التمسرح غناء في حماة..

لعل بث الرعب من لقاء ذات المصير، هو ما دفع زبانية السلطة لإيصال صيرورة السيرة الذاتية لابراهيم القاشوش إلى فجيعة جزّ حباله الصوتية ونحره بلا أدنى رجفة شك ولا رحمة.. دوافع مماثلة تلتقي عند الترهيب أو تقديم العبرة كانت وراء حرق الأجساد، ونسل الأظافر، وبتر الأعضاء التناسلية وتمزيق الجراح بالمشارط، والإجبار على ابتلاع البلوى من شجر الزقوم.. إلى ما هنالك من أفانين ممنهجة ومبرمجة ومصنفة ومبتكرة يمارسها الطغيان، في كل مكان وزمان.
 
ولكن إلى جانب كل ذلك يبدو أن قتل ابراهيم القاشوش ينفرد بمشهدية أخرى تجعله مفارق للفهم المباشر للعقاب أو الانتقام ممن تجرأ على السلطة، فالأغنية تشير لبعد جمالي فرجوي مارس تأثيره في الوصول بمغني البهية حماة، إلى مصيرٍ لم يترك له فسحة حياة لعيش قدره. وأقصد هنا أدائيّة المغني التي تتكئ على الغروتسك وتشتبك مع أول الخطو الاجتماعي نحو الظاهرة شبه المسرحيّة، فالغروتسك يحضر كعامل حاسم قاد القاشوش للقاء حتفه المأساوي على يد أصحاب العيون الزجاجية التي لا تكتفي بملاحقة الكلمة، وتصيّد العبارة الدالة واتساع الرؤية، بل وتعمد بكل السبل إلى الحفاظ على استقرار أعراف الهرم السلطوي المنزّلة أيضاً.
 
حسناً، أطلق القاشوش أهزوجته المنفتحة على الارتجال، والتوسع في الكلمة والمعنى، بمقتضى راهن الحال، وتطاول على المقدس حين انتزع أسماء “الشخوص” التي تناولها في أغنيته من وراء حجاب العلياء المخفية ومن ألقابها، وانتهك بابها العالي، وظلالها الساميّة وأدرجها بسياق قول جمالي غروتسكي، وشتيمة هازئة متهكمة تعود بمرجعيتها لمفردات المعيش اليومي، ولغو الكلام وتركها تتدحرج موقّعة على كل لسان في أرض الساحة الشعبية الجامع.
 
يتناقض الغروتسك مع مقامات كل ما هو سام ورفيع وجليل، ويتموضع في المنطقة المضادة لما هو سائد ومهيمن لثقافة الطاغية. لذلك اعتبره ميخائيل باختين (1895-1975) وسيلة من وسائل التعبير الفني للشعبي، واليومي، والهامشي، والمهمش، والكومبارس، والساقط من اعتبارات السرديات الكبرى، والمغيب، والمُنتدَب، والمُستلَب من قبل رأس الهرم، أو المركز الذي يتحدث باسمه ويدعي تمثيله. ويمكن أن نرى تجليات جماليات الغروتسك في الكرنفال، ومسرح الحلقة في الساحات والأسواق، ومواكب المسخرة والاحتفالات الشعبية التي تنزاح عن معيارية الجماليات المكرسة الرسميّة.
 
مع ابراهيم القاشوش يبدو وكأن فضاء الغناء تحول إلى حلقة شبه مسرحيّة، أو فارْس صوتي، تقاسم فيها المتلقي حيّز الفرجة، واكتشف فيه صورة منسيّة لنفسه في مرآة الحدث وترديد الصوت مع المغني، المتنقل كرابسودا في أوقات اليوم، من الصباح إلى المساء، حاملاً على كاهل حنجرته أهزوجته إلى عراء الحلبة في الساحة، ليسرّح خواطره اللعبيّة الغروتسكيّة، ويمارس شهوة الغناء وهو ينتقي مفرداته ذات الطابع المرتجل – التي تقترب من الابتكار وتبتعد عن مجرد الاستنساخ – حول أسماء “شخوص سامية”، ويفردها تحت مسخرة نور ركحي مفترض، يحادثها دون حواجز ولا أسوار، يعريها ببساطة فاضحة أليفة، ويعرض أوصال تراجيديا الواقع المرير عبر الكلمة بصورة مهزلة مغناة… هكذا يُمارس التمسرح حين أداء الأهزوجة بالتشارك العفوي والتواصل مع متلقيه في الساحة، بلا خوف ولا شفقة، مسمّراً في أسماء “الشخوص السامية”، الواردة في الأغنية، سخريته ضمن سياق انعتاق تطهيريّ.
 
في “كوميديا الأغنية السوداء” خلع المغني عن “الشخصية السامية” لقبها التجريدي، الذي يحرّم الاقتراب من فرديتها الإنسانية من لحم ودم. وفي معرض الحديث هنا أتطرق إلى مقاربة موازية للموضوع من وجهة نظر الفنون التشكيلية، حيث تصادفنا الشخوص السامية والأوتوقراطية، من فراعنة وقياصرة وأباطرة، في رسوم ومنحوتات الفن النحت المصري القديم وفن التصوير البيزنطي وقد تموضعت جبهياً في مواجهة الناظر، وأُعطيت قسمات ومرتسمات محياها طابعاً جامداًً نمطياً.
هذه الوجوه لم تتجاهل المتفرج بل تطلعت إليه مباشرة بعيون خالية من التعبير وطالبته ضمنياً بالاحترام والتبجيل والخضوع.
 
وظيفة قانون “المجابهة” – أو “المواجهة” كما يحلو للبعض تسميته – هي نفسها فيما يخص قانون “اللقب” الذي تمسكت به عقلية الطغاة المحافظة في الأنظمة الشمولية أو التسلطية الذرائعية.
يمحي اللقب التعابير الذاتية والعفوية للشخص، ويحجّبه في نعت مجرد، أو يلفه في تعبير لغوي لاشخصي، تماماً كما تفعل “المجابهة” في الفن التشكيلي.
 
في مثل هذه الأنظمة، يصنف اللقب المقامات في أنماط سكونيّة متصاعدة لا مجال فيها للتحول أو للارتجال الجدلي الحرّ، فـ”السلطان”، أو “الخليفة”، أو “أمير المؤمنين”، أو “آية الله” أو “الملك”، أو “القائد”، أو “الزعيم”، أو “الجنرال”، أو “الرئيس”، أو “الكابو” (لدى عصابات المافيا) هو لقب يجابه المتلقي في عقر تفكيره ويطالبه بالطاعة. والعلاقة مع اللقب ليست علاقة بصرية وإنما هي علاقة معرفية، بمعنى أنه يُعرف دون أن يُرى.
 
وعليه فاللقب هو قناع حجب، ومن جانب آخر تبدو الظاهرة شبه المسرحية – والمسرح عموماً – كقناع أيضاً، ولكنه القناع الذي يناقض قناع اللقب، لأنه قناع كشف، فالقناع في المسرح أو شبه المسرح أو الفرجة أو الحلقة يزيح اللقب والصنميّة عن “الشخصية السامية” ويردّ لها الحياة واسمها، وبالتالي يترك الباب مفتوحاً على رؤية لاأبديتها، وضعفها ونقيصتها الإنسانية تحت بقعة الضوء وعلى مرأى من الكل.
 
في إزاحة اللقب تطاول من “التابع” على “مطلق السيد” بعد أن تكشفت له محدوديته ونسبيته .. وهنا تأتي خطورة ممارسة أغنية الساحة القاشوشيّة، والتي يمكن أن نرى لها مرجعية طقسيّة في الكورس الإغريقي في تبادلها للأدوار المغناة، من حيث “الأخذ والرد” بين المنشد الشاعر/ القاشوش من جهة، وبين أفراد الجوقة/ أهل الساحة من جهة أخرى.
 
ولكن مفارقة الغروتسك في نص الأغنية والأدائية المشهدية لظاهرة القاشوش تدفع للقول أن الجوقة تركت توقيع أناشيد الديثيرامبوس جانباً (أو حلقات الذكر والمولوية بمقاربة مشابهة)، وانزاحت نحو غناء ساتيرا ساخرة تهكمية، فجمعت بذلك إلى جانب القداسة الكامنة في مرجعيتها القديمة – في عمق الأداء والإنشاد التشاركي الجمعي والتداولي – مسخرة الساتيرا والبورلسك الطافي على السطح.. وهنا تكمن واحدة من جماليات الغروتسك التشويهية أيضاً..
 
لكل ذلك كان ينتظر للأغنية ورنيم نصها الموقع الشعبي، أن ينتشر وينتشر، أن يتسع ويكبر، وأن يفيض تحدي ممارستها العفوي عن نطاق محيط الساحة إلى مدار الشوارع والبيوت، وإلى معارج الحارات والمدن.. ومن يدري ربما لتغنى من قبل الأطفال المهرولة في الأزقة للعب على طول البلاد وعرضها، هذا إذا لم نتحدث عن الأمهات المنحنيات فوق المهد للغناء أو أثناء شعيرة تلقيم الثدي.. إلى أن تنسرب في الذاكرة الجمعية.. لكل ذلك كان لابد من إبادة القاشوش المغني، والقضاء على احتمال ممارسته الجمالية الغروتسكية من وجهة نظر المتسلط والسلطوي.. ليبقى لنا السؤال نحن أهل الساحة هل يستطيع القاتل اغتيال الأغنية أو ترجيعها أو حتى التوق للتمسرح غناء بحلم الحرية والتغيير؟!!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق