التلقين كمدخل للتسلط والاستلاب

يستهلّ الفرد في مجتمعات البداوة الفكرية حياته الدراسية وهو محشوّ الذهن بصور وأفكار قروسطية قاتمة (كصورة المعلّم ذي السحنة المكفهرّة وهو يتوعّد ملوّحا بعصاه)، وتمتزج هذه الصور بطقوس كتاتيبية (أناشيد وأراجيز مستظهرة – كمّ هائل من الوظائف والواجبات المنزلية – إذعان مقترن بخوف من التوبيخ أو التعنيف أو الضرب ).

إنّ التلقين كظاهرة تستمدّ “شرعيّتها” من جملة ظروف مركّبة تطغى على الواقع السائد، يأتي في مقدّمتها الظرف السياسيّ الموسوم بنمط الاستبداد من لدن أشخاص أو أحزاب أو طغم عسكرية، حيث يوفّر هذا النمط حالة تلقين عامّة لا يعيشها الطلبة والتلاميذ فحسب، بل تسري على أوطان برمّتها من أقصاها إلى أقصاها. والمتتبّع للواقع التعليميّ – بمراحله كافّة – لن يعدم حيازة الأسباب حين يرصد هذا الواقع عن كثب، لأنّ بلداناً تؤمّم فيها الثقافة والتعليم، ويناط فيها البحث العلميّ والأكاديميّ وصياغة المناهج التربوية لأناس متكسّبين أو موالين لأجندات الأنظمة، قمينة بسيادة هذا النمط البدائيّ للتعليم فيها.

أمّا الظرف الاجتماعيّ السائد والسائر وفق الذهنية البتريركية، فتبرز فيه ملامح المجتمع الذكوريّ، وتعلو فيه صور (الأب- الشيخ – الزعيم القبليّ – المرشد الروحيّ- سكرتير الحزب -المسؤول السلطوي المتنفّذ)، وتغيب عنه علامات الندّية بين الرجل والمرأة، وبين الغنيّ والفقير، وبين الموالي والمعارض .

الفرد الملقّن من قبل والديه أو مدرّسيه أو شيوخه أو زعماء حزبه، هو الكائن الذي هيمنت على حياته الاستعصاءات المستحكمة بمصائر الشعوب والمجتمعات في العالم الثالث، وهو شخص واهن فكريا ومستلب الإرادة وعديم المناعة إزاء أيّ عدوى فكريّة؛ لأنّه أهمل ترويض ذهنه على التفكير الحرّ، بل دجّنه على الاجترار، وبالتالي فهو عاجز عن خوض أي حوار عقلانيّ متحضّر، إذ سرعان ما ينزلق نحو التعميم والقطعية ليصادر على الواقع بجملة أو اثنتين دون أن يعي نسبية الحقائق، أو تعدّد الرؤى كما ينتفي لديه استيعاب مفهوم الآخر .

ففي ظلّ أجواء يغيب عنها دور المجتمع المدنيّ والصحافة الحرّة والنقابات والبرلمانات كصمامات أمان تراقب وضع التعليم، وتضع له الأسس الناظمة لعمله وفق رؤية عصرية واعية، سيكون مستحيلاً إجراء تبديل في النمط التلقينيّ الطاغي، لأنّ هذا النمط هو الذي يروق للأنظمة الاستبدادية بحيث يشكّل حاضنة لتفريخ أجيال من المذعنين، ممّن يستظلّون بأفياء الاستبداد ويعتاشون على فتاته.

التلقين يشكّل عقبة كأداء تحول دون إعمال العقل وتحريك مكامن الإبداع، ويستفيد منها المتسلّطون فيجيّرونه ليكون رافعة لديمومة استيلائهم على السلطة والمقدرات، كما أنّه يجعل استجابة الفرد مع الواقع استجابة ميكانيكية، ويحطّ من المستوى الثقافيّ من حيث كون التلقين يحيل المتلقي أو المكتسب لمجرد آلة لحفظ المعلومات الجامدة دون توضيح طرائق توظيفها، أو كيفية تجييرها في خدمة الفرد أو الصالح العامّ، وهذه هي العلّة المستديمة في مجتمعاتنا الرازحة تحت ثقل الدوغما .

التلقين كآفة ذات أثر وبيل يدعم أنماط التفكير المتخلفة (التفكير الخرافي والفروسي والوثوقيّ والخلاصيّ والسّلفيّ)، وهو وسيلة بدائية من وسائل إكساب المعلومات للغير، ويعتمد اعتماداً شبه كلّيّ على الاستظهار والحفظ الببّغاوي والترديد دون استكناه أو تدبّر، واستنساب هذه الطرائق في المؤسسات التعليمية مترافقاً بإهمال وسائل الإيضاح المتنوعة والاكتساب الفطري (غير المبتسر أو الإرادوي)، يخرّج أجيالا من المستنسخين فكريا ممّن لديهم القدرة على تهجئة الأحرف والكلمات والجمل دونما استيعاب لمدلولاتها أو تبدّل معانيها وفق السياقات، ويفتقدون الحسّ النقديّ والذوق الأدبيّ، ويعجزون عن فهم المجازات والتوريات وغيرها من الفنون البلاغية واللغوية.

لسنا هنا في وارد ذمّ أشخاص لديهم ملكات حفظية وذواكر موسوعية – ممن تتملّكهم حالة من النهم الفكريّ وشغف القراءة والاطّلاع – فهذا ما يمكن تسميته بالاستظهار المنتج أو المؤسّس لخلفية موسوعية على عكس النموذج السلبيّ الطاغي والمدمّر للطاقات الإبداعية والملكات والمواهب الواعدة.

وإذا ما أملينا النظر في سيرورة التعليم والأساليب التربوية المعتمدة في البيت والمدرسة ضمن مجتمعاتنا لتوصّلنا إلى ما قد يثير العجب، فآلاف من المواهب والملكات تذهب أدراج الرياح لمجرّد استئثار أباء متسلّطين، أو لا مبالاة معلّمين غارقين في إهمالهم، ديدنهم تزجية الوقت ليس إلا، والأنكى من كلّ ذلك أن يستعاض عن المنجز العلميّ والفكر المتحضّر بالخرافة وثقافة الأبراج وقراءة الطالع والفنجان. حينئذ تصبح المثل العليا والقيم الثقافية ومفاهيم المواطنة والشأن العامّ وحقوق الإنسان سفسطة لا طائل منها، لأنّ استكناهها سيكون حكراً على أوساط نخبوية تعيش في أبراجها العاجية أو لدى بضعة مثقفين لا يمتلكون أدنى قدرة على النهوض بمشروع ثقافيّ واحد لانعدام التمويل أو التفرغ .

يقع الملايين من (المتمدرسين) فريسة لتنميط التعليم وقولبته وفقاً لأطروحات غير منفعلة مع المحيط الخارجي، يبقى الفرد من خلالها أسيراً لقشور تزول عند أول اصطدام فعليّ مع الواقع، وعند هذا الاصطدام تبدأ حالة الاغتراب الناجمة عن عدم التمثّل، وتنعكس سلبا على الإنتاج، وتخلق جوّاً من العدمية واللامبالاة.

إنّ اقتران المدرسة بمفهوم الإذعان والطاعة والامتثال، يثير في النفس مخاوفَ من أن ينحو التعليم وبشكل ممنهج نحو الانخراط في الماكينة التدجينية التي يديرها المتسلّط – بمعناه السياسيّ أو الاجتماعيّ – و لعل هذا ما يحدث بالفعل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق