التفكير العلمي في الفكر العربي الحديث: بدايات ومآلات

إن مقاربة نظرية لموضوع “الفكر العلمي” بوصفه ساحة متمايزة تشغل حيزها المستقل، في مصفوفة تجاور الساحات التي تتوزع بنية الفكر العربي الحديث والمعاصر، تبدو ضربا من التعسف والعنت الذي يُكره هذا الفكر على استنطاقه بما لم يتحه له التاريخ.

أي أن هذه المقاربة ستصطدم بالمحدودية التاريخية لممكنات العقل العربي على المراكمة علميا في مجتمع ما قبل صناعي، ما قبل رأسمالي حداثي، ولهذا آثرنا أن يكون عنوان بحثنا “التفكير العلمي” وليس الفكر العلمي.

ونقول: يستحيل على الباحث في الفكر العربي الحديث، أن يتحدث عن “فكر علمي” يمثل سلسلة أو نسقا في البنية التكوينية للفكر العربي الحديث، وإن كان ذلك ممكنا في الفكر العربي في العصر الوسيط، فلا بد من التنويه إلى أن الفكر العلمي في التراث العربي الاسلامي في العصر الوسيط، إن كان ذلك قد شكل نسقا مستقلا، أو ساحة متمايزة، لكن هذا النسق لم يتح له أن يندمج عضويا في البنية التكوينية للفكر العربي، فظل ساحة مخارجة لساحاته الأخرى الفقهية، والكلامية والفلسفية، دون أن يداخلها، فيحدث أثره في آلياتها ونظمها النهاجية، ولهذا كان الفكر العلمي ثمرة فضاء حضاري طليق، وازهار فكري وثقافي ثري ومتنوع، وبذلك فإن هذا الفكر لم يكن إلا رمزا لهذه الحضارة العربية والإسلامية وشاهدا على حيويتها، دون أن يكون فاعلا ومؤثرا في أنظمة علومها النظرية: الفقهية والكلامية والفلسفية.

وسينتقل هذا الفكر العلمي إلى أوروبا فيحايث يقظتها النهضوية، التي ستكتشف أهميته الوظيفية الاجرائية الفاعلة في نهضتها، بعد أن آلت الحضارة العربية إلى زمن انحطاطها الذي تتردى فيه حتى اليوم، رغم المحاولات الكبرى لعصر النهضة العربي الحديث، لاستعادة تاريخ هذا الفكر، واستئناف سيرورته، والانتظام في نهاجيته، لكن هذه المحاولات باءت بالإخفاق المعمم المنظور اليوم.

لقد استقلبت “لقابلية التاريخية” للنهوض الأوربي الفكر العلمي العربي، فأدرجته في تاريخ نهضتها العلمية – أثر ابن الهيثم ونظرياته في علم الضوء على جاليله – وأثر آراء البطروجي في علم الفلك وصولا إلى كبلر وكوبرنيكوس، فامتلك هذا العلم تاريخيته في أوروبا بعد أن خرج العرب من صناعة التاريخ، وعلى هذا فإن العلم العربي غدا حلقة في سلسلة العلم الأوروبي، وعنصرا من عناصر نسقه.

هذه القابلية الجاذبة أوروبيا، والنابذة عربيا، هي التي ستفسر لنا ليس حاجة العقل الأوروبي للفكر العلمي العربي فقط، بل أيضا للفكر النظري الفلسفي العقلاني (ابن رشد، ابن خلدون)، فكانت الحاجة النهضوية الأوروبية تحتم عملية جذب تاريخية شاملة لكل القوى الدافعة للتطور والتقدم العلمي والفلسفي مقابل حالة الركود النابذة والطاردة في عمق المجتمع العربي الذي دخل مرحلة الكفاف والاكتفاء وانتفاء الحاجة إلى مغامرة العقل بوصفها ضلالا، فتوَّجها الامام الغزالي بـ” المنقذ من الضلال «.

هكذا سينقذ الإمام الغزالي تاريخ الفكر العربي فقهيا وصوفيا، من ضلالات مغامرة أسئلة العقل العلمي، وأسئلة العقل الفلسفي ليدفع هذه الأسئلة من تاريخ الداخل العربي، إلى تاريخ الخارج الأوروبي، ليقتلع هذا الفكر العلمي وبموازاته الفكر الفلسفي من ذاتيته، وجوانيته العربية، ليغدو فكرا برانيا، مُخارجاً لتاريخ الذات العربية، ومندمجا بتاريخ الآخر الذاتي، وليختطف تاريخ الآخر الغربي، شعلة النور البروميثيوثي من أيدينا، ليضيفها إلى أنواره، متفرجا على التاريخ العربي، وهو يخلع تاريخيته ليلبس أسماله الأصالوية بارادته الحرة في اختيار الظلام الذي فيه يعمه منذ قرون.

سيكتشف العرب مع لحظة الصدام بالآخر المسافة التي تفصلهم عن الغرب، وتفصلهم عن تاريخ فردوسهم المفقود، هكذا ستبدأ لحمة دراما العقل العربي، باتجاه الغرب (العلم – العقل) وباتجاه التاريخ “الأصالة – الإيمان” لتتوج هذه المسيرة في مصر الصانع الرئيسي لفكر النهضة العربية بدولة “العلم والإيمان” في بداية السبعينات، بداية حقبة هزيمة شاملة للعقل ليست أقل من حجم الهزيمة التي أسس لانتصارها ” المنقذ من الضلال «.

ففي القرن السادس الهجري، يبدأ تاريخ انتصار توالي الهزائم في هذه المرحلة، مرحلة التوسع الرأسمالي الاستعماري الغربي، وتحت ضغط التحديات التي طرحها الغرب وتأثير ما سمي بـ” المثاقفة” بدأ المجتمع العربي يتعرف على العلم، من خلال السطوة العسكرية، ولذلك كانت الاستجابة الأولى لهذا التحدي العلمي استجابة عسكرية مع محمد علي، عبر عملية نقل التكنولوجيا العسكرية.

لعل هذه اللحظة التاريخية، تشكل الجذر التاريخي والثقافي والمعرفي “لآلية” علاقة المجتمع العربي بالعلم الغربي، حيث “يتشخصن” هذا العلم بصورة الآلة العسكرية من جهة وبصورة السلعة من جهة أخرى.

ولعل استخدامنا لمفردة “الشخصنة” هو الأكثر تفسيرا وتمثيلا لآلية هذه العلاقة، فالشخصنة تنطوي على رؤية إحيائية “ميثية” للأشياء، تبعث الروح في الجماد، وتغلف العالم الموضوعي بظلال من السحر، قادرة على بعث الأحياء في الزمان والمكان، في الماضي والحاضر والمستقبل، ولهذا يتيسر على الخيال الجمعي العربي أن ” يتشخصن ” له المستقبل، في صورة الماضي، فلا يجد أية غضاضة عقلانية دونه وإمكانية أن يستعيد عصر الخلفاء الراشدين، وأن يستدعي صورة عمر للعدالة، وخالد للشجاعة، بل تتسلل هذه “الشخصنة الميثية” إلى أعمق المناهج الوضعية الفينومينولوجية أو الأبستمية أو التفكيكية، اذ ترد على الأصولية بأصولية مضادة، بصيغة أن لا حاجة لاستدعاء “ابن سينا وفلسفته المشرقية” نحن بحاجة إلى استدعاء “ابن رشد وفلسفته المغربية” للانتظام في سلكها المنهجي، وهكذا تمضي السلسة إلى مالا نهاية من الاستبعادات والاستبدالات الماضوية المقترحة على المستقبل، في مجتمع لايزال يتعرف على نفسه علميا، عبر الآلة، بوصفها بضاعة وسلعة، هي بالأصل قد تجردت وتعالت في مجتمعها الصناعي الرأسمالي حتى غدت “وثنا” فكيف بالأحرى سيتعامل معها المجتمع الذي لم ينتجها ولم يتعرف على أسرارها، ولم يزرع في تربته شجرتها المعرفية، تلك التربة التي لاتبدو له إلا في صورة الرمال المذروة، وعالم الجن غير المرئي، لكنه قادر على “شخصنة” هذا العالم ومساكنته كحقيقة من حقائق وجوده، فيشهر أسلحته الذهنية دفاعا عن الجان، أكثر مما يفعل… تجاه ضياع الأوطان، وليس ما نقوله تهكما، بل يمكن أن يعود إلى المؤلفات الكثيرة لأهم منتج للفكر الاسلامي في سوريا، وعميد كليتها الشرعية، الدكتور محمد رمضان البوطي، إذ هو ينعى على الإمام محمد عبده قوله إننا لا نستطيع أن نرى الجان، ويفنده تفنيدا ويكفره تكفيرا..

هذه الشخصنة الإحيائية التي تغلف العالم بظلال سحرية، ما كان يمكن تجاوزها في الوعي الكوني إلا عبر سلسلة من الانتقالات والتحولات من الذهنية الاستهلاكية إلى الذهنية الإنتاجية، وبالتالي من الاتكال إلى النشاط، من الأسطورة إلى العلم، من العبودية إلى الحرية، هذه التحولات على مستوى تاريخ الوضع، تاريخ المتحقق المنجز في السياق الغربي، أي أن هذه الدوال المجردة تجد مدلولاتها في جسم الفعل الذي تحقق عيانيا بإبدال الكاثوليكية بالبروستانتية، والاقطاع بالطبقة الوسطى، والبورجوازيات التجارية، بالبورجوازيات الصناعية، وعلى المستوى الفلسفي بإبدال العقلانية الديكارتية بالتجريبية الإنكليزية … ( عبدالله العروي ، ثقافتنا في ضوء التاريخ، بيروت الدار البيضاء ، المركز الثقافي العربي ، الطبعة الثالثة ، بدون تاريخ ص 149 ).

ذلك هو السياق التاريخي والثقافي والاجتماعي والفلسفي لنشأة العلم والفكر العلمي. فالعلم والفكر العلمي إذن هو حصيلة سيرورة تاريخية متداخلة لجدل الثقافي بالاجتماعي بالفلسفي على طريق امتلاك العالم عقلانيا، أي بلوغ مستوى وعي العالم بوصفه وجودا موضوعيا، تحكمه قوانين داخلية ضرورية ومتشارطة سببيا.

فالعقلانية بهذا المعنى ليست إلا شكلا للتفكير العلمي بالعالم والواقع والمجتمع، وهي المعادل للتفكير العلمي على طريق صيرورته إلى علم وفكر علمي، فهي بذلك تشكل الفضاء الثقافي والعقلي الضروري للانتقال من مرحلة التأمل إلى مرحلة التحقق، من مرحلة التفكير النظري إلى مرحلة الإنجاز الواقعي، أي هي الشرط الثقافي الاجتماعي التاريخي للانتقال من التفكير العلمي إلى الفكر العلمي، ومن هنا كانت العقلانية الديكارتية بمثابة ثورة ثقافية جعلت من العقلانية والتفكير العلمي جزءا من وعي اجتماعي، مدني، مهد للعلم التجريبي ومن ثم الفكر العلمي.

ولهذا اخترنا عنوان بحثنا، التفكير العلمي في الفكر العربي، إقرارا بحقيقة افتقار الفكر العربي الحديث إلى الفكر العلمي، واعترافا بأن الفكر العربي الحديث، بما انطوى عليه من نزعات عقلانية إسلامية إصلاحية، وليبرالية تنويرية علمانية، وماركسية تاريخية جدلية، عرف، ومارس منهجيا على مستوى التأمل والنظر، ضربا من ضروب التفكير العلمي.

لكن إنجازاته هذه لم ترتق إلى مستوى تحقيق ثورة ثقافية عقلانية قادرة على اختراق الوعي الاجتماعي العام، أي أنه عجز عن خلق الفضاء الثقافي الضروري لتحقيق النقلة باتجاه أي ضرب من ضروب العلم التجريبي والفكر العلمي، رغم الأعداد المتزايدة للجامعات، والمعاهد، ومراكز البحوث وإيفاد عشرات من الطلاب إلى الجامعات الأوربية خلال أكثر من قرن، وسنعود لمناقشة ذلك

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق