التقرير العربي الثاني للتنمية الثقافية

قليلة هي الإصدارات العربية التي تهتمّ بدراسة الشأن الثقافي العربي عامة وتحليله، أوهي بالأحرى تكاد لا تُعدُّ، إضافة إلى اتّسام أغلبها بالجزئية في غياب المعطيات الدقيقة والمنظمة، ولعلّ أشمل هذه الإصدارات على الإطلاق هو “التقرير العربي للتنمية الثقافية” وقد صدر عدده الثاني مؤخّرا ليرصد الحراك المعرفي والثقافي في 22 بلدا عربيا، ويضع الإصبع على مواطن الضعف ومكامن الخطأ في السياسات الثقافية في الوطن العربي في انتظار تفعيل جذريّ للحلول الممكنة، لتجاوز مكامن الوهن ومخاطر الدغمائية والانبتات.

وجاء “التقرير العربي الثاني للتنمية الثقافية” الذي تصدره للعام الثاني على التوالي “مؤسّسة الفكر العربي” المستقلّة، ليكون فرصة لتحليل الواقع الثقافي في الوطن العربي في مواجهة عالم تحكمه العولمة وتتنوّع فيه مطامع الغزو الثقافي. ويتكوّن التقرير الثاني من خمسة محاور رئيسية في محاولة للإلمام بأهمّ جوانب الحقل التنموي الثقافي العربي وهي: المعلوماتية، التعليم العالي، الخطاب الثقافي في وسائل الإعلام، الإبداع، وأخيرا الحصاد الفكري السنوي.

وقد حاول التقرير -في ملفّ المعلوماتية- أن يبيّن ملامح الفجوة الرقمية التي تتخبّط فيها معظم الدول العربية ولو بصفة متفاوتة، مبيّنا بالأرقام ضعف الحضور الثقافي العربي على شبكة الانترنت. فلا يكفي مثلا أن نأخذ معلومة أنّ 55 مليون عربي يستعملون الانترنت اليوم كمسلّمة في حين أنّ أغلب مستعملي الانترنت العرب هم من روّاد مواقع الدردشة والشات، ولا يكون نصيب المواقع الثقافية -التي تشكو هي الأخرى من ضعف في المحتوى- إلا النزر القليل. وانتقد التقرير في محوره الأوّل كذلك غياب الصيغ التفاعلية في مواقعنا الثقافية العربية على قلّتها، مؤكدا أنّ حرية الوصول إلى المعلومة والتوظيف الجيّد لتقنية المعلوماتية هي الأداة الأنجع لتحقيق تنمية ثقافية دائمة، كما أنّ إنتاج مجتمع ايجابيّ ومشارك في الرأي العامّ لا يتحقّق في مجتمع يعاني فجوة رقمية وثقافية ولا يسعى جاهدا لإيجاد مخرج من أزمة طالت ولا حلول لها في الأفق.

أما محور التعليم العالي فقد عرّج فيه مؤلّفو “التقرير العربي الثاني للتنمية الثقافية” على تواضع إنفاق الحكومات العربية على الطالب في الجامعات وعلى البحوث العلمية مقارنة بالدول الغربية، إذ لا يتجاوز الإنفاق 800 دولار في بعض الدول العربية ليصل في لبنان وتونس إلى 1800 دولار، في حين أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تنفق ما لا يقلّ عن 22000 دولار على الطالب الواحد. كما انتقد التقرير غياب استقلالية الإدارية والمالية للجامعات في البلدان العربية، وهو ما من شأنه أن يعيق الجامعة ويحدّ من جودتها التعليمية، إضافة إلى شحّ النفقات الحكومية الموجّهة إلى لتعليم العالي والبحث العلمي، حيث تكتفي الدول العربية بإنفاق 0.5 بالمائة من إنتاجها المحلّي السنوي على البحث العلمي، في حين أنّ دولا أخرى تنفق أضعاف هذه النسبة في نفس المجال. وقد أدّى هذا الواقع العربي إلى تراجع الدور المعرفيّ للجامعات العربية وتقلّص القدرة على دخول غمار البحوث العلمية.

وفي ملفّ الخطاب الثقافي في وسائل الإعلام، تطرّق التقرير -ومن خلاله الباحثون والمختصون في الشأن المعرفي والثقافي في الوطن العربي – إلى أخطار الغزو الثقافي، حيث تمثّل سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على التجارة العالمية لبرامج التلفزيون أهمّ تهديداته. كما أنّ الالتباس الحاصل بين المثقّف العربي والسلطة قد ساهم في تكريس “فكر الهزيمة”، وبذلك يجد المثقف العربي نفسه أمام خيارين : إمّا أن يلتحق بالسلطة، أو أن يهرب إلى الغرب. بالإضافة إلى ذلك فإنّ صغر مساحة الحضور الثقافي في وسائل الإعلام يصاحبه أيضا الكثير من المشاحنات في المساحات الحوارية، كما يصرّ المثقفون الذين يظهرون داخل الخطاب الصحفي على إبراز استقلالهم عن السلطة في حين أنّهم جزءٌ منها.

ملفّ الإبداع هو المحور الرابع الذي تضمّنه “التقرير العربي الثاني للتنمية الثقافية”، وقد حاول الولوج إلى أهم المشكلات التي تعترض الإبداع العربي في مختلف تجلّياته؛ الأدبية منها والسينمائية والمسرحية، في حين غابت الموسيقى عن هذا الإصدار لأسباب غير مبرّرة! وقد أكّد التقرير من خلال بيانات إحصائية تفوّق الرواية على الشعر، فقد ساعد نشاط الترجمة على جعل الرواية العربية على نفس مستوى الرواية العالمية، وفي مقابل ذلك يشهد الشعر العربي أزمة في القراءة يبيّنها ضعف المبيعات لهذا الصنف الأدبي. ودعا التقرير بصفة ضمنية الدول العربية إلى ضرورة تمويل الحركة الإنتاجية في قطاع السينما، بدل الإنفاق المتنامي على تنظيم المهرجانات في بلدان تشكو قلّة الإنتاج، منوّها بحضور السينما الفلسطينية في المحافل العربية في السنوات الأخيرة.

وفي قطاع المسرح العربي أشار التقرير إلى افتقاد آليات تخوّل للمسرح العربي ايجابية التعامل مع المستجدات السياسية والاجتماعية والعالمية على حدّ سواء، إضافة إلى اشتكاء هذا القطاع من اهتراء البنى الثقافية التحتية في مجمل دول الوطن العربي. هذا طبعا إلى جانب اتّصاف الأعمال المسرحية بالموسمية، كاقترانها مثلا بالمهرجانات أو إعلان عاصمة ثقافية في دولة عربية ما.

وفي محور الحصاد الفكري، طرح التقرير إشكالية ضعف نصيب الفكر والمعرفة في حلقات النقاش في العالم العربي، وذلك ربما بسبب تراجع الدور المعرفي للجامعات العربية، كما انتقد أيضا خلوّ المكتبات العربية من قواميس علمية مختصة في الفكر والعلوم الإنسانية باللغة العربية. وأكّد التقرير أنّ أهمّ قضايا العقل العربي في المرحلة الحالية تتمثل بالخصوص في الجدل القائم حول الدور الإقليمي العربي وقضايا التنمية والمجتمع المدني، وغيرها من القضايا التي تفرضها الأحداث العربية و الدولية الراهنة.

حاول التقرير العربي الثاني أن يكون ملمّا بأهمّ قضايا التنمية الثقافية في وطن عربي يضمّ ما لا يقل عن 342 مليون نسمة، وقد تناول بالتحليل أهمّ أوجه القطاع الثقافي اعتمادا على ما توفّر له من معطيات تبقى في مجملها معطيات تقريبية، نظرا لعدم توفر البيانات الرقمية والإحصائية الدقيقة. وباعتبار أنّ الوطن العربي يعاني من نسبة أمّية تناهز الـ30 بالمائة، فإنّ الطريق إلى تحقيق تنمية ثقافية سيكون بالضرورة طريقا محفوفا بالمشقة فالتحدي الأول الذي تواجهه الدول العربية هو القضاء على الأمّية، قبل التفرّغ إلى تحقيق التنمية الثقافية. فكيف نبني مستقبلا ثقافيّا أكثر ازدهارا في بلدان لا يعرف ثلث سكانها القراءة والكتابة!

إضافة إلى ذلك، فإنّ النتائج التي توصّل إليها هذا التقرير تبقى بلا فائدة إذا لم تع الحكومات العربية بضرورة تحرير الثقافة من الرقابة، وضرورة تطوير الخطاب الثقافي الرقمي، ومضاعفة الدعم المادي للنشاط الفكري والبحثي وكذلك تمويل الإنتاج الإبداعي، وإذا لم تدرك أيضا هذه الدول أن التنمية الثقافية لا تكون بمعزل عن التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية ككلّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This