التقليديّون، الحداثيّون، والإصلاح : ضدّ الكسل

تقع العودة اليوم بكثافة غير معهودة لدراسة فكر النهضة وعصرها بعد أن كادت الدراسات حول هذا الموضوع تنحصر داخل المجال الأكاديمي الضيق. كتب عديدة صدرت في تونس أو ألفها تونسيون مؤخرا تعرضت لمسألة النهضة الفكرية في القرن التاسع عشر، مع تركيز واضح على تونس بفعل الاهتمامات العلمية لأصحابها وأيضا بفعل اعتبار تونس، إلى جانب مصر بالخصوص، البلد الذي احتضن سجالا فكريا مميزا في نهاية القرن التاسع عشر حول إشكاليات النهوض، مما وفر بالضرورة مادة أدبية ضخمة ما زال البعض يعود للحفر فيها.

والحقيقة أن أكبر مبررات العودة لدراسة فكر النهضة هو الأزمة التي تواجه هذا الفكر الآن والتساؤلات العديدة التي تستفيق في وعينا الكامن مع كل صدمة تواجهنا وجوديا حيث يعود نفس السؤال حول تخلفنا وعجزنا وتفسيرات قعودنا الحضاري. مثل سقوط العراق تحت الاحتلال بالنسبة لقسم من النخبة أحد تلك الصدمات وليس آخرها، كما مثل انتشار التدين بالنسبة للبعض الآخر دليلا على أن شيئا ما يحدث يمكن أن يشكل علامة على نكوص إلى ما قبل وعي النهضة. في كلتا الحالتين هناك إعادة تساؤل عما يحدث داخلنا ومسعى لمقاربة الموضوع مجددا بأدوات أخرى أو بذات الأدوات والمنطلقات القديمة: هل كانت النهضة وعيا أصيلا في ثقافتنا؟ هل مشينا في طريق خاطئ منذ تجارب التحديث؟ هل أن التحديث من فوق يمكن أن يعوض جمود العقليات وتباطؤ سير المجتمعات؟ كيف تعاملنا مع إرث التحديث وموروث النهضة؟ تلك بعض الأسئلة وليس كلها، ولا يفعل من يتناول المسألة سوى إعادة طرحها مجددا بعد أكثر من قرن على ظهورها في كتابات المصلحين الأوائل، ولكن في ظرفية مختلفة، ظرفية ما بعد تأسيس الدولة الوطنية التي ادعت باستمرار أنها حاملة لواء التحديث والفكر التنويري.

بعد أكثر من نصف قرن على استقلال معظم الدول العربية، لا يزال الوعي الجمعي مراوحا مكانه بإزاء كثير من المواضيع، بل إنه في حالات أخرى تسجل بعض العودة إلى الوراء، أو ما يسميه البعض ردة ثقافية متنامية. طيلة نصف قرن من الزمان من عمر الدولة الوطنية لم يفعل الحداثيون سوى تبني ما قيل، مستسهلين الركون إلى خلاصات كان يبدو لهم أنها محل إجماع ومطمئنين إلى أنها ستظل صامدة أبدا. طيلة أكثر من نصف قرن من الزمان خير كثير من الحداثيين الركون إلى قراءة رسمية للتحديث أرادت من خلالها الدولة والنخب الممسكة بتلابيبها أن تبني قسما من شرعيتها على الإدعاء بأنها حاملة لواء الحداثة وتطوير المجتمع، ولكنه كان تحديثا منقوصا لأنه نتاج مفارقة رهيبة بين وعي النخبة ووعي غالبية المجتمع المعرض لكل التأثيرات، سلبية كانت أو إيجابية، سواء قدمت من الشرق أو من الغرب. طيلة أكثر من نصف قرن كان تحديث المجتمع يسير حثيثا، كانت المرأة تنال حقوقها الواحد تلو الآخر والتعليم يسجل النصر تلو النصر على الجهل والأمية، في حين كان فضاء الحريات ينقص بالقدر الذي تتضاعف به سطوة الدولة واستبدادها. كان التحديث يسير بسرعتين مختلفتين، بل متضادتين.

ينبغي على بعض النخبة اليوم أن تعترف بأن اتفاقا ضمنيا كان قد حصل بينها وبين إستراتيجية ما اتبعتها الدولة الوطنية، ذلك الاتفاق الذي تخفف فيه النخبة من غلواء مطالبتها بالحقوق السياسية للجموع في مقابل اضطلاع الدولة بالإصلاح الاجتماعي وجعله أوكد أولوياتها. بعد أكثر من نصف قرن نستفيق على أن التحديث لا يزال موضع تشكيك، وأن الحريات لا تزال في تراجع. صدمة مضاعفة. لم تزد الأوطان منعة ولا الشعوب إيمانا ولا الدولة شرعية. تهزنا العولمة اليوم هزا، مثلما هزنا الاستقطاب الثنائي طيلة الحرب الباردة، ونقع في كل يوم أسرى للتدخلات الخارجية والتناحرات الداخلية. يكفي أن ننظر إلى العراق لنفهم أن رمز التحديث في العالم العربي طيلة عقود من الزمن قد أسقطت عاصمته دبابة، وفككت جيشه خيانة، وحلت العشائر فيه محل مؤسسات كانت تبدو عريقة التنظيم وصلبة، وانتشر فيه القتل على الهوية المذهبية.

كل ذلك يتطلب تناولا لقاعدة التحديث الفكرية ووعي النهضة. وعي النهضة ذاتها، ووعينا نحن اليوم، ومنذ عقود، لفكرها. ذلك ما يبرر تأليف عبد الحق الزموري، الأستاذ بالجامعة التونسية، كتابه "مراجعات في وعي النهضة"(1) من خلال النموذج التونسي. ذلك ما يجعل عبد الواحد المكني، المؤرخ الجامعي، يضع عنوانا لكتابه الجديد يقر بفشل حركة الاستنارة العربية، ويقر في مقدمته بأنه "  بعد قرن ونصف القرن تسير الأمور سيراً عكسياً، فالموجود دون المنشود. لقد فشلت حركة الاستنارة العربية في المساعدة على الإقلاع بالمجتمع نحو الحرية وفي تكوين لبنات الدولة المدنية الديمقراطية وفي ترسيخ الفكر العقلاني الناهض: انه النكوص التام"(2).

يعيد عبد الحق الزموري تناول بعض المسائل التي كنا نعتقد أنها قتلت بحثا من جانب نخبتنا الفكرية والأكاديمية لنكتشف من خلال عمليات الجرد التي قام بها لاثنتين من أهم الإصدارات الأكاديمية الفقر الذي ساد تناول موضوعات مثل المرأة والإصلاح.  يقوم المؤلف بتتبع مضامين كل أعداد "حوليات الجامعة التونسية" و "المجلة التونسية للعلوم الاجتماعية" ليجد في النهاية أن موضوع الإصلاح ورجالاته لم يقع تناوله في كليهما سوى بما دون الخمسة بالمائة بالنسبة للحوليات، وبما يناهز الاثنين بالمائة بالنسبة للمجلة التونسية للعلوم الاجتماعية. أما بالنسبة لموضوع المرأة في علاقتها بالإصلاح فقد لاحظ المؤلف أنه من ضمن 423 مقالا صدرت بالحوليات لم يخصص سوى اثنان لهذه المسألة، وأنه من بين 900 بحث نشرت بالمجلة الثانية لم يفرد نفس الموضوع سوى بمقالين، مما يعطينا نسبا هي من الضعف بما لا يكاد يذكر. إذا علمنا أن المجلتين قد ظهرتا في سنة 1964 وأنهما نشرا مجتمعتين عشرات الأعداد ومئات المقالات، فإننا لا نملك إلا أن نتعجب. نتعجب أكثر عندما نعلم أنه أريد للمجلتين أن تكونا فضاء نقاش وحوار للنخبة الفكرية والأكاديمية وسندا لأفكار التحديث الاجتماعي. ما يجب التأكيد عليه في حضور هذه الملاحظة الإحصائية هو احتكار الدولة، برموزها ومؤسساتها، الخطاب حول الإصلاح والتحديث، ذلك أن ما ألقاه بورقيبة وأعضاده من خطب حول هذين الموضوعين بالذات، يتجاوز أضعافا مضاعفة ما حبرته تلك النخبة في المجلتين، بل نكاد نجزم أن الفقر في تناولهما أمر يتعداهما إلى غيرهما من فضاءات النشر الأكاديمي، إذا استثنينا بعض الرسائل والأطروحات التي تركن في رفوف المكتبات الجامعية مباشرة بعد مناقشتها، دون أن يكون لها كبير تأثير على ما يتناول داخل الفضاء العام. ذلك أن النخبة التحديثية قد ركنت إلى الطابع الإلزامي للإصلاح بوصفه سياسة رسمية للدولة، واكتفت في هذا المجال بترديد دعاية النظام، بغض النظر عن تقييمنا لمضامين تلك الدعاية، وبغض النظر أيضا عن موقفنا من الإصلاح والتحديث. هذا الكسل النخبوي يتحمل اليوم قسطا من مسؤولية التشكيك الذي نراه يعبر عن نفسه هنا وهناك في ما أنجز إلى حد اليوم من إصلاحات اجتماعية. ليس التحالف بين النخبة والدولة من أجل إنجاح التحديث وتسريع التطور الاجتماعي والفكري مما يشكك فيه من ناحية المبدأ، ولكن المشكلة تكمن في التخلي الطوعي عن تطوير مضامين ذلك الفكر الإصلاحي وتعداد زوايا النظر لموروثه واللامبالاة الكاملة إزاء تطور الفكر إلى إيديولوجيا. يبدو غريبا أن أنصار التحديث الذين دعوا الآخرين باستمرار لمراجعة وعيهم يقعون أحيانا فيما يتهمون به غيرهم من جمود وكسل، معتقدين أنهم الوكلاء الحقيقيون الوحيدون عن التحديث، ومتحولين إلى ما يشبه الطائفة الفكرية السياسية، مخيرين الركون إلى مضامين إيديولوجيا رسمية نعلم اليوم أنها كانت إصلاحية وتحديثية بالقدر الذي يسمح لها فقط بترسيخ سطوتها على الجميع.

من المفارقات الأخرى التي يثيرها التأمل في هذا الموضوع هو الانتقائية التي ميزت تعامل بعض أنصار التحديث المعاصرين مع الموروث الإصلاحي، ومع النخبة الإصلاحية التونسية في أواخر القرن التاسع عشر. ففي حين يقع استعمال ابن أبي الضياف وكتابه "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان" في معرض الحديث عن الإصلاح السياسي ومقت الاستبداد والحكم المطلق، فإنهم يغضون النظر تماما عن رسالته حول المرأة والتي ضمت أجوبة عن أكثر من عشرين سؤالا وجهها إليه الوزير خير الدين التونسي أثناء إقامته المطولة بفرنسا، وهي أسئلة طرحها عليه من وحي محاوراته مع الفرنسيين الذين أرادوا سبر أغوار فكر النخبة التونسية آنذاك إزاء الوضعية الدونية للمرأة المسلمة في المجتمعات الإسلامية. بدا ابن أبي الضياف شديد المحافظة في تلك الأجوبة، مما يعني اعتباره المسألة ذات بعد ديني واجتماعي خصوصي لا ينبغي أن تحتل مرتبة متقدمة في أولويات الإصلاح من أجل التركيز على مطالب التحديث السياسي.

انقلبت الأولويات بعد ذلك ليتراجع الاهتمام بالإصلاح السياسي ويتقدم الاهتمام بموضوعات الإصلاح الاجتماعي وبالخصوص موضوع المرأة. ذلك أن الإصلاح السياسي بما يعنيه من تحرير الفضاء العمومي من ربقة الدولة وتحسين الأداء السياسي للسلطة الحاكمة وإطلاق الحريات ووضع ميكانيزمات فعالة لمراقبة أداء الحكومات كان أمرا محرجا للدولة الوطنية مثلما كان محرجا لدولة البايات. في أثناء ذلك أنجزت الكثير من الأشياء، بنيت هياكل تمثيلية وانتشر التعليم ووقعت العناية بالصحة العامة، ولكن موقع الاستبداد من الفضاء العام كان لا يزال هو نفسه، وعبرت تلك الهياكل عن عجزها على التحول إلى مؤسسات فعلية يستمر أداؤها بنفس الفاعلية بعد زوال الأشخاص. هل يمكن فعلا تحقيق تحرير كامل للمرأة في غياب تحرير فعلي ملموس ومتحسن باستمرار للإنسان؟ إذا ما تم ذلك فإن كل شيء وقع انجازه لا يكون نهائيا، بل عرضة للتشكيك المستمر.

يعتبر البعض التشكيك في الإصلاحات الاجتماعية وفاء لقيم الإسلام، وأحيانا أخرى تسجيلا لموقف سياسي معارض للدولة وإنجازاتها في هذا الميدان الذي ظل يشكل نجاحها (النسبي؟) الوحيد. يستفيق اليوم البعض على مأساة أن الإصلاح من فوق يبقى محافظا على هشاشته الأولى، يدل على ذلك عودة الجدل حول تعدد الزوجات مع كل حدث سياسي كبير أو انتقال للسلطة. لا شك أن في تناول الإصلاح من هذه الزاوية والتشكيك ظلما كبيرا، ولكنه رد فعل طبيعي من زاوية نظر بعض القاصرين عن فهم الحداثة والأصالة في آن. يبقى التشكيك في وجاهة الإصلاحات والاستعداد للنكوص عنها لدى بعض هؤلاء تعبيرا سياسيا عن موقف مناوئ للدولة يحاول تأصيل نفسه بالاستناد إلى قراءة معينة للنص الديني. في المقابل تقع مواجهة هؤلاء في الغالب سياسيا وليس فكريا، ويتكرر نفس مشهد الكسل والركون إلى الخلاصات الجاهزة ونفس مشهد الانقسام بين دعاة التحديث والمشككين في إنجازاته، من منطلق سياسي يغطي نفسه بالفكر، من إيديولوجيتين ستبقيان متصارعتين إزاء كل موضوع بمثل حساسية موضوع الإصلاح الاجتماعي.

ما نعتقده هو أن الإصلاح، بصفة إجمالية، كان باستمرار مطلبا كامنا في وعي النخبة، عبرت به عن مشاكل تعيشها مجتمعات مشدودة إلى ثقافة ذات بعد ديني، وواقفة على أعتاب الحداثة دون أن تستطيع ولوج عالمها. لم يكن "ابن أبي الضياف" ولا "قبادو" ولا غيرهم من دعاة الإصلاح قد جاؤوا من غير فضاء الثقافة التقليدية، وبالرغم من ذلك فقد آمنوا بالإصلاح وقاموا بتأصيله في الثقافة التقليدية. لم يأت هؤلاء فحسب من فضاء الثقافة التقليدية، بل أيضا من الدائرة المحيطة بالسلطة، معبرين عن حس متحرر من ضغوطها ودافعين بها إلى دروب كان عسيرا عليها أن تسير فيها. كانت نخبة متحررة.

تلك عبرة للطرفين المتصارعين على الساحة اليوم بإزاء موضوع الإصلاح الاجتماعي تحديدا. بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن الثقافة التقليدية غير قادرة على ابتداع وسائل النهوض وأن الإصلاح ليس معطى أصيلا في تلك الثقافة، أو أنه خيانة "للإسلام الصحيح"، وبالنسبة أيضا لمن يعتقدون أن الإصلاح يتطلب اتفاقا بين النخبة والسلطة، نوعا من العقد الذي يحقق لكل طرف من الممضين عليه أولوياته، مع طرد "للمحافظين" لا رجعة فيه من دائرة الحوار بل من فضاء الحداثة برمتها. في كلتا الحالتين، هناك دعوة ملحة لترك الكسل الفكري والانطلاق مجددا نحو أفكار جديدة تجعل الإصلاح كلا متحدا، يضمن بعضه بعضا على المدى الطويل ويخرجه من دائرة السجال السياسي والإيديولوجي العقيم. سيتوجب على كلا الطرفين الكبيرين اليوم بإزاء موضوع التحديث أن يتحررا من جملة من المسلمات التي أدى إليها الكسل وتراكم أدران السكون إلى النفس والرضا المطلق على الأجوبة المتوصل إليها. سيتوجب على أول هذين الطرفين أن ينظر إلى إسلامه كدافع للحداثة وليس كعدو معلن لها، يلعنها صباح مساء، وأن لا يحول إيمانه إلى إيديولوجيا تغطي على مواقع معينة في المجتمع وتعطيها غطاء من الشرعية للاستفراد بوعي الجموع. كما سيتوجب على ثاني الاثنين أن يتحرر من إغراء تحويل الحداثة إلى حداثوية، والنزوح الخطير من الفكر إلى الإيديولوجيا، وأن يقبل أخيرا أن الحداثة لا يمكن أن تنجح بدائرة الحداثيين الضيقة فحسب. سيتوجب على الجميع أن يؤمن بأن لهم مصيرا واحدا مهما تفنن بعضهم في إقصاء البعض الآخر من جنة الله أو من فردوس التنوير، وأن الإصلاح أمر كلي لا أولويات فيه، ذلك أنه (لن يكفي أبدا التأكيد على ذلك مهما كررنا) يحصن بعضه بعضا ويمنح الكل أسس الاستمرار.

 

الهوامش:

1- عبد الحق الزموري "مراجعات في وعي النهضة، تونس القرن التاسع عشر أنموذجا"،  الدار المتوسطية للنشر، تونس 2009.
2  – عبد الواحد المكني: "المعادلة الصعبة، فشل حركة الاستنارة الحديثة في البلاد العربية"، دار الساقي، بيروت 2010.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This