التفلسف كطريق للتغيير

ِ“إنّ من يحيا دون تفلسف، هو حقا كمن يسير مغمضا عينيه دون أن يحاول فتحهما، ومن يستعمل عينيه لهداية خطواته أفضل بلا ريب ممن يسير مغمض العينين” [1]

 

 الأفكار تسافر، تختفي، ثم تعود إلى الظهور مجددا وقد غيرت مضمونها وحمولتها الدلالية، يظل اختفاؤها وظهورها مرتهنا بطبيعة المتغيرات الاجتماعية التي تفرض ضرورة وجودها، ويتم تناسيها حينما لا يبقى هناك أي مبرر للاحتفاظ بها، إلا أن المهم في تاريخ الفكر، ليس الفكرة في حد ذاتها، وإنما هو الدور الذي تلعبه في مرحلة ما من مراحل تطور الفكر الإنساني، وعادة ما تكون الأفكار البارزة في لحظة تاريخية ما محط اهتمام الجميع، كما هو حال فكرة “التفلسف الحداثي” التي كانت تعبيرا قويا عن سلسلة التحولات التي عاشتها أوربا إبان ثورتها على موروث العصورالوسطوية الظلامية، مرورا بعصر النهضة، وانتهاء بفترة الأنوار.

ما يهمنا هنا هو فكرة “التفلسف الحداثي” ذاتها في استقلال عن استخدامها ودورها في نهضة الغرب، إذ أن من خصائص الفكر أنه يظل دائما ذا صبغة كونية متعاليا عن كل الارتباطات العرقية، فللأفكار منطقها الخاص الذي يجعلها بمنأى عن تحكم الأشخاص، إذ أنه حينما ترتبط فكرة أو نظرية ما بشخص أو حضارة تسقط أسيرة منظور عرقي ضيق يحكم على أمة ما بالنبوغ والإبداع والخلق، في مقابل الحط من قيمة الأمم الأخرى التي لم تجد لعقم فكرها حلا، لا شك أن رؤية كهذه مجانبة للصواب وقاصرة عن إدراك المنطق الخفي الذي يحكم تطور الفكر البشري.

 من هذا المنطلق يمكن القول إن فكرة التغيير والتفلسف الحداثي، ليست حكرا على الغرب وحده، بل هي مشروع يجسد آمال وتطلعات كل الأمم والشعوب التي تأكد لديها أنه لا جدوى من التمسك بأفكار الماضي كما هي دون تعديل أو تطوير.

 

 غير أن الوصول إلى مرحلة التحديث لا يتم بسهولة، لأن الأمر يتعلق بتغيير منظومة بكاملها، بل عبر مخاض عسير يشتد فيه الصراع بين دعاة التغيير وأنصار القديم، يرى الأولون أن نمط التفكير القائم لم يعد قادرا على مسايرة التحولات المتواصلة وفهمها، مما يستلزم ضرورة تغيير الأطر المعمول بها، في حين يعتقد الآخرون أن مظاهر التفسخ الاجتماعي والانحلال الخلقي والديني بالأساس، ما هي إلا نتائج للتهافت على التجديد والتغيير، مما يشكل لديهم مدعاة للدفاع على الوضع القائم والتشبث بالقديم الجاهز، هذا الجاهز الذي ثبت أنه أصبح ينتمي إلى دائرة التراث الذي ينبغي الاستفادة من أخطائه وزلاته، وليس استهلاكه كما هو.

 

 وبين هذا وذاك يظل العقل الفلسفي وفيا لطبيعته النقدية مطلقا لتساؤلاته المتجاوزة دوما لكل معرفة تدعي المطلق واليقين الثابت[2]،لأن هذا الأخير يحد من رؤية الإنسان وإمكانياته، ويحصره وسط عالم ضيق يصعب النفاذ منه، ما لم يتم استعمال التفلسف الذي يقدر على تحطيم هذه الأبنية الوهمية، ويفتح العقل الإنساني على عوالم أخرى ممكنة ، والمقصود بالتفلسف تحكيم العقل والتفكير المنطقي في كل القضايا والمشاكل التي نواجهها في الحياة، وتجاوز كل الأحكام المسبقة والحكم المتوارثة[3]، وإعادة النظر في الثقافة السائدة باعتبار أنها تشكل دوما فرملة لعملية التطور والتغير. من هنا كان التفلسف هو الحل الوحيد القادر على تحرير الأفراد من قوة التقاليد القامعة لقدراتهم الإبداعية والفكرية.

إن أي تغيير ممكن لا يمكن أن يصنعه رجال ما زالوا يتغنون بأمجاد الماضي وبطولات أجدادهم الدونكيشوتية، ويستنجدون بمقولات رجاله وشيوخه كلما لاح لهم شبح  السؤال، لأن هذا الأخير يظل باعث قلق لهم، فالتفلسف هو عدم القبول بالأفكار والتسليم بها دون إخضاعها لمحكمة النقد والتمحيص[4]، وبالتالي فهو عناء ومشقة فكرية غايتها تطهير العقل من مخلفات الانحطاط الفكري القديم، إذ لا يمكن بناء ثقافة موضوعية بالاعتماد على وعي قائم على معارف ماضوية متجاوزة.

 

 إن ما يزيد من ترسيخ المعارف التقليدية هو أن الوعي الجمعي ميال إلى الاستكانة والراحة والحفاظ على طرق التفكير المألوفة، والأخذ بالأحكام والمقولات الجاهزة التي تناقلها الأحفاد عن الأجداد فتحولت إلى حكم، دون أن يكلف نفسه مشقة إبداع فكر يتلاءم والتطورات العلمية المتواصلة، ولهذا عادة ما ينظر إلى الفلاسفة نظرة استغرابية، لأنهم لا يرضون باستهلاك الجاهز، وإنما يتساءلون بصدد كل الأفكار، ويندهشون أمام مختلف الأشياء حتى تلك التي تبدو للآخرين واضحة ومألوفة، رغم أن السؤال قد يكلفهم حياتهم كما حدث مع سقراط، إذ المهم في التفلسف ليس الأجوبة، بل هي التساؤلات المرفوقة بقصدية تسعى إلى تحريك الوعي القائم وتطهيره من الأحكام الجاهزة وإعطائه دينامية جديدة، فكثر هم أولائك المتسائلون، وقلة من يقدرون على بلورة أسئلة فلسفية.

 

من هنا فإن الشخص الذي لا يتساءل ولا يتفلسف، ويظل مطمئنا إلى ما يتلقاه من معارف، هو كمن اختار أن يسير مغمضا عينيه دون أن يحاول فتحهما[5]، إذ أن إخضاع المعارف والمسلمات للنقد، عملية متاحة أمام الكل، إلا من اختار راحة الذهن على بلبلة السؤال، وفي هذا الصدد، يقول برتراند رسل: ” إن قيمة الفلسفة إنما تلتمس في ما هي عليه من عدم اليقين، والشخص الذي لا يتفلسف، يمضي حياته أسير أحكام سابقة استمدها من المعرفة الشائعة…،فيظهر له العالم واضحا جليا بحيث لا تثير فيه الأشياء أي سؤال”[6].

من هذا المنطلق نتساءل، هل تخلف ثقافتنا دليل على أنها استهلاكية وغير منتجة؟ وما الذي يجعلها كذلك ؟ في اعتقادي البسيط إن ما تعانيه ثقافتنا هو سيادة الفكر التبريري والتمجيدي للماضي ، الذي يظل تعزية لمسلسل الفشل المتواصل ، إذ أننا نحاول دوما أن نصلح بناء متداعيا، لم يعد قادرا على مقاومة رياح التغيير القوية، فالمشكلة تتجسد في أن أغلب المعارف والأحكام وأنماط التفكير ما تزال محافظة على طابعها الكلاسيكي القديم، دون أن تتأثر بتطور المناهج العلمية والعلوم الإنسانية، لأن عقليتنا قائمة على فكرة ” التحريم” ،التي تنظر إلى كل تجديد على أنه “ بدعة وضلالة وخروج عن إجماع الأمة” ، في الوقت الذي تضفي طابع الصواب والحكمة على القديم.

وحتى إذا وجد رجال حاولوا بث روح الحيوية في هذا الفكر الجامد، فإنهم يجدون تهما جاهزة يغذيها منطق التحريم والمنع والقمع الذي لا يقبل بأي نقد أو تعليق، نحن لا نتنكر للتراث الديني والفكري، بل نعتز به، لكن دون أن نقدسه،، أو كما قال أبو حنيفة ” هم رجال ونحن رجال “.

 إن كل معرفة سواء كانت علمية أو فلسفة أو أخلاقية تظل سليلة عصرها، أي لا تستطيع تجاوز منطقي الزمان والمكان، فالتأويل الذي أعطي لإسلام القرن الأول الهجري كان قادرا على تفسير كل القضايا وحل مختلف المشاكل التي واجهت المجتمع الإسلامي، وقد تأتى له ذلك لأنه استطاع أن يدمج علوم وأفكار عصره، وأن يستفيد من تجارب الأمم والحضارات التي عاصرها، خاصة الفرس والروم، ولما كان محكوما بالتطور التاريخي فإن هذا يتطلب التفكير في تأويل جديد يستسيغ التغيرات والتطورات المتلاحقة التي تمر منها البشرية منذ قرون خلت، فلكل عصر خصوصياته التي تفرض على كل جيل أن يبدع تأويله الخاص، مما يستلزم ضرورة نزع غطاء القدسية عن كل المواضيع التي يحرم التفكير فيها، لأن الثقافة السائدة مجرد إبداع إنساني نسبي لا يخلو من الخطأ والابتذال، وهذا يفرض على كل دعاة التفلسف والفكر التحرري ضرورة الانخراط في عملية إعادة بناء عقلية هذا المجتمع ، من خلال تهيئة الوعي الجمعي للقبول بالأفكار التنويرية والتساؤلات الفلسفية التي لا تقبل بوجود موضوعات تعلو على النقد والمساءلة.

يجب ألا ننتظر معجزة إلهية تخلصنا، أو ظهور مهدي ينتشل مجتمعنا من أوحال التطرف والانحلال ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” وفي آية أخرى ” وقل اعملوا فسيرى الله عملكم “ . من هنا يمكن القول بأن أي تغيير ممكن، لا بد أن ينبثق من صلب ثقافتنا عبر ثورة تطال الوعي الجمعي، وتحطم دعاماته وأسسه.

 وفي هذا الصدد يجب على المشتغلين بالفلسفة والواعين بقيمتها وقيمها أن يعوا رسالتهم ودورهم الفكري، وأن يساهموا في صناعة الوعي الثقافي الاجتماعي، من خلال غرس مبادئ التفلسف والسؤال في عقلية الأجيال الصاعدة، وأن يستحضروا دوما أن الفلسفة ليست درسا بيداغوجيا يلقن للتلاميذ والطلاب، من أجل اجتياز الامتحانات، بل هي سلوك ونمط تفكير ورسالة إلى الإنسانية جمعاء، غايتها الدفاع عن كرامة الإنسان وتحصيل حرياته وتحصينها وتكريس النظر إليه على أنه غاية لا وسيلة.

 

 ولا يسعني هنا إلا أن أذكر بالدرس الإنساني الخالد، الذي عبر عنه شهيد الفلسفة الأول “سقراط “ وهو يقف أمام المحكمة ليدفع ضريبة قول الحقيقة[7]، والدفاع عن العقل والكرامة الإنسانية، لقد حوكم سقراط لأنه علم أهل أثينا وشبابها أن التفلسف والسؤال هو الحل الكفيل بتحرير الإنسان من قيود الرذيلة والجهل والرقي به إلى حكمة العقل، ولهذا ظل مبتهجا حتى بعد أن صدر الحكم عليه بالإعدام، لأنه آمن أن الفلسفة رسالة وأمانة يجب تبليغها، وأن” أجمل الأفكار وأروع المبادئ هي تلك التي تسقى بالدماء “كما يقول “نيتشه”، لقد رفض مساومة قضاته، بأن يتخلى عن أفكاره ويتبرأ منها مقابل حياته، لأنه لم ير ضيرا في الموت ما دام أن الرسالة قد وصلت .

 

 وأخيرا أصل إلى أن التفلسف ليس تنظيرا متعاليا عن الواقع والناس، وليس حكرا على نخبة دون الآخرين، أو أمة دون الأمم الأخرى، وإنما هو محاولة مستمرة لفهم الواقع، وصيرورة تسعى إلى تغيير الأطر والقوالب الفكرية الجاهزة، كلما ثبت أنها لم تعد قادرة على استيعاب متغيرات الواقع وتقديم فهم دقيق له[8]، ومن هنا أعتقد أنه آن الأوان لإعادة تشغيل محرك ثقافتنا لاستدراك التأخر الحاصل، لأن التاريخ لا يرحم، فإما التغيير، وإما البقاء على هامش التاريخ. 

 

 

 مراجع:

 رونيه ديكارت : مبادئ الفلسفة، ترجمة : عثمان أمين

برتراند رسل : مشاكل الفلسفة ، ترجمة ، عبد السلام محمود إبراهيم.

أفلاطون : دفاع سقراط ترجمة الأب أبوحنا إيزيدور.

ع السلام بنعبد العالي و محمد سبيلا: التفكير الفلسفي ، سلسلة دفاتر فلسفية.

ساهل بوعزة : جدلية العلم والعقل، منشورات دار التوحيد.



– ديكارت، مبادئ الفلسفة، ترجمة: عثمان أمين ، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص.311

2 – محمد سبيلا و ع السلام بنعبد العالي، دفاتر فلسفية، التفكير الفلسفي، (نصوص مترجمة)، ص. 58 

3- محمد سبيلا و ع السلام بنعبد العالي، دفاتر فلسفية “الحقيقة” ص 42.

4- رونيه ديكارت، مباديء الفلسفة، تر:عثمان أمين، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص. 53 

5- نفس المرجع، ص31. 

6 – برتراند راسل، قيمة الفلسفة، مقتطف من سلسلة دفاتر فلسفية، كتاب:” التفكير الفلسفي”، إعداد وترجمة: سبيلا وبنعبد العالي، ص.58)

– أفلاطون ، ادعاء ميلتيس ودفاع سقراط، ترجمة :الأب ايزيدورأبو حنا ، ص. 32 7

8- توماس كون، بنية الانقلابات العلمية، ترجمة : سالم يفوت ،دار الثقافة، ص. 103

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق