التغيير بين عراق الكرنفال وتونس الثورة

للتغيير أثمان مختلفة، وفي منطقتنا العربية والاسلامية يكون الثمن باهظاً، أولاً لأن حكامنا ممن يطمعون بنيل خير الدارين، وسعادة المقامين، ولا ينزلهم عن عروشهم إلا هاذم اللذات ومفرق الجماعات "عليه السلام". وثانياً لأن الأغلبية من شعوبنا تؤمن أو تمارس عملياً، ما قاله أحمد بن حنبل "رحمه الله"، أي الطاعة لمن غلب، خشية الفتنة وتفضيل جور الحكام على الانفلات الأمني في استبطان نفسي لدور الغنم التي تفقد راعيها أو هكذا غُرس في النفوس عبر أجيال أدمنت ومجّدت دور الراعي ورضيت بدور القطيع، هذه هي القاعدة. إلا أن لكل قاعدة شواذَّ. نحاول هنا أن نقف عند حالتي تغيير الأولى ما حصل في العراق ونتائجه الأخيرة والثانية ما يجري الآن في تونس ثورة الجياع أو ثورة الياسمين التي أشعلها محمد بوعزيزي بروحه عندما أحرق جسده، وتحوّلت سنّة يكررها من بعده محتجون على الظلم والاجحاف وهدر الحقوق في عدة دول عربية.

في الحالة الأولى أي حالة التغيير التي حصلت في العراق نجد ما يلي : عجزت المعارضة العراقية عن تغيير نظام صدام حسين، فاستعانت بالشيطان للوصول إلى مبتغاها. فجاء الاحتلال ليزيح الدكتاتورية ويتيح لأحزاب الاسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني مع تلوينات اقتتضتها اللوحة الفسيفسائية "الديمقراطية" بالصعود إلى حلبة التنافس الدموي الذي أخذ طابع الحرب الطائفية التي استعارت من صفحات التاريخ الأسود سطوراً نارية تزرع الشقاق بأدوات "الروافض" و"النواصب"، وبخلايا الموت النائمة منها والمستيقظة بالاضافة طبعا إلى المليشيات التي لها أكثر من راعٍ. لكي تتيح للطائفيين من جناحي الأمة التربّع على الكرسي المتحكم ببيت المال النفطي. فتتحول الحياة إلى مهرجان دائم من المناسبات الدينية التي لا تنتهي في عملية تعطيل مقصودة لعجلة التغيير نحو الأفضل، فكان الكرنفال الذي يعطل العقول قبل عطلة الدوائر الرسمية وتأجيل موعد الامتحانات المدرسية لما بعد تغييب العقول, في سرقة علنية لكل ما من شأنه التأسيس لمرحلة ما بعد الدكتاتورية والعودة المفترضة لنظام حكم ينهي عسكرة المجتمع التي دامت لعقود ويحيي ما درس من حياة مدنية في خطوة أولية نحو التقدم والازدهار الذي تنشده الشعوب على مختلف الأصعدة. منْ قال إن الدكتاتورية انتهت؟!! لم تنته بل أخذت شكلا آخر أكثر خطورة فالمعترض على دكتاتورية أحزاب الاسلام السياسي- الطائفية بالضرورة فهل خرجت جماعة الأخوان المسلمين والحزب الاسلامي عن كونهما أحزاباً سنيةً؟ وهل تحول حزب الدعوة الاسلامية وحزب الله والمجلس الأعلى عن كونها أحزاباً شيعية؟-  كمن يعترض على وكلاء الله على خلقه.

والشر الذي زرعه الطائفيون يُحاصرنا، يُداخلنا، ينام في أسرتنا ويجالس أهلنا، ويحيطهم بطلاسمه التي استعصت على التفسير، لِمَ كل هذا الموت؟ وأي قدرٍ عبثي يطيح بأحلامنا قبل أجسادنا، وأي إله يرضيه بعثرة ما في صدور الصغار؟ وأي دوامة جهنمية أدخلتنا بها أحزاب الاسلام السياسي؟ إذا اختلفوا ندفع الثمن من دمائنا وإذا اتفقوا يلتفتون إلى ما تبقى من أثر للحياة المدنية والحريات الشخصية ليدخلوا أصبع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضمائر الناس ويجرّوا وراءهم رعاع المجتمع ممن أبدلوا الشوارب الصدامية باللحى الحوزوية والقاعدية، ليكونوا رقباء على ما في قلوب الناس. في حالة أغرب ما فيها أنها تحوّل التدخل السافر في الخصوصيات واجباً شرعياً، وفي الطريق إلى الخلاص ثمّة وكلاء للألم وسماسرة للعذاب وملايين من الدولارات المنهوبة. وها نحن ننظر ونرى وليس باليد حيلة لدفع الموت وتجنب الآلام، مسمّرين على صليب الوقت العراقي الثقيل بين الإنتخابات والمحاصصة. ندفن موتى ونضمّد جرحى الملاعب والمعامل والبيوت المفخخة التي قُلِبَ عاليها سافلها، وينشغل الوكلاء والمنظّرون بتنجيد كراسي السلطة والنفوذ والتفكير في كيفية دخول التاريخ، رغم أنّ التاريخ واسع الأبواب رحب النوافذ. فرحين بما لديهم متناسين أن الخير الذي يرفلون به جاء من معادلة لم يكونوا فيها طرفا ولا قاسما مشتركا بل هو التقاء المصالح في صدفة عمياء أنزلت قزما عن عرشه بعد أن طال ظله وأصعدت آخرين يحملون في جنباتهم روح ذلك القزم وخنجره، بل إن البعض منهم يقلده في مشيته. ونبقى نأكل الجمر. ونشرب من بحور الانتظار العبثي لفجر صادق أو كاذب لا فرق. ولأنّ التغيير لم يأت بأيدينا فإننا لانزال تحت الوصاية. من وصاية الاحتلال إلى وصاية أولي الأمر.

هذا هو عراق الكرنفال الطائفي والمهرجان الدائم بعد التغيير. أما تونس الثورة فهناك مشهد آخر يزرع الأمل بغدٍ أفضل يكون الشعب فيه، عبر منظمات المجتمع المدني والاحزاب التي بدأت باللهاث وراء الشعب المنتفض، هو سيد نفسه ويدفع ثمن وعيه وخياراته. الجدير بالذكر هو مانراه من تقدم المطالب الشعبية والصدور العارية التي واجهت رصاص أجهزة القمع على شعارات الأحزاب، هذا أولاً وثانياً لم تتحول المطالب الشعبية عن أهدافها في إزاحة الحزب الحاكم ورموزه من مراكز القرار وثالثاً لم تنزلق جموع الثائرين إلى الانتقام سوى من رموز الفساد من عائلة الرئيس التونسي وبطانته وكل من دخل في دائرة الإثراء غير المشروع الذي كان على حساب آلاف العوائل التي تشكل حزام الفقر في المدن التونسية (والنواميس عارها الفقراءُ) كما قال الجواهري في إحدى قصائده. وقال في غيرها

:
وإن لي فيما افاخرهُ   أُماً وجدتُ على الاسلام لي وأبا
لكن بي جنفٌ عن فهم فلسفةٍ تقضي بأن البرايا قُسّمت رتبا
وإن من حكمةٍ أن يجتني الرطبا فردٌ بجهد ألوفٍ تعلك الكربا

 ورابعا لا بد لنا من تسجيل حيادية الجيش ورفضه قمع المحتجين، والذي يؤكد أن ثمة مساحة جيدة للحراك الشعبي أمنتها الروح الوطنية للجيش. فلو افترضنا أن الجيش التونسي كان اليد اليمنى للرئيس التونسي وأجهزة القمع اليد اليسرى له فماذا كان ليحدث حينها إذا قرر الرئيس سحق الانتفاضة؟ فتجربة نظام صدام حسين التي امتدت لعقود هي مثال حي للقمع والابادة بالاسلحة الكيمياوية وبقصف مدن عراقية من مدن أخرى على يد الجيش بعد الانسحاب من الكويت تعطينا الدليل القاطع على مآل الانتفاضة الشعبية التي أغفلتها وسائل الاعلام حينها لأسباب كثيرة، فعندما يكون الجيش وأجهزة الأمن بيد رأس النظام فالنتيجة إما ابادة للمنتفضين أو تغيير يجلب الدمار والفوضى الشاملة. وهكذا تجنبت تونس الثورة الدخول في نفق العذاب الطويل بسلوكها طريق التغيير الذي اعتمد السير في طريق الانتفاضة السلمية التي تسعى لإزاحة رموز الظلم ووجوه الظالمين. تحدث ابن خلدون في مقدمته عن الظلم فقال: (الظلم مخرب للعمران، وعائدة الخراب في العمران على الدولة بالفساد والانتقاض).. وقال في موضع آخر: (" ولا تحسبن الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المشهور بل الظلم أعم من ذلك وكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه فجباة الأموال بغير حقها ظلمة والمعتدون عليها ظلمة والمنتهبون لها ظلمة والمانعون لحقوق الناس ظلمة وخصاب الأملاك على العموم ظلمة ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها لإذهابه الآمال من أهله واعلم أن هذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري). السؤال هنا هو هل تحافظ الثورة التونسية على خط سيرها التصاعدي لإزالة الظلم وتحقيق العدالة دون الانزلاق إلى الفوضى التي يسعى لها ما تبقى من رموز الفساد، الذين قد يتحالفون مع التطرف الاسلامي وتسخير الثروات التي نهبوها لزرع الفتنة وخلايا التطرف واستغلال الاوضاع الجديدة للتخريب أولاً والدخول من الشباك بعد أن طردوا من الباب ثانياً؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق