التنمية بين وأد المرأة وهدر المستقبل

جاء في‮ ‬دليل المطالب العالمية للمرأة ضدّ الفقر والعنف الذي‮ ‬نشر بشكل موسّع من خلال لجنة التنسيق لهذا المشروع في‮ ‬كندا‮) ‬1998‮(‬بأنّ المجتمع العالميّ‮ ‬يعيش في‮ ‬عالم انقلبت فيه الموازين بين الناس والطبيعة،‮ ‬حيث يبرز ازدياد الاستهلاك‮ ‬ منذ أمد في‮ ‬ما‮ ‬يسمّى بالدول النامية،‮ ‬حيث المنطق المهيمن هو‮ “‬استهلك وأنتج‮” ‬إذ لا ننتج إلا بهدف الاستهلاك،‮ ‬وإننا نستهلك بسبب أننا ننتج‮. ‬فهذه الخلفية المتحكّمة في‮ ‬الاقتصاد‮ ‬العالمي‮ ‬لا تزيد سوى في‮ ‬استنزاف الموارد الطبيعية وتدمير البيئة مسبّبة ضررا خطرا للكوكب وللأجيال القادمة‮. ‬وتبقى النساء هن اللائي‮ ‬يمثلن‮ ‬غالبية من‮ ‬يعاني‮ ‬من هذا الازدياد الأجوف‮. ‬إذ نعيش في‮ ‬عالم‮ ‬يعتبر فيه الفساد نظاما في‮ ‬حدّ ذاته،‮ ‬فكيف‮ ‬يمكن للمرء أن‮ ‬يسمّي‮ ‬الثروة المفرطة المتمركزة في‮ ‬أيد قليلة،‮ ‬وهذه الثروات الضخمة المكتسبة من الملكية العامة المضرة بالتزامات الدول المالية‮. ‬هذه الثروة تنهب بصورة منتظمة،‮ ‬تختلس وتغسل بواسطة الأعمال الخاصة،‮ ‬كل الشركات،‮ ‬المؤسسات المالية،‮ ‬الموظّفين المدنيين في‮ ‬كل مستوياتهم،‮ ‬القادة السياسيين وحتى الحكومات بكاملها‮.‬

{{في‮ ‬التنمية}}

تجمع الأدبيات المتعلقة بقضايا التنمية في‮ ‬الدول النامية،‮ ‬بأنّ الإنسان‮ ‬يشكّل الثروة المركزية في‮ ‬عملية التطور والإنماء‮. ‬وقد جاء في‮ ‬تقرير التنمية البشرية العربية لعام‮ ‬2002‮ ‬تعريف للتنمية كالتالي‮: “يمكن تحديد التنمية الإنسانية‮ (‬التنمية البشرية‮) ‬ببساطة بكونها عملية توسيع الخيرات‮. ‬ففي‮ ‬كل‮ ‬يوم‮ ‬يمارس الإنسان خيارات متعددة،‮ ‬بعضها اقتصاديّ،‮ ‬وبعضها اجتماعيّ،‮ ‬وبعضها سياسيّ،‮ ‬وبعضها ثقافيّ‮. ‬وحيث إنّ الإنسان هو محور تركيز الأنشطة المنجزة في‮ ‬اتجاه تحقيق التنمية،‮ ‬فإنه‮ ‬ينبغي‮ ‬توجيه هذه الأنشطة لتوسيع نطاق خيارات كل إنسان في‮ ‬جميع ميادين النشاط البشري‮ّ ‬لفائدة الجميع”‮.‬

تصبح التنمية الإنسانية وفق هذا التحديد،‮ ‬مفهوما بسيطا،‮ ‬لكنه‮ ‬ينطوي‮ ‬على دلالات بعيدة الأثر‮. ‬ففي‮ ‬المقام الأول تتعزّز الخيارات الإنسانية حينما‮ ‬يكتسب الناس القدرات،‮ ‬وتتاح لهم الفرص لاستخدامها‮. ‬ولا تسعى التنمية الإنسانية إلى زيادة القدرات والفرص فقط،‮ ‬ولكنها تسعى أيضا إلى ضمان توازنها المناسب،‮ ‬من أجل تحاشي‮ ‬الإحباط الناجم عن فقدان الاتساق بينهما‮.‬

إن الشكل الذي‮ ‬يتم به تداول قضايا التنمية وما‮ ‬يدور حولها من قضايا التحديث والديمقراطية والإصلاحات البنيوية وإدماج المرأة والشباب،‮ ‬هو شكل فيه العديد من مكونات التبخيس والتسطيح الممنهج الذي‮ ‬يُراد له أن‮ ‬يخدم أهدافا عدة عدى التنمية والإصلاح الجوهريّ؟ أي‮ ‬إننا أمام خطابات تُوظّف مغالطات وتسير في‮ ‬اتجاه التمويه والتخدير والأدلجة السياسوية الرخيصة‮..‬لذلك فالعالم العربيّ،‮ ‬اليوم،‮ ‬في‮ ‬أمسّ الحاجة إلى إعادة طرح قضاياه،‮ ‬بنوع من الجرأة والشجاعة‮..‬لأننا صرنا نواجه واقعا سريع التحوّل‮ ‬يتّسم بالتعقيد وبتوظيف آليات مختلفة عما كان عليه الأمر قبل عقدين من الزمن،‮ ‬لكن بعقلية قديمة وأدوات لم تعد صالحة‮.

‬إننا أمام اقتصاد السوق والشركات المتعددة الجنسيات،‮ ‬وأمام العولمة وما تحمله في‮ ‬جبتها من خلفيات ثقافية تُنذر بالعديد من المفاجآت اللامتوقعة،‮ ‬على الأقل بالنسبة للمجتمعات النامية؛‮ ‬غير أن هذه الدول،‮ ‬وعلى رأسها المنطقة العربية،‮ ‬والمغرب الذي‮ ‬يهمنا،‮ ‬يقف مكتوف الأيدي،‮ ‬مواجها قضايا مصيرية بأدوات ولى عليها الزمن،‮ ‬وذلك بفعل ما‮ ‬يقوم به المسؤولون من رفع شعاراتهم البائسة دون أن‮ ‬يملوا من تكرارها أو‮ ‬يكلفوا أنفسهم عناء تغييرها أو إعادة البحث في‮ ‬أصولها أو نتائجها على المستوى القريب‮..‬

لذلك فإنّ سؤال‮ “‬التنمية‮” ‬يعتبر إحدى الركائز المحورية التي‮ ‬تملأ فضاءاتنا المكتوبة والسمعية،‮ ‬ومنتدياتنا‮.. ‬ونظرا لما آلت إليه الأوضاع من انحدار‮ ‬غير مسبوق،‮ ‬ونظرا لتناسل العديد من المظاهر التي‮ ‬تكشف عن العديد من الاختلالات الخطرة،‮ ‬فإن السؤال الذي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يطرح في‮ ‬الراهن المغربي،‮ ‬ليس كيف نحقق التنمية وإنما لماذا لم نتمكن من تحقيق التنمية؟

لأن من المفارقات التي‮ ‬نحياها اليوم،‮ ‬أنه حين رفع شعار محاربة الرشوة زادت آفتها،‮ ‬وحين رفع شعار الجودة في‮ ‬التعليم تراجع ترتيب المغرب على‭ ‬مستوى التعليم إلى الصفّ الأخير،‮ ‬وحين رفع شعار التنمية البشرية احتل المغرب الرتبة‮ ‬127؟‮! ‬وحين أنشىء موقع إلكترونيّ‮ ‬لاستقطاب الكفاءات المهاجرة زاد عدد الأدمغة المهاجرة إلى الخارج؟‮! ‬أليس هذا لوحده كافيا لأن‮ ‬يشكل ظاهرة تستحق الدراسة؟ ماذا‮ ‬يحدث إذن؟‮ ‬

ما حدث هو أن المنطق‮ ‬يتغير،‮ ‬والعالم‮ ‬يتحول،‮ ‬والمجتمعات العربية تسير نحو الوراء‮! ‬فلا تنمية ولا حداثة ولا مشاركة في‮ ‬ظل التحولات العالمية،‮ ‬وفي‮ ‬واقع كهذا الذي‮ ‬نحياه‮.. ‬إنه الراهن الأكثر إصابة بالشلل والبوار وذلك بفعل سيادة نمط/أنماط من التفكير التي‮ ‬ما تزال تتغذى من مرجعية البداوة والعصبية التي‮ ‬لم نتمكن من إحداث قطيعة معها،‮ ‬بل إننا نجتهد في‮ ‬المحافظة عليها والإبقاء على آلياتها،‮ ‬ومن هنا ندرك ما جاء في‮ “‬تقرير الخمسينية‮ ” ‬بأنه‮ “‬يتعين على المجموعة الوطنية اعتماد اختيارات منسجمة،‮ ‬وتسريع الوتيرة وتعميق أوراش الإصلاح،‮ ‬وإحداث القطيعة التامة مع الممارسات والسلوكات،‮ ‬التي‮ ‬ظلت تعيق التنمية ببلادنا‮!!”‬؛ أي‮ ‬إن الأمر لا‮ ‬يتعلق بالسبل الكفيلة بتحقيق التنمية،‮ ‬وإنما نحن أمام معوقات تقف في‮ ‬وجه أي‮ ‬مشروع تنموي‮ ‬يسعى إلى الرفع من العمل الفعال الفاعل والإنتاجية المعرفية والبشرية التي‮ ‬تؤدي‮ ‬إلى إنتاجية واقعية‮ ‬يمكن أن تتحقق تكنولوجيا أو سياسيا أو اجتماعيا‮..‬

ينبغي‮ ‬أن نتوقف،‮ ‬هنا،‮ ‬ونعلن أن المجتمعات العربي،‮ ‬والمغرب كجزء من هذه المنظومة،‮ ‬تظل محكومة بعقلية البداوة بما تمثله من سلطة العصبية التي‮ ‬لم‮ ‬يتمكن العقل العربي‮ ‬من التخلص منها،‮ ‬وإنما زاد من تعميقها،‮ ‬وجعلها تنسجم مع التحولات المجتمعية‮…‬بحيث سنبين كيف أن العصبية تظل نمطا،‮ ‬وآلية تحكم كل أنواع العلاقات سواء داخل المجتمع العربي‮ ‬أو في‮ ‬علاقة العربي‮ ‬بالآخر بكل امتداداته وتعدداته‮..‬

لذا فإن هذه العصبية ظلت منذ زمن سحيق تعمل على‮ “‬إهدار‮” -‬حسب مصطفى حجازي‮- ‬كل الإمكانات الحقيقية،‮ ‬وهي‮ ‬وباء‮ ‬يتسلل إلى داخل النسيج المعرفي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬والعلائقي‮ ‬لينال منه ويهدر عملية التنمية من أساسها،‮ ‬أي‮ ‬من الفاعلين فيها؛ إذ التنمية لا تتحقق إلا بعنصر البشر لأنه هو المنتج للثروات لا الثروات هي‮ ‬المنتجة للتنمية‮.. ‬لذلك فإن الحديث عن الأرقام لن‮ ‬يأتي‮ ‬بجديد،‮ ‬وإن أي‮ ‬حديث عن البرامج لن‮ ‬يكون إلا سطحيا وإهدارا للثروات المادية والزمنية‮.. ‬وأعود لأكرر بأن مكامن الخلل توجد فينا جميعا،‮ ‬وفي‮ ‬سلوكاتنا،‮ ‬وفي‮ ‬طريقة تفكيرنا،‮ ‬وهكذا صار عدو الإنسان العربي‮ ‬هو العربي‮ ‬نفسه،‮ ‬وصار عدو المرأة هو المرأة نفسُها،‮ ‬وإن أي‮ ‬محاولة للبحث عن الآخر كعدو ليست سوى هروب من مواجهة الذات ومواجهة اختلالاتها‮..‬

إذا فالفاعلية الأساس في‮ ‬التنمية،‮ ‬في‮ ‬المغرب،‮ ‬نحصرها في‮ ‬مكونين،‮ ‬هما المرأة‮ “‬هذا المقهور‮” ‬والمغيّب أبدا،‮ ‬والشباب،‮ ‬هذا المهمش والمهدور أبدا أيضا‮..‬وسنبين من خلالهما كيف أن مفهوم‮ “‬العصبية‮” ‬يخترق بنيات نسقية عميقة جدا وهي‮ ‬التي‮ ‬تساهم إلى جانب مكونات أخرى‮ (‬خارجية وتاريخية ودينية أيضا‮) ‬في‮ ‬نسف العمل التنموي‮ ‬الحق‮. ‬وحين نتحدث،‮ ‬هنا،‮ ‬عن العصبية،‮ ‬فلأنها تقوم على الذات المطلقة والتعصب لها،‮ ‬وهي‮ ‬في‮ ‬ذلك تنفي‮ ‬الآخر ولا تقبل بالاختلاف ولا تعترف به‮. ‬ومن ثم فإن قوة الفرد ودلالته وقيمته تستمد من العصبية،‮ ‬وهي‮ “‬من حيث التعريف والدينامية قارة تميل إلى الثبات والاستقرار الذي‮ ‬تجعل منه الحالة المُثلى‮: ‬تقاليدنا،‮ ‬قِينما،عاداتنا‮..‬إنها نظام مغلق‮ ‬يميل إلى التكرار وإلى إعادة إنتاج ذاته كحالة مثالية‮. ‬وبالتالي‮ ‬فالعصبية مدفوعة بدينامية الجمود والعادة والتقليد والحفاظ عليهما،‮ ‬ورفعهما إلى مرتبة القِيم موضع التقدير والفخر‮. ‬ولذلك فهي‮ ‬عكس الأنظمة المفتوحة على العالم الخارجي‮: ‬تغذيه وتتغذى منه،‮ ‬ومن ثم تحقق نموها وتتطوروتتغير‮” ‬إنها في‮ ‬حالة الأخذ فهي‮ ‬تأخذ ما‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يغذي‮ ‬ثباتها،‮ ‬وهذا هو السر الذي‮ ‬يكمن وراء‭ ‬وجود قِوى محاربة التغيير داخل المجتمع‮ (– ‬مصطفى حجازي‮. ‬الإنسان المهدور؛ المركز الثقافي‮ ‬العربي‮. ‬2005‮.‬ص‮.‬47‮).

‬لذلك فإن أي‮ ‬تعامل مع منجزات الحداثة الفكرية والتقنية لا تقبل إلا بدافع المحافظة على الوضع المحكوم بعصبية ما،‮ ‬دون الاهتمام بالتغيير ومنجزاته الحقة‮.. ‬وهنا‮ ‬يكمن سر الاختلالات التي‮ ‬تعاني‮ ‬منها الحداثة العربية التي‮ ‬تتسم بالإعاقة‮..‬إنها حداثة معطوبة ومصابة بالهوان‮..‬

{{‬وأد المرأة‮ ‬يتكرر}}

إن المرأة عنصر حيوي‮ّ ‬داخل المجتمع،‮ ‬لذلك عملت البطريركية والعقلية الذكورية على التحكم فيها من خلال فعل الاختراق الذي‮ ‬ترسّب تاريخيا،‮ ‬وهو ما جعل المرأة عبارة عن آلية لإعادة إنتاج النظم الثقافية التقليدية المحكومة بـ‮ “العصبية‮”..‬وهذا ما جعل المرأة اليوم تُقتل بعنف رمزي‮ ‬لم‮ ‬يسبق له مثيل‮..‬فهي‮ ‬تستغل على واجهتين‮: ‬جسديا بفعل التشييء الفظيع لجسدها وهو ما‮ ‬يتجلى من خلال الإشهارات وشبكات الدعارة والتحرش الجنسي،‮ ‬والاستغلال داخل المعامل‮ (‬فهي‮ ‬تنتهك في‮ ‬حقوقها المادية والمعنوية)؛ أما المستوى الثاني‮ ‬فهو استغلالها فكريا‮ (‬وهوما‮ ‬يتبدّى من خلال الحجاب‮) ‬أي‮ ‬تسطيح رؤيتها للأشياء،‮ ‬وحتى على‭ ‬المستوى الفكري‮ ‬والعقلي،‮ ‬فإن همها‮ ‬الوجودي‮ ‬والمعرفي،‮ ‬بل إن كينونتها لا تتحقق إلا حين ترتدي‮ ‬الحجاب،‮ ‬وهذا أبشع مظاهر استغلال المرأة العقلي‮ ‬الذي‮ ‬يحولها إلى مجرد جسد للغواية والفتنة والخطيئة‮..!‬

هكذا فإن المرأة،‮ ‬باعتبارها المسؤول على تربية الأولاد داخل البيت،‮ ‬خصوصا في‮ ‬المراحل المبكرة،‮ ‬تعيد تصريف عدد من القيم الثقافية لأبنائها،‮ ‬فهي‮ ‬أداة العصبية بامتياز‮ –‬حجازي‮– ‬وهي‮ ‬أداة المصاهرة واللحمة وهي‮ ‬أداة تقوية العصبية وتعزيز قوتها الداخلية،‮ ‬ويتعزز هذا باختزال كيانها في‮ ‬وظائف ومعان تخدم العصبية،‮ ‬فهي‮ ‬لا تعيش ذاتها،‮ ‬و‬ممنوع عليها الرغبة أو تحقيق رغباتها بحرية‮: ‬إنها الأم والرحم،‮ ‬وعليها أن تُمَثْلِنَهَا كي‮ ‬تنال الرضا،‮ ‬ولذلك فهي‮ ‬تربّي‮ ‬ابنها الذكر على التسلّط الذي‮ ‬يمثل بالنسبة للمجتمع رمز الرجولة،‮ ‬في‮ ‬حين تعمل على تلقين ابنتها آليات الخضوع والاستلاب،‮ ‬ومن هنا فإن قيمتها لا تكمن في‮ ‬كيانها الذاتي‮ ‬المستقل،‮ ‬ومرجعيتها الذاتية الداخلية،‮ ‬وإنما تكمن في‮ ‬القيمة التي‮ ‬يمنحها إياها المجتمع انطلاقا من وظائفها وأدوارها‮..‬

وهنا وجب التساؤل‮: ‬ما هو مصدر مفهوم الشرف الذي‮ ‬يرتبط بالأب والأخ في‮ ‬العصبية بعفاف المرأة وطهارتها،‮ ‬أليس ذلك تحريم للرغبة الذاتية؟ إذ‮ ‬يمنع على‭ ‬المرأة أن تكون لها رغبة خارج ما حدده لها المجتمع الذكوري‮ ‬وسلطة العصبية وما تنسجه من قيود‮ ‬في‮ ‬حين أن شرف المرأة في‮ ‬المجتمعات المتقدمة‮ ‬يرتبط بكفاءتها المهنية وإنجازها المهني‮. ‬ويكشف هذا‮ ‬أن العصبية لا تخشى شيئا قدر خشيتها من تحرك الرغبة خارج نطاق سلطتها‮ -‬حجازي‮-. ‬وهذا التحرك الذي‮ ‬يُفترض فيه أن‮ ‬ينضبط وفق حدود وممارسات مبرمجة ثقافيا سلفا،‮ ‬ينعكس على علاقة الرجل بالمرأة داخل الفضاءات الخارجية،‮ ‬أي‮ ‬العمل‮. ‬

إن صورة المرأة هي،‮ ‬كما أسلفنا،‮ ‬شيء قابل للتداول،‮ ‬ومن ثم فإن العصبية المحكومة بسلطة الذكورة وما تحمله من دلالات القضيبية والفحولة،‮ ‬تجعل من المرأة جسدا ومرتعا للغواية وتداول النزوات‮..‬وهذا ما‮ ‬يفسر التحرش الجنسي‮ ‬الذي‮ ‬يصل إلى درجات من الابتزاز،‮ ‬ليس داخل مقار العمل،‮ ‬وإنما للأسف امتد إلى مدرجات الجامعات أيضا‮..‬مما‮ ‬يكشف أن الأمرلا‮ ‬يتعلق بمستوى الأفراد ودرجتهم الثقافية،‮ ‬وإنما في‮ ‬المكونات البنيوية والثقافية التي‮ ‬تتحكم في‮ ‬سلوكات الأفراد داخل المجتمع‮..(‬فالأستاذ الجامعي‮ ‬يعاكس القاصرات بسيارته،‮ ‬والطبيب،‮ ‬والمحامي‮!)..‬وقد انعكس هذا الوضع سلبيا على المؤسسات ومراكز الإنتاج،‮ ‬إذ لم‮ ‬يعد المتحكم في‮ ‬مسار الترقية والمكافأة درجة كفاءة المرأة‮ (‬أو الرجل‮ -‬هنا‮ ‬يتساويان‮) ‬وعطائها وإنتاجها،‮ ‬وإنما الأهم هو‮ ‬ثقافة الولاء للعصبية وهكذا‮ ‬يتم تهميش فئات كبرى من ذوي‮ ‬الكفاءات،‮ ‬حتى‭ ‬النادر منها،‮ ‬وتدفع إلى الانتحارالرمزي‮ ‬أوالمنفى‭ ‬الاختياري‮ ‬الداخلي‮ ‬أوالخارجي،‮ ‬إذا لم تستجب لشروط العصبية التي‮ ‬تقضي‮ ‬بالولاء،‮ ‬أو إذا لم‮ ‬يكن للمرأة درجة من الجمال‮ (‬فالكاتبة‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تكون جميلة،‮ ‬ولا تهم كفاءتها ومستوى تعاملها مع المواطنين‮ -‬خصوصا في‮ ‬القطاع الخاص‮).. ‬وبذلك‮ ‬يتكامل في‮ ‬العصبية هدر الطاقات والكفاءات عند المرأة مع هدر الحياة الإنسانية ذاتها،‮ ‬ومن ثم وضع حد لأي‮ ‬مشروع‮ ‬يسعى إلى التنمية‮..‬أوليس الحديث عن التنمية هنا مجرد لغو‮ ‬وخرافات‮ ‬يضع فيها الوقت ـحجازي‮- ‬؟

إن ما‮ ‬ينتج عن هذا النمط من الوعي‮ ‬المهيمن هو التعطيل الواضح لعجلة الإنتاجية،‮ ‬وهذا للأسف،‮ ‬ما تساهم فيه ليس مؤسسات الدولة،‮ ‬بل حتى ما‮ ‬يعرف بالمجتمع المدني،‮ ‬إذ الأصل في‮ ‬هذه المؤسسات‮ (‬المحسوبة على المجتمع المدني‮) ‬أن تقوي‮ ‬اللحمة الوطنية وتعزز شبكة العلاقات الاجتماعية من خلال إشاعة الوعي‮ ‬والكشف عن العناصر المتحكمة في‮ ‬البنيات العقلية،‮ ‬والبينات الموظفة في‮ ‬الخطابات السياسوية‮ ‬،‮ ‬إلا أنها في‮ ‬مجتمع العصبيات تتحول،‮ ‬هي‮ ‬بدورها،‮ ‬إلى مراكز نفوذ لهذه العصبيات‮. ‬لأن الأمر‮ ‬يتعلق باقتسام الغنائم‮ (‬عقلية الغنيمة كما‮ ‬يقول الجابري‮).

‬إذ عقلية العصبية تستمد مرجعيتها من عقلية الغنيمة بحيث‮ ‬يتم التعامل مع الثروات الوطنية،‮ ‬كما كانت تتعامل القبائل البدوية مع مجالها الحيوي‮ ‬باعتباره مجرد مرعى وصراعا عليه‮. ‬فيتم التطاول على الزيادة في‮ ‬حصة الغنيمة،‮ ‬وحين تتم الغلبة لعصبية على نصيب أوفر فإنها تتسارع نحو الاستفادة من أكبر نصيب لأنها فرصة لن تدوم ولذا فهي‮ ‬لا تتوانى في‮ ‬إطلاق العنان للذين‮ ‬يقدمون الولاء كي‮ ‬يجنوا من ثمار الثروة الوطنية؛ أي‮ ‬نهب ثروات الوطن انطلاقا من هذه العقلية‮.. ‬وهكذا تصبح ظاهرة واسعة الانتشار وتتكرر‮.

‬وهذا ما‮ ‬يجعلنا أبعد ما نكون عن المواطنة وحقوقها وواجبتها،‮ ‬مع واقع اقتسام الغنائم،‮ ‬مما‮ ‬يوقع المجتمع في‮ ‬العطالة والجمود وتتحول المؤسسات إلى مجرد مراكز للولاء الذي‮ ‬يقابله مكافأة الحصول على نصيب من الغنيمة‮. ‬وهكذا تهدر المؤسسات ويهدر الإنسان‮ ‬وتتحول علاقات السلطة داخل المؤسسات إلى علاقات نفوذ بدلا من أن تكون علاقات محكومة بالأداء الوظيفي‮. ‬ويتصرف،‮ ‬بناء على ذلك،‮ ‬صاحب النفوذ بالمنصب وكأنه ملكية خاصة،‮ ‬ويتحول هم صاحب المنصب إلى مراقبة الولاء وتقييمه عوضا من متابعة الأداء وتقويمه،‮ ‬فيتم التساهل إذا كان هناك تقصير في‮ ‬الأداء‮. ‬لأن الأهم هو قوة الولاء،‮ ‬وإذا كان هناك تقصير في‮ ‬درجة الولاء للعصبية فآنذاك تخرج ملفات الفساد إلى الواجهة ويعاقب المقصر عن كل ما قام به من تقصير طوال تاريخ عمله‮.‬

صفوة القول،‮ ‬إن المرأة لم‮ ‬يتم إدماجها في‮ ‬التنمية،‮ ‬بفعل سيادة،‮ ‬بل وهيمنة العقل الذكوري‮ ‬القضيبي‮ ‬المحكوم بالتشييء للمرأة وتنميط أدوارها ووظائفها داخل مجتمع ذكوري‮ ‬سلطوي‮ ‬لا‮ ‬يقبل ولا‮ ‬يرغب في‮ ‬التنازل عن العديد من الامتيازات التي‮ ‬يكسبها من هذا التمييز‮. ‬وهنا لابد من الإشارة إلى أن ما‮ ‬يروج له عن مستجدات مدونة الأسرة،‮ ‬التي‮ ‬لم تتوقف جمعيات المجتمع المدني‮ ‬عن الإشادة بها وشرحها والحديث عن الفتوحات القانونية‮ ‬غير المسبوقة،‮ ‬لم تكن في‮ ‬النهاية سوى صورة كارثية عن العصبية الذكورية وقد تعضدت بالخطاب الديني‮. ‬فهي‮ ‬مدونة لم تجعل من المرأة سوى كائنا من الدرجة الثانية،‮ ‬وهي‮ ‬آلية لإعادة إنتاج القيم السائدة‮..‬إنها مدونة لا تستجيب لأدنى شروط تجعل من المرأة إنسانا،‮ ‬هي‮ ‬لم تُؤَنْسِنِ‮ ‬هذا الكائن،‮ ‬وإنما زادت من تشييئها ومن تنميط وظائفها داخل المجتمع‮.. ‬فهي‮ ‬تظل رحما وثديا مرضعا والزواج بها‮ “‬مجرد عقد للتلذذ بآدمية‮”!!‬

‮‬{{هدر المستقبل}}

إن كل ما تطرقنا إليه حول قضية المرأة‮ ‬ينسحب على الشباب،‮ ‬لكن هناك خاصية‮ ‬ينبغي‮ ‬الوقوف عليها‮. ‬فالشباب فئة تمثل الشريحة الأوسع داخل المجتمعات النامية،‮ ‬وهي‮ ‬من ناحية أخرى تشكل الشريحة الأكثر حساسية بالنظر إلى وضعها ومسارها ومصيرها،‮ ‬وهي‮ ‬توجد في‮ ‬صميم الأحداث والتحولات التي‮ ‬يعرفها العالم بفعل ما تحمله العولمة من إكراهات‮. ‬والشباب هم الأكثر تأثرا بانعكاسات هذه الأحداث من حيث تزايد الفرص واحتمالات التهميش وتهديدات آفة البطالة‮. ‬فهم‮ ‬يمثلون الكتلة الحرجة التي‮ ‬تحمل أهم فرص نماء المجتمع وصناعة المستقبل،‮ ‬وهم من جانب آخر‮ ‬يشكلون تحديا كبيرا في‮ ‬عملية الإدماج والتأطير داخل الحياة الاجتماعية والإنتاجية النشيطة‮. ‬وبهذا،‮ ‬فهم‮ ‬يشكلون عبئا ثقيلا‮ ‬يشكل حرجا بالنسبة للحكومات داخل الدول المتخلفة،‮ ‬وهو ما‮ ‬يجعل الحكومات دائمة الحيطة والحذر،‮ ‬لأنها تخشاهم في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬تقصر فيه أيما تقصير في‮ ‬وضع الاستراتيجيات الحقيقية الكفيلة بحسن توظيف طاقاتهم الإنتاجية وتكتفي،‮ ‬فقط،‮ ‬بتسكين الأوجاع وتخدير الوعي‮ ‬من خلال ملهاة وزارات الشباب والرياضة،‮ ‬وبعض المراكز الترقيعية المحسوبة على المجتمع المدني‮. ‬وهو ما انتشر بصورة سرطانية،‮ ‬وكأن قضية الشباب تختزل في‮ ‬مباريات رياضية وأندية رياضية‮.‬

والسبب في‮ ‬هذا‮ ‬يعود،‮ ‬بالأساس،‮ ‬إلى‮ ‬غياب مشاريع وطنية ومجتمعية،‮ ‬وغياب قضايا كبرى التي‮ ‬وحدها تكفل إشراك الجميع في‮ ‬صناعة الأهداف والمصير،‮ ‬وهو‮ ‬غياب‮ ‬ينعكس سلبا على الشباب الذين‮ ‬يتعرضون للقمع بكل أنواعه،‮ ‬وخاصة الرمزي‮ ‬منه والثقافي،‮ ‬من استيلاب تدريجي،‮ ‬ليتركوا أمام فراغ‮ ‬المعنى وغياب الفرص،‮ ‬لأن واقع الوطن العربي،‮ ‬اليوم،‮ ‬يخلو من الأمجاد التي‮ ‬تتفنن السلط في‮ ‬محاربتها ليجد الشباب نفسه أمام البحث عن بدائل لبطولات الذات والإبداع،‮ ‬والتي‮ ‬تتجسدد في‮ ‬التماهي‮ ‬في‮ ‬النماذج المُسَوَّقة عبر القنوات الفضائية وأنواع الفنون المشاعة التي‮ ‬تساهم في‮ ‬هدره وإفراغه من كل دلالة أو معنى تجعل منه فاعلا ومساهما في‮ ‬صناعة التطور والتنمية‮. ‬وقد زاد من تعميق هذا الفراغ‮ ‬العولمة بما تحمله من عولمة قيم ثقافية وتسهيل التواصل من خلال التقنيات المستعملة في‮ ‬هذا المجال‮. ‬فصارت النماذج المؤمثلة تحاصره،‮ ‬وصار أداة استهلاك بفعل تحكم وسائل الإعلام في‮ ‬اختياراته وتوجهه وتفتح شهواته على الإستهلاك الآني‮ ‬والظرفي‮. ‬

انطلاقا من هذا‮ ‬يمكننا أن نستخلص‮ -‬مع حجازي‮- ‬ثلاثة أنواع من الهدر التي‮ ‬تساهم في‮ ‬إعدام الفاعلية والإنتاجية لدى الشباب داخل النسيج الاجتماعي،‮ ‬وبالتالي‮ ‬تعثر أي‮ ‬مشروع تنموي،‮ ‬ونقصد،‮ ‬التهميش،‮ ‬وهدر الوعي‮ ‬وهدر الطاقات‮. ‬

ومسألة التهميش،‮ ‬تعتبر قضية خطيرة وتمارس بشكل مفضوح داخل المؤسسات المحكومة بعقلية العصبية والولاء،‮ ‬كما أسلفنا،‮ ‬إذ لا‮ ‬ينظر إلى كفاءة الطاقات وأدائها،‮ ‬وإنما المعيار هو درجة الولاء‭ ‬التي‮ ‬تقدمها،‮ ‬مادام أن الأهم هو الحفاظ على العصبية ومصالح الذين‮ ‬ينتمون إليها‮. ‬فتتحول الكفاة والشحنة اللتين‮ ‬يحملهما الشاب إلى مصدر لآلامه إذ سرعان ما تتحولان إلى أداتين للتهميش من قبل المسؤولين،‮ ‬تصل إلى درجة الكيد والبحث عن مقالب تزج به داخل المحاكمات‮..‬هذا إن استمر في‮ ‬مساره،‮ ‬في‮ ‬حين نجد أن العديد منهم إما أن‮ ‬يخضع لسلطان العصبية وما تمليه عليه من ضوابط واشتراطات ثقافية وسلوكية،‮ ‬وإما أن‮ ‬يرتد وينكفئ على ذاته،‮ ‬بكل ما تحمله من انتكاسات واكتئاب له آثاره على‭ ‬نفسية الفرد،‮ ‬فيخبو وينطفئ ليصبح مجرد فرد فارغ‮ ‬يملأ كرسيا‮.. ‬

كل هذا إذا كانت الحظوظ قد أسعفته والتحق بأسلاك الوظيفة،‮ ‬لأن كبرى المعضلات التي‮ ‬تهدد الشباب هي‮ ‬البطالة،‮ ‬وتضاؤل فرص العمل،‮ ‬وانحسارها،‮ ‬ثم تدخل آليات الإقصاء والرفض،‮ ‬بفعل الهشاشة التي‮ ‬تسم البنية الاقتصادية وسوق الشغل،‮ ‬وطبيعة التعليم الجامعي‮ّ وما قبله الذي‮ ‬لايشتغل إلا وفق منطق مراكمة المعلومات من‮ ‬غير أن‮ ‬يؤسس لمعرفة علمية قابلة لأن تتحول إلى مهارة مهنية منتجة‮. ‬وهو ما جاء بصريح العبارة في‮ ‬تقرير الخمسينية الذي‮ ‬اعتبر البطالة ظاهرة حضرية تمس نسبيا النساء أكثر من الرجال والشباب أكثر من الراشدين وحاملي‮ ‬الشهادات أكثر من‮ ‬غيرهم،‮ ‬كما أن معدل البطالة قد تضاعف ثلاث مرات لدى خريجي‮ ‬التعليم العالي‮ ‬ما بين‮ ‬1985و2003‮ ‬مؤكدا بذلك عدم تلاؤم منظومتنا التربوية مع متطلبات القطاع الخاص‮.‬

إن جماع ذلك‮ ‬يقودنا إلى التنصيص على أن الكفاءة أمر مغيّب داخل آلية الفعل التنمويّ،‮ ‬لأنّ الأهم هو الاستزلام،‮ ‬وهذا‮ ‬يكشف عن عصبية واضحة لا تتوقف عن استنزاف الثروة البشرية المستقبلية وهدرها بصورة عميقة تؤدي‮ ‬إلى تدمير طاقة هذه الشريحة‮. ‬الأمر الذي‮ ‬يضع الشباب في‮ ‬موضع مأزقي‮ّ ‬تهدد توازنه النفسيّ‮ ‬ويصبح عرضة للنهب من قبل مختلف ضروب السلوكات ذات الطبيعة التعويضية‮ ‬الضارة،‮ ‬والسلبية التي‮ ‬لا تجدي،‮ ‬من قبيل التطرف والانحراف‮.

‬وهكذا‮ ‬يترك بدون مشروع صناعة مصير‮ ‬يحقق ذاته من خلال إنجازاته،‮ ‬وهو ما‮ ‬يضع المجتمع برمته أمام مأزق جدي‮ ‬يهدد حصانته ومناعته ومن ثم نماءه ونموه من خلال هيمنة الشيخوخة‮. ‬كما أن حرمان الشباب من المشاركة في‮ ‬صناعة المصير‮ ‬يمثل إحدى الآليات الأكثر فتكا ومساهمة في‮ ‬هدرهم الوجودي‮. ‬فيصير كل شاب من هؤلاء الشباب عبارة عن أزمة أو مشروع أزمة تعمل الحكومات على الإبقاءعليه كما هو،‮ ‬في‮ ‬ظل‮ ‬غياب مشروع مجتمعي‮ ‬ووطني‮ ‬واضح،‮ ‬مع العمل على وضع آليات تشتغل على التأجيل والتسويف وتحويل المسارات والدفع بهم إلى الهجرة‮. ‬لأنه ما معنى هذا الكم الهائل من المهاجرين السريين الذين تصبح لديهم معاني‮ ‬الموت والحياة في‮ ‬نفس الدرجة،‮ ‬أليس هذا قمة اليأس والهروب من واقع لم‮ ‬يعد‮ ‬يحتمل العيش؟

إن العصبيات قد تؤسس سلطات ولكنها لا تبني‮ ‬وطنا‮ ‬يتجاوزها،‮ ‬لأن مفهوم المجال الحيوي‮ ‬يظل هو المتحكم فيها ويظل الصراع قائما على الموارد والنفوذ‮. ‬وحين تتحكم العصبية وبنياتها في‮ ‬دواليب المجتمع فإن الوطن سرعان ما‮ ‬يتحول إلى وعاء ومجرد شكل معرض لشتى أنواع الخطر الداخلي‮ ‬والخارجي‮. ‬فقوة المجتمعات ترتهن بدرجة انصهار مكوناتها‮ ‬ودرجة الاختلافات التي‮ ‬تنسج فيما بينها‮.‬

إن الوضع الراهن الذي‮ ‬يتم من خلاله التعامل مع هذه القوى المستقبلية،‮ ‬والتي‮ ‬تظل تنهج أساليب بائدة هدفها تخير الشباب والإجهاز على طاقاته التي‮ ‬تشكل ثروة وثراء مستقبل البلاد التي‮ ‬يكونون نسيجها،‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يوضع له حد،‮ ‬وهذا واجب الدولة ومؤسساتها وواجب المجتمع المدني،‮ ‬الذي‮ ‬لسوء‭ ‬الحظ،‮ ‬أبان عن قصوره وعن ضيق أفقه،‮ ‬ويمكن أن نوجز ذلك فيما‮ ‬يلي‮:‬

‮–‬التشخيص الواقعي‮ ‬لمشكلات الشباب ودراسة احتياجاتهم عن طريق مجاوزة المنهج القِطاعي‮ ‬في‮ ‬اختصاص واحد ووحيد،‮ ‬أي‮ ‬ينبغي‮ ‬معالجة القضايا انطلاقا من منظور شمولي؛

‮–‬التوقف عن الهدر الممنهج الذي‮ ‬هو هدر لفرص المجتمع المستقبلية الممارس من قبل أنظمة وأدوات وآليات الهدر التي‮ ‬تتجلى في‮ ‬الإجراءات التخديرية والتأجيلية‮.‬

سلطان العصبية وفساد المدنية

لقد استخلص تقرير الخمسينية من التعريف المقدم لمفهوم التنمية أربع ميزات أساسية،‮ ‬إذ‮:‬

‮–‬يعبر عن انشغال إنساني‮ ‬دائم بأن الغنى الحقيقي‮ ‬لبلد ما‮ ‬يتمثل،‮ ‬قبل كل شيء،‮ ‬في‮ ‬نسائه ورجاله؛

‮–ينطلق من تصور أوسع من مفهوم النمو الاقتصادي،‮ ‬من خلال إدماج عناصر العدالة الاجتماعية والاستدامة،‮ ‬وتمكين الأشخاص من الأخذ بزمام مصيرهم؛

‮–‬يوفر مؤشرات بسيطة ومبسطة من أجل استيعاب الوضع المقارن للتنمية الوطنية أو الجهوية،

‮–‬ويتسند أخيرا إلى مقاربة تقوم على المنهجيات الناجعة،‮ ‬وعلى نشر الممارسات المثلى،‮ ‬دون اعتماد،‮ ‬في‮ ‬نشاطه،‮ ‬على أي‮ ‬نموذج نمطي‮ ‬ثابت‮.‬

واضح أن هذه الخلاصات تصب جميعها في‮ ‬اعتبار الإنسان الدعامة الأساسية للتنمية،‮ ‬هذا من جهة،‮ ‬كما أنها تشير إلى أن السياق السوسيو-ثقافي‮ ‬يشكل مكونا أساسيا في‮ ‬دعم العمل التنموي‮ ‬حيث‮ ‬يرى التقرير أن الغرض من التنمية هو توفير محيط محفز،‮ ‬يمكن ضمنه لأي‮ ‬إنسان،‮ ‬باعتباره فردا،‮ ‬أن‮ ‬ينمي‮ ‬قدراته ويوسع دائرة اختياراته،‮ ‬مع مراعاة اختيارات الأجيال الصاعدة،‮ ‬كما‮ ‬ينبغي‮ ‬تحرير القدرات البشرية وما‮ ‬يترتب عنها،‮ ‬وتعزيز حس المسؤولية لدى‭ ‬الأفراد،‮ ‬في‮ ‬ظل سياق لايعرقل ولايتعارض مع جهود الأفراد الرامية إلى الأخذ بناصية تنميتهم‮.. ‬ومن أجل تحقيق ذلك‮ ‬يتعين اعتماد اختيارات منسجمة،‮ ‬وتسريع الوتيرة وتعميق أوراش الإصلاح،‮ ‬وإحداث القطيعة التامة مع الممارسات والسلوكات،‮ ‬التي‮ ‬ظلت تعيق التنمية ببلادنا‮ (‬ص‮.‬8‮).‬

إن هذا التقرير،‮ ‬وإن اتسم في‮ ‬العديد من نواحيه بالجرأة والشجاعة التي‮ ‬يفتقد إليها المجتمع المدني‮ ‬والأحزاب السياسية،‮ ‬فإنه‮ ‬يكشف عن‮ ‬الخلل الذي‮ ‬يكمن في‮ ‬المناهج التي‮ ‬سُلكت من أجل تحقيق التنمية،‮ ‬وهو‮ ‬يجيب على السؤال الذي‮ ‬طرحناه في‮ ‬البداية‮: “‬لماذا لم تتحقق التنمية؟‮” ‬التي‮ ‬ظلت تغيب الإنسان على مدى عقود من الزمن‮. ‬في‮ ‬حين أنه تناسى،‮ ‬عن قصد أو عن‮ ‬غير قصد،‮ ‬أن المعوقات التي‮ ‬طالت التنمية لا‮ ‬يمكن تحديدها في‮ ‬خمسين سنة،‮ ‬لأن المغرب كدولة وكمجتمع،‮ ‬له امتدادات تاريخية،‮ ‬تمتد،‮ ‬على الأقل،‮ ‬إلى‮ ‬15‮ ‬قرنا‮ (‬هذا دون احتساب تاريخ ما قبل دخول الإسلام‮).. ‬ولأن مشكل التنمية وقضية الممارسات والسلوكات التي‮ ‬اعتبرها‮ (‬التقرير‮) ‬معيقة هي‮ ‬نتاج قرون وليس عقود‮.. ‬لذا فنحن في‮ ‬حاجة إلى عملية أركيولوجية معرفية لتحديد امتدادات وجذور‮ “‬الممارسات والسلوكات‮” ‬المُعرقِلة،‮ ‬كما أننا في‮ ‬حاجة إلى‭ ‬مصالحة مع ذواتنا وطابوهاتنا وإسقاط كل قدسية عن كل ما هو تاريخي‮ ‬ومعرفي‮ ‬لتحقيق قطيعة مع الآليات المنتجة للإعاقات‮..‬

وعليه،‮ ‬تظل القبيلة والعصبية‮ ‬سمتين بارزتين في‮ ‬بنية الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمعات العربية؛ فظاهرة القرابة المستندة إلى الرابطة الدموية،‮ ‬والنسب والعصبية،‮ ‬ومظاهر البداوة والإرث البدوي‮ ‬جميعها ماتزال مستشرية بشكل واضح في‮ ‬المجتمعات العربية التي‮ ‬لم تتمكن من تحقيق حداثة حقة،‮ ‬بسبب الاقتباس السهل عن الأنماط الغربية،‮ ‬وهواقتباس شائه‮ ‬يقود إلى التغريب‮. ‬ومن ثم فإن نزوع المجتعات العربية إلى العودة إلى القبلية المحكومة بالعصبية ومتفرعاتها‮ ‬يأتي‮ ‬من العجز الحضاري‮ ‬العربي،‮ ‬بسبب العجز عن دخول عصر العولمة ككتلة بشرية،‮ ‬لذا فإن كل مجتمع/نظام عربي‮ “‬يتعولم‮” ‬على طريقته الخاصة(مسعود ضاهر‮. ‬حوار العرب‮. ‬ع‮.‬19‮. ).‬

إن العودة إلى القبيلة وما تحمله من مرتكزات العصبية لاتعمل إلا على‮ “‬ترييف‮” ‬المدن وإفساد مظاهر المدنية،‮ ‬حيث تعرضت كل مظاهرها‮ (‬المدنية‮) ‬التي‮ ‬هي‮ ‬في‮ ‬الأصل تتميز بالهشاشة،‮ ‬إلى العديد من الضربات الموجعة لتي‮ ‬أدت،‮ ‬في‮ ‬النهاية،‮ ‬إلى تراجع هذه القوى وانسحابها من الحراك الاجتماعي‮ ‬والسياسي‮ ‬والاقتصادي‮ ‬فغابت التنمية وغابت معها المشاركة بين المدن والأرياف في‮ ‬البلد الواحد وعملت السلطات الحاكمة على إقصاء الفعاليات المدنية من خلال اختراقها وضربها من الداخل وتفتيت مكامن قوتها،‮ ‬وهو ما حولها إلى مجرد قوى خاضعة لسلطان القبلية والولاء والاستلزام‮.. ‬

الأمر الذي‮ ‬أدى إلى الجمود والانسداد اللذين أديا إلى حرمان المجتمعات من تحقيق تقدم وارتقاء‮ ‬يقطع مع الجذور العصبية وبداوتها،‮ ‬مما انعكس حتما إلى صور سلبية أدت‮ ‬إلى انتشار القلق وانعدام الثقة‮. ‬والحال أن العصبية زادت قوة بفعل ما تتمتع به من شحنة ذاتية تتقوى بفعل قدرتها على التحول وتسللها كسلط معرفية ورمزية تمارس فعل الإخضاع والتطويع،‮ ‬لتستمر في‮ ‬هيمنتها وتقدم شكلا من أشكال التعويض في‮ ‬ظل‮ ‬غياب كل الخيارات المدنية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية،‮ ‬وبالتالي‮ ‬تنهار الحداثة وتضيع في‮ ‬هدر واضح لكل الرصيد المدني‮ ‬والحداثي‮ ‬التواق إلى بناء تنمية ورقي‮ ‬يكفلان تحقيق مشروع‮ ‬يقطع كل صلة مع جل آليات السلطة المعرفية التي‮ ‬تنتج وتعيد إنتاج إواليات العصبية المدمرة لكل تنمية فاعلة‮.‬

إن مسألة البحث عن السبل المؤدية لتأسيس مشروع حضاري‮ ‬عربي‮ ‬لم تعد مسألة ترف فكري،‮ ‬أو قضية منحصرة في‮ ‬فئة المثقفين،‮ ‬وإنما هي‮ ‬تعني‮ ‬الجميع،‮ ‬لذا‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تشمل كل المكونات الاجتماعية للدفع بالموارد الإنسانية المستقبلية المتمثلة في‮ ‬الأجيال الصاعدة،‮ ‬نساء ورجالا،‮ ‬لأن قضية الشباب صارت قضية مصير ووجود وهوية أكثر مما هي‮ ‬مجرد أولوية أو سياسة وبرمجة‮. ‬و التحولات المنفلتة عن التحكم فيها تنذر بعدد كبير من المسوخ التي‮ ‬لن تجعل من مستقبلنا سوى محطة لإعادة تصنيع وإنتاج هويات وثقافات طالما انتقدت أو جوبهت بالرفض‮..‬

إن الثروة المادية لاتكفي‮ ‬لتحقيق التنمية،‮ ‬وهوما تكشف عنه أحوال الواقع العربي‮ ‬الذي‮ ‬يتوفر على كم هائل منالإمكانات المالية والثروات الطبيعية‮. ‬إنما الأهم هوالإمكانات البشرية،‮ ‬لأن تراكم الثروات قد‮ ‬يجعل إمكانية شراء التكنولوجيا أو الخبرات ممكنا،‮ ‬ولكنه لن‮ ‬يكون بديلا عن الفعل المبدع الذي‮ ‬لا‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يتحقق إلا بالتكوين المعرفي‮..‬فلازالت المجتمعات والحكومات العربية تتخبط في‮ ‬برامج لاتعدو أن تتجاوز عتبة‮ “‬محاربة الأمية‮” ‬و‮ “الهدر المدرسي‮” ‬و”ضعف المنظومة التعليمية‮” ‬في‮ ‬مسارية تحديات سوق العمل،‮ ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬خطت المجتمعات المتقدمة خطوات بعيدة في‮ ‬مجال تنشئة الجيل‮ “‬الذكيّ‮” ‬الأكثر قدرة على‭ ‬التحكم في‮ ‬الواقع التقني‮ ‬المتطور مع القدرة الهائلة في‮ ‬تطوير صناعةالإِخضاع والهيمنة،‮ ‬بفعل قوتها المعرفية والثقافية؛ أي‮ ‬إننا أصبحنا أمام تكنولوجيا من نوع جديد،‮ ‬ومن جيل متطور‮ ‬يعمل على سحق الهويات والخصوصيات المحلية التي‮ ‬غابت عنها كل مناعة،‮ ‬في‮ ‬مواجهة السيل الهائل من المعلومات المتدفقة بصورة تجعل كل مفاهيم الزمان والمكان تتقلص إلى درجة‮ ‬يصعب‮ ‬الفصل بينهما،‮ ‬أو التحكم فيهما‮ (‬بل بالأحرى مجرد مواكبتهما‮) ‬بما تملكه المجتمعات العربية من رصيد مختل‮. ‬فالغرب/الآخر لم‮ ‬يعد مهتما ومنشغلا بالمنهجية العلمية التي‮ ‬استوعبها بشكل عميق،‮ ‬بقدر ما انصب اهتمامه إلى مناهج خلق أفكار جديدة لم تكن مسبوقة‮. ‬لأن وجودها وقوتها وهيمنتها،‮ ‬كلها مرتهنة بدرجة الإبداع العلمي،‮ ‬وهو ما دفعها إلى طرق أبواب مجهولة لم تكن محتملة‮.. ‬لقد انفتحت المجتمعات المتقدمة على مستقبل ذي‮ ‬أبعاد مختلفة عما نتوقعه،‮ ‬بفعل ما حققته من استثمارات في‮ ‬خطابها العقلي،‮ ‬وثروتها لبشرية‮..‬

{{المصادر والمراجع‮ ‬المعتمدة:}}

‮1. ‬ابن خلدون: المقدمة‮ ‬دار الكتاب اللبناني‮ ‬طبعة‮ ‬1980.

2. ‬المغرب الممكن‮: ‬إسهام في‮ ‬النقاش العام من أجل طموح مشترك‮- ‬دار النشر المغربية‮. ‬2006‮.‬‮

3. ‬مصطفى حجازي؛ الإنسان المهدور‮. ‬المركز الثقافي‮ ‬العربي‮. ‬الطبعة الأولى‮ ‬2005‮.‬‮

4. ‬حوار العرب‮. ‬العدد19،‮ ‬السنة‮ ‬2006‮.
‬‮
5. ‬الوحدة‮. ‬العدد‮ ‬105.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق