التمييز لا يأتي إلا مصحوباً بالعنف / محمد خالد الأزعر

كان المناخ المحموم المترتب على عنف 11 سبتمبر مسؤولا عن صحوة نوازع التمييز المكنونة في صدور بعض الأميركيين. وفي هذا الإطار استقوى هذا البعض بأغلبيته العددية ومارس سلوكيات انتقامية تحت شعارات عنصرية بدائية المحتوي ونشرها على الحوائط وبعض الصحف وأدوات الإعلام..

وهو ما أعاد إلى الأذهان ما نسمع ونرى عن تصرفات أغلبيات أو أكثريات ضد أقليات متعددة الصفات والأسماء في الدول القبائلية.. القصد، أن الحالة الأميركية وهي تمر بهذه التجربة، لم تكن تفتقر للقوانين أو الآليات الراعية لحقوق الأفراد والجماعات، النابذة لمظاهر العنصرية والتمييز.. ومع ذلك فقد تلصصت هذه المظاهر إليها وملأت المشهد. وهذا يوجب النظر إلى ما هو أبعد وأعمق من قضية النصوص والحصون القانونية التي تقام صيانة للمساواة.

هل معني ذلك أن علي دعاة حقوق الإنسان بعامة ومحاربة العنصرية والتمييز بخاصة، وضع أعينهم وتكثيف رقابتهم على دوائر الإشعاع الثقافي والتعبئة الفكرية وما تسعى لبثه وتثبيته في العقول والأفئدة بأكثر من متابعة النصوص المرصوصة في القوانين والتشريعات وشروحها المطولة؟. ربما كان الأمر كذلك بالفعل.. غير أن المعضلة هنا تتصل بصعوبة إجراء مثل هذه الرقابة، والبطء الشديد الذي تجري به عملية تشذيب المضامين والأبعاد الثقافية، الموروث منها والمكتسب.

فبعض هذه الأبعاد وما يرتبط بها من صور نمطية معلبة أو مقولبة عن الذات والآخر، تكاد ترقى إلى مصاف القداسة، ومنها ما يسري كالدم في الجسد. هذا على حين تبقى قضية سن القوانين والنصوص الكابحة للعنصرية والتمييز أقل صعوبة بكثير.

وفي حالات بعينها، تعمد النخب الحاكمة، صاحبة السطوة والسلطان السياسي أو المعرفي، إلى بث المفاهيم التمييزية والحفاظ عليها وشحذها، متخذة منها قلاعاً تدافع بها عن مشروعاتها السلطوية أو حتى الكيانية السياسية. نعثر في إسرائيل على نموذج صارخ لمثل هذه الحالات.. وإلا ما معنى المطالبة الإسرائيلية بالنقاء الديني اليهودي للدولة ومحاولة إقناع الآخرين أو إكراههم على الاعتراف بهذا التمييز؟.

المدهش أن التلويح بالدفع بهذا الاعتراف شرطاً لديمومة أو استئناف عملية السلام مع الفلسطينيين والعرب، يعني إبقاء نيران الحرب، وإضافة مزيد من الوقود إليها داخل إسرائيل بالنظر إلى أن خمس سكانها من غير اليهود، وخارجها بالنظر إلى تأجيج البعد الديني للصراع مع المحيطين الفلسطيني والعربي.. واضح أن التمييز لا يأتي إلا مصحوباً بالعنف كتفاً لكتف!.

عن جريدة البيان 4/7/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق