين العابدين زنار،خونـﭽـة3، ستوكهولم،1991، ص 45.
19  – مجلة اليوم الجديد العدد55
20  – حاجي جندي، ص 115..
21  – مجلة اليوم الجديد، العدد45
22  – زين العابدين زنار، حونـﭽـة2، ستوكهولم1990، ص 109.
23  – مجلة اليوم الجديد، العدد55.
24  – حاجي جندي، ص 115.

25  – مجلة اليوم الجديد، العدد45.
26  – حاجي جندي ، ص 115
27  – مجلة هاوار، العدد6.
28  – حاجي جندي، ص 107.
29  – جكرخوين، ص 146.
30  – أورديخان جليل، وجليلى جليل، المجلد الأول، ص 353.
31  – حاجي جندي، ص 88.
32  – مجلة هاوار، العدد 28.
33  – نورا جواري، ص 162.
  J.S.Musaelyan. الملحمة الكرديّة وتفرعاتها،موسكو1983، ص138.
34  – ملا محمود ديرشوي، هجرة الجبال في أقوال الأولين، ستوكهولم 1989، ص 137.
35  – حاجي جندي، ص 163.
36  – مجلة اليوم الجديد، العدد11.
37  – جكرخوين، ص147.
38  – مجلة اليوم الجديد، العدد 57.
39  – قناتى كردو، الحكايات الكرديّة، مخطوط.
40  – قناتى كردو، الحكايات الكرديّة، مخطوط
41  – الخوجة: رجل دين. المترجم.
42  – جليلي جليل، ص250.
43  – باﭭـێ كال: أحد الأولياء الصالحين ….كانت له كرامات…. باﭭـێ كال تعني حرفيّاً الأب المسنّ. المترجم.
44  – مجلة اليوم الجديد، العدد 8.
45  – حليم جانێ: هو اسم محبوبة المغني، وحليم هو تحبّب وتدليل من اسم حليمة، أما جانێ فتعني الرّوح، ومعنى الاسم: حليمة روحي، المترجم.

46  – مجلة اليوم الجديد، العدد 22.
47  – حاجي جندي، ص145.
48  – نورا جواري،أغان الرقص في المجتمع الكرديّ، أريفان 1964، ص 64
49  – جميلة  جليل، أغان المجتمع الكرديّ، أريفان 1977،ص 34.
50  – نوعٌ مشهور من العنب.
51  – حاجي جندي، ص41.
52  – جليلى جليل، ص255.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق