“التوترات الاجتماعية العنيفة” في مراحل ما بعد الثورات العربية / أحمد زايد

 مقدمة- حول مفهوم الصراع علي الحيز الاجتماعي:

 

لم يكن الصراع المرتبط بالثورات فكريا وأيديولوجيا بحتا، بل إنه ينعكس كذلك علي أرض الواقع صراعا بين طبقات اجتماعية وسطي ناشئة تري في الثورة مصلحة عليا، وطبقات نبيلة تري في الثورة تهديدا لمصالحها، وطبقات فقيرة تريد من يمنحها الخلاص الاقتصادي من همومها ومشكلاتها.

 

ولقد استمرت هذه الصراعات لفترة طويلة امتدت إلي عشر سنوات تقريبا، إلي درجة أن المؤرخين يؤرخون للثورة بالفترة الممتدة من عام 1789 إلي عام 1799، وهي فترة شهدت صراعات داخلية، بل وحروبا إقليمية، وثورات مضادة.

 

ويكون الصراع والعنف لصيقين بالمد الثوري، لأن الثورة في جوهرها تنشأ عبر أزمة اجتماعية يصل فيها المجتمع إلي طريق مسدود. وتؤكد الدراسات المقارنة حول الثورات هذه الحقيقة حيث تصل الأزمة الاجتماعية بالنظام السياسي إلي الفشل في سد المطالب الاجتماعية والتفاعل الخلاق مع البيئة الخارجية.

 

وغالبا ما تكون هذه النظم التي تتبلور حولها الأزمات التي تنتج الثورات أنظمة طغيان وتسلط Absolutist،تنشغل بالمحافظة علي النظام الداخلي، ومن ثم تتحول بالتدريج إلي نظم بالية(1).

 

وما دامت الثورات تتبلور حول أزمات، فإنها تعبر عن أشكال من المعاناة والحرمان تختلف من ثورة إلي أخري، ومن سياق إلي آخر. ولا يظهر العنف كتعبير عن الحرمان وصور المعاناة فقط، بل يظهر من خلال عدم القدرة علي التوفيق بين المطالب والمصالح المختلفة. ففي الموقف الثوري، يكون من المحتمل جدا أن ينشأ صراع متجدد، تحاول فيه كل جماعة تأكيد مصالحها، أو تحقق أطماعها، أو حتي الحصول علي مكاسب آنية سريعة.

 

 ونحاول في هذه الورقة استقراء مشهد ما بعد الثورة في عدد من المجتمعات العربية التي شهدت منذ مطلع هذا العام مدا ثوريا عارما، في محاولة لاستجلاء طبيعة الصراع بين الفئات السياسية والاجتماعية المختلفة، مع إشارة خاصة إلي ما يفرزه من أشكال للعنف الاجتماعي.

 

وننطلقفي هذه القراءة من فرضية، مؤداها أن هذا الصراع هو صراع علي امتلاك أو استملاك الفضاء الاجتماعي. ونستخدم مفهوم “الفضاء الاجتماعي” (Social (Space) ليشير، بمعني مجازي عام، إلي صور الحيز/الفضاء المختلفة: المكاني والبيولوجي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

 

أما عملية الصراع علي الحيز أو الفضاء، فإنها تشير إلي العملية التي يحاول بها الفرد أو الجماعة استملاك الحيز، وإزاحة الآخرين عنه. ومن هنا، فإن الصراع علي الحيز المكاني يرتبط بعمليات الزحف والسيطرة علي المكان.أما الصراع علي الحيز البيولوجي، فإنه يرتبط بعمليات الصراع بين الأجساد البشرية، ومحاولة بعضها إزاحة البعض الآخر، أو التخلص منها باستخدام صور مختلفة من العنف. وتشير عملية الصراع علي الحيز الاقتصادي إلي العمليات المرتبطة بإعلاء المطالب الاقتصادية، والحصول علي أعلي درجات المنفعة الاقتصادية. أما الصراع علي الحيز الاجتماعي، فيشير إلي عمليات الصراع للسيطرة علي الحيز المدني من ناحية، وإعلاء المطالب القبلية والإقليمية من ناحية أخري. وأخيرا، فإن الصراع علي الحيز السياسي تشير إليه عمليات توسيع رقعة السيطرة السياسية.

 

ويفترض أن يموج مجتمع ما بعد الثورة بكل هذه الصور من الصراع علي استملاك الفضاءات علي مختلف أنواعها. ويفترض أيضا أن يموج هذا الصراع بصور من العنف.فثمة عوامل تنتج هذا العنف في مجتمع ما بعد الثورة، نشير إلي أهمها: (أ) الغياب النسبي للدولة، كما يتمثل في ضعف الأجهزة الأمنية، وعدم فاعلية أجهزة الدولة في إدارة شئون البلاد مقابل الحضور الكلي لعنف الدولة، وانخراطها كطرف أصيل في حوادث العنف. ففي الحالتين، فإن الدولة سوف تسهم في إنتاج العنف.(ب) غياب الرادع الثقافي والقانوني، وحضور الغريزة بقوة في السلوك.

 

 ويبدو العقل هنا وكأنه يغيب عن ضبط فوران الغريزة، فلا تنفك عن الهجوم والسعي نحو استملاك الحيز أو الفضاء (ج). ويرتبط السبب الثالث بطبيعة وفعالية أدوات الحوار والنقاش، أو ما يسمي بالمجال العام Public Sphereوالذي يعبر -إذا كان فعالا- عن القدرة علي التدبر العقلي والتفاوض. وعندما يضعف هذا المجال أو يصيبه الوهن، فإن النقاش يفقد قدرته علي التدبر والتفاوض، ويصير صياحا أو إملاء.

 

وإذا ما طبقنا هذا علي مشهد ما بعد الثورة في بعض الدول العربية، فسوف نجد أن كل صور الصراع علي الفضاء الاجتماعي التي أشرنا إليها تجد لنفسها تجسيدا علي أرض الواقع. ويشكل مشهدها العام صورة تشكل الصراع الاجتماعي، والعنف الاجتماعي في مشهد ما بعد الثورة.

 

1- الصراع علي الفضاء المكاني.. الشارع لمن؟

 

يذهب الباحثون في تشكل الحركات الاجتماعية في المدن إلي تأكيد وجود أشكال متعددة للنضالات اليومية لفقراء الحضر، لكي يجدوا لأنفسهم سبيلا للعيش. فهم في تجمعاتهم السكنية يخالفون القانون في المساكن والمرافق، ويخترعون من الآليات ما يجعلهم يتكيفون بشكل سريع مع ظروفهم الصعبة، وهم في الأماكن العامة يحتلون الشوارع الجانبية، ويفترشون بضائعهم، ويدخلون في حوارات وصراعات يومية مستمرة مع السلطات المحلية ورجال الشرطة.

 

وهم يشكلون بذلك ما يطلق عليه البعض “اللاحركات الاجتماعية” التي تتسم بالزحف الهادئ البطئ علي الأماكن العامة، وكل ما هو عام، بل وعلي الفرص التي حصل عليها الغير. وتلك ظاهرة مألوفة في كل مدن الشرق الأوسط (2).

 

وقد اتضح ذلك بجلاء في شوارع القاهرة، وتونس، وصنعاء، فيما بعد الثورة. فالشارع يتحول هنا إلي شارع يغط بالفوضى، ويسعي الناس من الباعة الجائلين وسائقي سيارات الأجرة إلي احتلاله واستملاكه.

 

 فماذا عسي أن يفعل هؤلاء، إذا ما وجدوا أن السلطات التي كانت تقاومهم قد غابت، وأن الأماكن العامة (الشوارع والميادين) قد فتحت أمامهم، وأن الفرص التي حصل عليها الغير (المحلات التجارية والمشروعات الاستثمارية مثلا) قد أصبحت دون حماية؟.

 

في هذا الظرف، يتوقع للزحفالهادئ والبطئ، الذي كان يميز هذه التحركات الجمعية لفقراء الحضر، أن يتحول إلي زحف سريع، تصاحبه صيحات استقواء، وقد يتحول إلي عنف، إذا لزم الأمر. إن الشخص الذي كان يجمع بضاعته ويهرب، عندما يري رجال الشرطة أو البلدية، يمكنه الآن أن يشتبك معهم بالأيدي أو بأية وسيلة أخري، ويمكنه في لحظة معينة أن يهجم علي ممتلكات الغير ويستملكها دون تردد.

 

 ولا يوصف هذا السلوك بالعنف إلا إذا خرج عن حدود المألوف، وترتب عليه أذي حقيقي للآخرين، وإنما الوصف الدقيق له أنه شكل من أشكال المقاومة أو النضال اليومي، يقوم به أفراد، كل علي حدة، لكي يتكيفوا مع ظروف حياتهم الصعبة، ويتحول هؤلاء الأفراد إلي مجموعات عندما يلتقون في المكان نفسه الذي يستملكونه.

 

وهم لا يملكون في العادة أدوات للتعبير عن أنفسهم ولا عن مطالبهم. ولذلك، فإن تعبيرهم يتخذ شكل هذا النضال اليومي الذي يتمثل في ممارسات تتسم بالتحول، والتغير السريع، والتكيف السريع والتحايل من أجل العيش. ويشهد هؤلاء صراعات داخلية وصورا من العنف، وتظهر في أشكال من الصراع علي تقاسم المكان الذي لا يملكونه، وحول السيطرة علي أكبر جزء منه. ولكنهم عندما يواجهون المجتمع الخارجي (السلطات)، فإنهم يكونون يدا واحدة، وقوة جمعية لا يستهان بها.

 

وقد تتحول هذه القوة الجمعية إلي طاقة عنف دون مقدمات، ذلك أنها مسكونة بالغضب الناتج عن صور مختلفة من الحرمان، والناتج عن الملاحقة الدائمة لهم من قبل السلطات المحلية والشرطة. فالغضب الكامن والمستتر يمكن، في ظروف التحول وغياب السلطات المحلية والأمن، أن ينقلب إلي عنف، خاصة إذا ما تمت مواجهة الزحف الهادئ الذي تقوم به هذه الجماعات بسلوك عنيف. وغالبا ما يرتبط هذا الزحف بصور من التشبيك غير المنظور، وبين التجار الصغار والكبار من ناحية، وبين أفراد أقوياء لهم من النفوذ والقوة ما قد يحمي الأنشطة التي يقوم بها هؤلاء الزاحفون علي المكان.

 

2-الصراع علي الفضاء البيولوجي .. العنف المادي والمعنوي:

 

 ربما يكون الحديث عن هذا النوع من الصراع جديدا، ولكنه ليس جديدا في عالم السوسيولوجيا. فالمجتمع ما هو إلا حيز بيولوجي كبير، كما أن النظام الاجتماعي العام ما هو إلا نظام لضبط حركة الأجساد في نطاق حيز معين.

 

 وقد أكد علماء الاجتماع هذه الحقيقة في توصيفهم لعلاقةالفعل الاجتماعي المنبثق من كائن بيولوجي- في الأساس- بالمجتمع والثقافة(3)، وكذلك في تحليلهم لعلاقة الجسد بالمجتمع، وتأكيدهم أن المعايير الاجتماعية والقواعد السلوكية ما هي في النهاية إلا وسائل لضبط حركة الجسد في المكان والزمان، بل إنها كبح لغرائز الجسد وتأطير أفعاله في إطار ثقافة معين(4).

 

وتنتظم الأجساد في إطار نظامي عام، وفي تفاعل خلاق عبر ما تحمله الأجساد من ثقافة، وما يتضح أمامها من أهداف. ويأتي العنف -بكل صوره- كتعبير عن محاولات لمنع هذا الانتظام، وذلك بالاعتداء علي البشر في أجسادهم، وفيما تحمل هذه الأجساد من أبنية نفسية وعقلية. ومن الفرضيات العامة في دراسة العنف أنه يزداد في حالة التزاحم المكاني، في السكن، أو الشارع، أو مكان العمل، أو أماكن التعليم(5).

 

ويعني ذلك بلغة أخرى أن الصراع علي الفضاء البيولوجي يزداد بازدياد تزايد الوجود الفيزيقي للبشر في حيز معين. وتكشف حالة المجتمع المصري عن إمكانية لوجود هذا النوع من العنف الناتج عن التزاحم البيولوجي أو الناتج عن الفائض السكاني الكبير (تضاعف حجم السكان في مصر خلال السنوات الخمسين الماضية ثلاث مرات).

 

 ورغم أن السكان في المجتمعات العربية الأخرى التي شهدت ثورات لم يتضاعفوا علي هذا النحو، فإن المدن الكبرى في هذه المجتمعات قد تحولت إلي مدن مكتظة بالسكان، وكثرت فيها الأحياء العشوائية، والتي بدورها تولد طاقة بيولوجية باستمرار.

 

ويمكن أن نعمق هذه الفرضية بشكل أكبر، إذا ما تأملنا نوعية هذا الفائض البيولوجي. فالسكان يعانون تردي الخصائص الاجتماعية: كالتعليم والصحة والثقافة العامة والسكن والمرافق، ومن ثم فإنه فائض بيولوجي مسكون بالغريزة أكثر مما هو مسكون بالثقافة. أقصد بذلك أن انخفاضمستوي التعليم، وتدني ظروف الحياة، وتجذر مشاعر الحرمان تجعل السلوك أقرب إلي أن يكون متأثرا بالفطرة والغريزة، أكثر من تأثره بالثقافة أو الأطر الضابطة. وفي هذا الظرف، تكون هذه الأجساد أقرب إلي التفاعلات العنيفة منها إلي التفاعلات القائمة علي أطر ثقافية مستقرة، فهي تفاعلات لحظية أكثر من كونها تفاعلات مستقرة ومستدامة.

 

يحدث هذا في الأوقات العادية، فماذا عسي أن يكون الوضع في حالة التحول الثوري الراهن الذي اختفت فيه بشكل نسبي القبضة الأمنية للدولة، وأصبح الأفراد أميل إلي أن يتصرفوا علي نحو فردي؟ يتوقع في هذا الظرف أن ينفرط عقد الطاقة البيولوجية الفائضة، وأن يخرج مخزون العنف لديها. ويظهر العنف هنا لدي فئات عديدة من العاطلين عن العمل، والمهمشين، والعمال الموسميين، والطلاب.

 

وقد يتخذ العنف هنا صورا من الابتزاز أو استغلال الظروف لتحقيق مآرب شخصية، عبر الاعتداء السافر علي أجساد الآخرين وممتلكاتهم، وهو ما يعرف أحيانا في الخبرة العربية بـ “البلطجة” أو “الشبيحة”، التي تعني استخداما للقوة البدنية من جانب طرف قوي علي طرف ضعيف، وإجبار هذا الأخير علي الاستسلام لإرادة الطرف الأول دون مناقشة.

 

وتوحي البلطجة بهذا المعني بحالة يغيب فيها القانون كلية، ويتحول فيها الصراع إلي صراع بيولوجي خالص، بين كائنات إنسانية قوية وأخري ضعيفة. وتمثل البلطجة أو التشبيح، بناء علي ذلك، أعلي صور للاستحواذ علي الفضاء البيولوجي، وإخضاعه بكل الصور، وما يترتب علي ذلك من سيطرة علي أحوزة أخري اقتصادية واجتماعية. ولقد سجلت فترة ما بعد الثورة في المجتمعات العربية ارتفاعا ملحوظا في عدد الجرائم بشكل عام، وعدد جرائم البلطجة علي وجه الخصوص.

 

فقد صرح المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية في تونس بأنه تم إيقاف 5600 شخص ارتكبوا جرائم مختلفة في شهر مايو 2011(6). كما كشفت تقارير عدة في مصر عن انتشار أعمال البلطجة، إلي درجة أن هذه الأعمال قد لحقت بالمدارس والمستشفيات، حيث تم الاعتداء فيها علي التلاميذ والمدرسين والأطباء.

 

3- الصراع علي الفضاء الاقتصادي.. العنف الفئوي:

 

يمثل الصراع علي الحيز الاقتصادي احدى صور الصراع المهمة، لأنه يتبلور حول قيم مادية ترتبط بالسيطرة علي الموارد الاقتصادية أو الانتفاع بها.

 

ونفترض هنا أن الحيز أو الفضاء الاقتصادي هو الحيز الذي يتسع لمدخلات ومخرجات ذات طابع اقتصادي. ومن المدخلات الأرض، ورأس المال، والعمل، والمعرفة، والتنظيم. ومن المخرجات السلع بشتي أنواعها والخدمات المختلفة. وتعبر النقود عن هذه المدخلات والمخرجات، وتجسدها بشكل رمزي. ويمثل الاستحواذ علي أي قدر من مدخلات الحيز الاقتصادي أو مخرجاته أحد الأهداف التي تحقق للفرد مستوي حياة أفضل.

 

وإذا ترجم هذا الاستحواذ في شكل نقدي، فإن الاستحواذ علي أكبر قدر من النقود هو الطريق إلي بناء حياة أكثر استقرارا، واحتلال وضع أكثر تميزا في الحياة، والتمتع بأسلوب حياة أكثر رفاهية. ومن هنا، يمكن القول إن الاختلاف بين البشر هو اختلاف في حجم الاستحواذ علي النقود، أي في حجم الاستحواذ علي مكان أوسع في الفضاء الاقتصادي.

 

 ويختلف الأفراد في طبيعة المدخلات التي تدر عليهم النقود، ولكن الغالبية العظمي تعتمد علي العمل أو المعرفة كمدخلات في الفضاء الاقتصادي. ويدخل في نطاق أولئك الذين يعتمدون علي هذين المصدرين قطاعات كبيرة من الطبقة الوسطي وكل الطبقة العاملة. فالطبقة العاملة تعتمد أساسا علي قوة العامل الماهر أو غير الماهر. أما الطبقة الوسطي، فإنها تعتمد إما علي الأعمال الكتابية، أو الأعمال التي تتطلب معرفة مهنية كالطب، والهندسة، والتدريس، والقضاء، والعسكرية … إلخ، ويحصل هؤلاء وأولئك علي أجور تمكنهم من إعادة إنتاج حياتهم وحياة أسرهم.

 

 ولكن تبني الدولة لسياسات اقتصادية معينة يمكن أن يضغط الفضاء الاقتصادي الذي تتحرك فيه هذه الفئات. ولقد تبنت الدولة في مصر، علي سبيل المثال، سياسات نابعة من مفاهيم الليبرالية الجديدة، التي قيدت، إلي حد كبير، فتح مزيد من فرص العمل، وباشرت سياسات تحرير اقتصادي وتكيف هيكلي أدخلت المجتمع بقوة في علاقات السوق، وفرضت ضغوطا استهلاكية علي هذه الفئات، وأهملت الجوانب الاجتماعية في عملية التطور، فتحولت إلي رأسمالية متوحشة بحق(7).

 

ولم يختلف الوضع كثيرا في الدول العربية التي شهدت مدا ثوريا، خاصة في تونس التي تبنت سياسة اقتصادية تعتمد علي حرية السوق وتقليص دور الدولة. وفي الحالتين، صاحب انسحاب الدولة من الفضاء الاقتصادي تعزيز وتعظيم الدور السياسي. ولم يكن هذا الدور تطويرا أو إصلاحا سياسيا، بل كان ضربا من الهيمنة والحكام، وتكميم الأفواه، وفرض الرقابة بشتي صورها.

 

وأحسب أن هذه الظروف هي التي جعلت هذه الفئات تخرج فيما بعد ثورة 25 يناير 2011 في مصر، في أشكال من المطالب التي أطلق عليها المطالب الفئوية، أي المطالب الخاصة بفئات معينة كالمدرسين، وأساتذة الجامعات، والأطباء، والدعاة، وموظفي الضرائب وغيرهم.وارتبطت مطالب البعض بصور من العنف أو الاعتصام. ولقد بدأت هذه المطالب تبرز علي استحياء فيما قبل الثورة، متمثلة بشكل واضح في مطالب موظفي الضرائب العقارية الذين بدأوا إضراباتهم عن العمل منذ عام 2007، واستمروا في الاحتجاج إلي أن وصلوا إلي الاعتصام المفتوح قبيل ثورة 25 يناير. إن ما قدمه هؤلاء أصبح نموذجا يحتذي فيما بعد الثورة، وتحولت الساحات والشوارع المحيطة بمجلس الوزراء والوزارات في وسط مدينة القاهرة إلي مكان يومي للتعبير عن هذه المطالب الفئوية.

 

وهي صور من التعبير لم تخل من صدامات واحتكاكات مع السلطات (الشرطة أو الجيش) في حال تعدي الحدود. كما شهدت تونس صورا من التعبير مشابهة، وشكلت في الحالتين ضغطا علي السلطة السياسية المؤقتة، بل وتحكمت في قرارات هذه السلطة. وتعبر الصراعات علي الحيز الاقتصادي، عبر المطالب الفئوية، عن حالة من فقدان الوعي بالمصلحة العامة أو الهدف العام. ويعد هذا ظرفا متوقعا في ضوء الظروف التي حكمت تشكل الطبقة الوسطي. لقد تعرضت الطبقة الوسطي في معظم دول الوطن العربي لتفكيك داخلي، أدي إلي خلق صورمن التباين والتباعد داخلها. وتحولت فئات قليلة منها من المغامرين من أبنائها إلي مصاف الطبقة العليا، بينما تحولت جموع غفيرة منها إلي مصاف الطبقة العاملة، جراء ضغوط الحياة، ومعاناة تكاليف سياسات الليبرالية الجديدة (التحول إلي السوق الحرة والخصخصة، وانسحاب الدولة من الميدان الاقتصادي)، وبقيت جماعات في المنتصف كانت لعبة في أيدي النظام التسلطي من ناحية، وأداة لمعارضته والاحتجاج عليه من ناحية أخري.

 

فهل من المتوقع في هذا الظرف أن يتجمع أبناء الطبقة الوسطي علي هدف واحد بهذه السرعة؟ إن تنامي المطالب الفئوية يعكس حالة التفكك، بل التشظي، داخل الطبقة الوسطي. بل إن تأمل هذا الظرف بعمق يلقي بشكوك علي إمكانية تحقيق مخاض سريع لتأسس الدولة الوطنية الجديدة.

 

3- الصراع علي الفضاء الاجتماعي.. ما بين العنف المدني والقبلي/الإقليمي:

 

يعرف الفضاء الاجتماعي هنا بأنه الفضاء الذي تتشكل فيه العلاقات الاجتماعية التي تقرب الناس معا، تحت هويات معينة، أو تصنيفات اجتماعية معينة.

 

فالناس يلتقون في الأسرة، وتتشعب علاقاتهم الأسرية لتكون إطارا عاما لنظام قرابة يطلق عليه العائلة والقبيلة. وترتبط الجماعات التي تعيش في مكان واحد بهوية إقليمية معينة، تتأسس علي علاقات تاريخية بهذا الإقليم. ولقد ظهرت في المجتمع الحديث روابط أخري حديثة تجمع الناس في تجمعات ذات هوية كالنقابات، والأحزاب، والمنظمات الأهلية، وروابط العمل، وروابط النوادي، إلي آخر هذه الصور من التجمعات الإنسانية.

 

ورغم أن هذه الروابط المجتمعية جميعا هي روابط للم شمل الأفراد المتفرقين في هويات جمعية، فإنها يمكن أن تولد صراعات، ومن ثم صورا من العنف. ويتخذ الصراع هنا شكلين: الصراع الأفقي بين هذه الجماعات وبعضها، والصراع الرأسي الذي يتشكل مع الدولة كتنظيم كلي يمكن أن يحرم هذه الجماعات أو بعضها من الاستقلالية.

 

ويرتبط هذان المستويان من الصراع ببعضهما، ويتقاطعان في حالات كثيرة، كما يولدان صورا من العنف علي المستويين الرأسي والأفقي. ويمكن فهم الصراع والعنف المتولد داخل هذا الفضاء فيما قبل الثورة وما بعدها، من خلال فهم المتغيرات المستقلة التي يمكن أن تشكله، وهي متغيرات تتصل بطبيعة النظام الاجتماعي السياسي الذي تشكل في رحمه هذا الفضاء الاجتماعي، والطريقة التي وظف بها هذه التجمعات.

 

– الصراعات القبلية والإقليمية: فمن الأمور الجلية التي لا مراء فيها أن كل النظم السياسية المصرية قد حافظت علي الروابط الأولية المتصلة ب- “العائلية” و”القبلية”، ولم تحدث معها قطيعة، بل إنها وظفتها لخدمة تحقيق الاستقرار في المستوي المحلي، ولتحقيق أغراضها السياسية. وكلما ضعفت هذه النظم، ازداد اعتمادها علي العصبيات الإقليمية. ولعبت هذه العصبيات دورا كبيرا في انتخابات المجالس التشريعية وفي الاستفتاءات والانتخابات الرئاسية.

 

 فلم تكن هذه العصبيات أداة لتزوير الانتخابات فقط، بل كانت المصلحة المشتركة بينها وبين رجال الدولة تعمل علي استخدام الانتخابات لتمكين هذه العصبيات في مناطقها، ومنحها قوة سياسية بجانب قوتها الاقتصادية. وأدي ذلك إلي أن تتشابك أجهزة الدولة علي المستوي المحلي (المحافظ وجهازه الإداري، والمحليات) وأن تتخلق عبر هذا التشبيك صور من العلاقات الزبائنية (أو الاستزلامية أو العصبانية).

 

 ولقد كانت هذه العلاقات أهم وأقوي من الاهتمام بقضية التنمية المحلية، بل إن قضية التنمية المحلية كانت قضية ثانوية تابعة لشبكة العلاقات هذه. فلم تحدث تنمية محلية إلا بقدر تمكين هذا التشبيك المحلي من أن يقوي، مع منح فرصة له للفساد الذي يعمل بدوره علي تقوية أفراد بعينهم اقتصاديا.

 

في هذا السياق، نستطيع أن نفهم لماذا سكنت بعض الجماعات، وهب البعض الآخر فيما بعد ثورة 25 يناير في مصر. فمن الأمور الملحوظة سكون الروح القبلية العصبية وكمونها، وهو كمون سوف يوالي الظهور عندما تسنح الفرصة في الانتخابات التشريعية.

 

 فهذه الجماعات لا تزال تحتفظ بتشبيكها المحلي، وهي قد ترعاه وتتكيف مع الظروف المتغيرة من حولها، لكي تبدأ انطلاقة جديدة تتلاءم مع العصر الجديد (قد أذكر القارئ هنا بأن هذا النوع من التشبيك المحلي هو الذي صنع الاتحاد الاشتراكي العربي، وحزب مصر من بعده، ومن بعدهما الحزب الوطني، وسوف يصنع أي شيء في المستقبل). فكل النظم كانت تنظر إليه علي أنه الركن الركين في استمرار الاستقرار المحلي.

 

وفي مقابل هذه السكينة القبلية العصبانية المحلية، وجدنا قياما للنعرات الإقليمية في مناطق مختلفة من مصر، تمثلت في مطالب أهل النوبة من ناحية، وسيناء من ناحية أخري، ومطالب بعض القري والمدن في أماكن متفرقة من الجمهورية.

 

وإذا ما استعرضنا خريطة هذه الهبات الجمعية التي اتخذت شكلا عنيفا، ظهر فيه اعتراض صارخ علي الحكومة، واعتراض صارخ علي تعيين المحافظين، فقد نجد علاقة واضحة بين توزيعات الاعتراض والاحتجاج المحلي، وبين الحرمان من التنمية المحلية. لقد سمعنا صيحات عنف من محافظات السويس وقنا والإسكندرية تنضاف إلي الصيحات القادمة من سيناء والنوبة.

 

ويجب تفهم هذه الصيحات علي أنها صيحات حرمان واستغاثة، وتعبير عن كبت تاريخي مدفون في النفوس، علي أثر الحرمان من التنمية ومن ثمارها، وسعي نحو الحصول علي نصيب في الفضاء الاقتصادي، ولفت الانتباه إلي أهمية أن يعاد توزيع المدخلات والمخرجات داخل الفضاء الاقتصادي، لكي تنتشر في كل الأماكن.

 

أما عن شكل العنف المتولد هنا، فإنه أشبه بالعنف المتولد من الاحتجاج الفئوي، ولكنه يختلف عنه في إمكانية توليد طاقة تدميرية تعطل مصالح أخري. مثال ذلك قطع الطرق، وتعطيل حركة القطارات بالجلوس فوق قضبان السكك الحديدية، أو التظاهر ضد المحافظين الجدد.

 

والجديد في هذا النوع من العنف أيضا هو أن به سفورا واضحا في مواجهة الدولة. والجديد فيه أيضا أن جله يمكن حله من خلال الرجوع إلي التشبيك القبلي-العصباني القائم علي المستوي المحلي. ويؤكد ذلك أن هذا التشبيك القبلي العصباني لا يزال نشطا، وأن وظائفه لا تزال موجودة.

 

وقد يختلف الأمر في حالة وجود قبلية عميقة الجذور في البنية الاجتماعية كحالة اليمن. لم تضعف القبلية هنا، بل حاول النظام أن يستدمجها داخل بنائه الأشمل علي مستوي السياسة الوطنية، فأصبح جهاز الحكم يؤسس من الداخل علي أساس توازن بين مصالح القبائل. ومن هنا، فإن الصراع المصاحب للثورة يمكن أن يتقاطع مع صراعات قبلية واضحة، وتصبح التحالفات القبلية أهم الوسائل للفعل الثوري والفعل المضاد للثورة.وقد لا يتخذ الصراع هنا شكلا فئويا، بل تحل القبيلة محل المهنة، فيصبح الدفاع عن القبيلة، والاحتماء بها، وسيلة أهم من الاحتماء خلف المهنة.

 

– الصراعات المدنية الحديثة: أقصد بهذه الصراعات تلك التي تتولد داخل تنظيمات المجتمع المدني الحديثة (الجمعيات الأهلية، والنقابات، والأحزاب). لقد تضخمت هذه التنظيمات في السنوات العشرين الأخيرة علي نحو كبير، خاصة المنظمات غير الحكومية، والتي بلغ عددها في مصر،وفقا لبيانات سنة 2010، نحو 16.800 جمعية.

 

وكانت حالة النشاط السياسي للمنظمات غير الحكومية والنقابات بطيئة بسبب سيطرة الدولة عليها، وعدم السماح باستقلال العمل المدني، وسن التشريعات المقيدة لنشاط هذه المنظمات غير الحكومية. وكان إصدار القانون رقم 84 لسنة 2002،بشأن تنظيم عمل القطاع المدني الأهلي، أحد المؤشرات المهمة في هذا الصدد. لقد كان المدخل الذي تعمل من خلاله هذه الجمعيات مدخلا اندماجيا يخضع لهيمنة الدولة، أكثر من كونه مدخلا مستقلا يقوم علي منح الفرصة لهذه التنظيمات، لكي تعمل في مجال عام حر.

 

ورغم هذا، فقد نجحت بعض تنظيمات المجتمع المدني في انتزاع الاستقلال. فقد لجأت بعض المنظمات الأهلية إلي الخارج، باحثة عن دعم مادي ومعنوي، كما استطاعت بعض النقابات أن تمارس نشاطا سياسيا، رغم محاولات الدولة تحجيم نشاطها. ومثل هذا قد يقال أيضا علي بعض نوادي أعضاء هيئة التدريس، وقد منح هذا تنظيمات المجتمع المدني بعض القوة.

 

 ولذلك فرغم وجود عدد كبير من الجمعيات الأهلية التي لا تزال تعمل بالقرب من الدولة، خاصة الجمعيات الأهلية التي تعمل في مجال تنمية المجتمع المحلي، فإن هناك عددا من الجمعيات التي تبنت مدخلا حقوقيا ودفاعيا، ومن ثم امتلكت القوة والاستقلال للمشاركة في الحراك السياسي الذي أدي إلي قيام الثورة.

 

ولقد فتحت الثورة الباب علي مصراعيه لدخول الصراع بين الدولة والمجتمع المدني مرحلة جديدة. ويتميز الصراع في المرحلة الجديدة بعدد من السمات. فإذا ما نظرنا إلي الصراع في عمومه. فسوف نجده صراعا جداليا فكريا، لا يلبث أن ينقلب إلي صراع مادي يتجسد في صور من التظاهر أو الاحتجاج أو الاعتصام. ونجد ثانيا أن هذا الصراع يكشف عن جوانب استقواء واتهامات متبادلة بين هذه المنظمات وبين الدولة. فالدولة تتهم هذه المنظمات بالحصول علي أموال من الخارج، وأنها ترتبط بقوي أجنبية، والمنظمات تتهم الدولة بأنها تحد من نشاطها ومن استقلالها.

 

وأخيرا، فإن هذا الصراع، خاصة فيما بعد الثورة، يفتح المجال أمام هذه المنظمات لكسب أرض جديدة، ومحاولة السيطرة علي أكبر جزء من الحيز المدني. ولعل ذلك يتضح بجلاء في إقدام فئات معينة علي تشكيل نقابات جديدة، مثل أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، وسعي القضاة نحو استقلال أنديتهم.

 

ورغم أن المشهد العام قد يدل علي أن المستقبل سوف يشهد مزيدا من الاستقلال للحقل المدني، ومزيدا من اتساع رقعته داخل الفضاء الاجتماعي، فإن ذلك لن يحدث إلا إذا أبدت نخب المجتمع المدني تجاوبا مع متطلبات الديمقراطية، وتخلت عن ميولها النخبوية، ودخلت في ممارسات ديمقراطية حقيقية.

 

4- الصراع علي الفضاء السياسي.. العنف السياسي:

 

ينتقل التحليل بنا هنا إلي مستوي أعلي في قمة هرم التفاعل الاجتماعي، أو التفاعل داخل الفضاء الاجتماعي. أننا هنا أمام قوي سياسية مختلفة تتنافس علي احتلال مكان الصدارة في عملية صناعة القرار السياسي، أو حتي التأثير في صناعته. وتتشكل هذه القوي داخل الأحزاب السياسية، والحركات الاجتماعية، وجماعات الضغط السياسي. وغالبا ما تكون قريبة من التأثير في الرأي العام، بحكم تملكها لوسائل اتصال حديثة (قنوات فضائية أو صحف) أو لتأثيرها العام وحجم الضغط الذي تمارسه.

 

ولقد اختلف تشكيل خريطة الفضاء السياسي في مصر فيما بعد ثورة 25 يناير عن قبلها. إذ كانت الظروف السائدة فيما قبل الثورة تقوم علي احتكار الفضاء السياسي من قبل الحزب الحاكم الأكثر سيطرة ونفوذا، لا بحكم قوته الجماهيرية، وإنما بحكم سيطرته علي أدوات القهر في النظام السياسي (خاصة جهاز مباحث أمن الدولة)، وسيطرته علي أدوات الاتصال الرئيسية (الصحف القومية والتليفزيون الرسمي)، وبحكم علاقاته الوثيقة مع التشبيك العصباني المحلي.

 

وانقسمت القوي الأخري المحيطة بالحزب الحاكم والمناوئة له إلي ثلاث قوي رئيسية: قوة التيار الإسلامي غير المعترف به من قبل الدولة (الجماعة المحظورة وأضرابها من السلفيين والجماعات الجهادية)، وقوة الأحزاب الرسمية (القديمة، كالوفد والتجمع والناصري، والجديدة، كحزب الجبهة الديمقراطية)، وقوة الجماعات النضالية التي تتخذ الشارع أو الفضاء الإليكتروني مجالا للنضال السياسي.

 

وقد تشكلت هذه الجماعات علي أثر الحراك السياسي الذي بدأ يتشكل في الفضاء السياسي مع مطلع الألفية الجديدة. ويمكن القول إن قوة هذه الجماعات كانت مجهضة بسبب سيطرة الحزب الحاكم، والإجهاض الدائم لهذه القوي من خلال القمع، خاصة القوي الإسلامية، وقوي النضال الجدالي في الشارع والميادين العامة.

 

أدي هذا الوضع إلي أن تلتصق القوي الإسلامية بالعمل الأهلي في الأحياء والقري، وأن تناوئ الحكومة وتناورها من خلال اعتراض أو صفقات في “أيام حلوة وأيام مرة”. أما القوي الليبرالية التي تشكلت عبر الحراك السياسي، فقد كانت أكثر اتساقا مع نفسها، وعبرت عن نفسها في مناسبات عديدة بشكل واضح وصريح، لا مناورة فيه ولا صفقات. أما الأحزاب الرسمية، فقد بقيت في ثباتها ونخبويتها، ليس لها حول ولا قوة أمام سطوة الحزب الحاكم واحتكاره للفضاء السياسي.

 

وفي الواقع، فقد مثل كل من صور الاحتجاج السياسي التي انتشرت في مصر منذ عام 2004، والاختراق السياسي الذي حققته جماعة الإخوان المسلمين- عندما شغل المنتمون لها ثمانين مقعدا في مجلس الشعب، عقب انتخابات عام 2005، وبصرف النظر عن الطريقة التي تم بها هذا الاختراق- خرقا لجدار العزلة التي فرضها الحزب الحاكم والنظام الحاكم علي هذه القوي السياسية.

 

وبالرغم من كل محاولات استعادة العزل لاحقا من قبل النظام الحاكم، فقد نجحت هذه القوي في أن تحرك الأحداث التي بدأت في 25 يناير 2011. تلك الأحداث التي فتحت أمام هذه القوي المهمشةالطريق إلي الدخول إلي الحلبة السياسية بقوة. وبدأت هذه القوي وغيرها، منذ ذلك الحين، في توجيه الصراع الذي كان موجودا بينها جميعا وبين الدولة إلي صراع بينها وبين بعضها، مع إدخال تكتيكات جديدة علي الصراع مع الدولة. واتسم مشهد الصراع فيما بعد الثورة بعدد من السمات:

 

– ظهور كتل سياسية جديدة، تكشف عن تشظ واضح في الفضاء السياسي، عبرت عنها أحزاب جديدة، أو ما يسمي بالائتلافات الثورية التي لا حصر لها.

 

– قيام كتل سياسية من مضاجعها، كالجماعة السلفية وجماعات الجهاد لتضع شروطها وفكرها في قلب الصراع السياسي.

 

– ظهور القوة الحقيقية لجماعة الإخوان المسلمين، وإماطة اللثام عن أسلوبها في العمل السياسي.

 

– استمرار الأحزاب والكتل السياسية القديمة في الوجود مع مزيد من النشاط السياسي.

 

– إعادة تشكيل القوي المختلفة داخل الحزب الوطني في قوي وتكتلات جديدة.

 

لقد كانت معظم هذه القوي تتصارع بشكل أو بآخر مع النظام السياسي فيما قبل الثورة. وتحول هذا الصراع فيما بعد الثورة إلي صراع بين القوي نفسها، كما ظهر نوع من الانقسام في الرأي في الصراع مع الدولة. فلقد بدأت هذه القوي تتصارع فكريا وأيديولوجيا حول مبادئ الدستور،ومبادئ الدولة المدنية، وحول أولويات بناء الدولة المصرية.

 

وفي الصراع مع الدولة، تتغير المواقف بتغير القضية المطروحة. ويتجلي ذلك في خيارات النزول إلي التظاهر في أيام الجمع، حيث لا نجد نمطا ثابتا للمقاطعة أو التأييد. وفي كل الأحوال، فإن معظم هذه القوي تعمل بعيدا عن الجماهير. وقد نستثني من ذلك الجماعات الإسلامية ذات التنظيم الهرمي الصارم، كما أن سلوكها لا يشي بقدر كبير من النخبوية، والعمل السياسي المثبت الصلة بجماهير كبيرة، والرغبة الشديدة في الجدال السياسي، بصرف النظر عن المصالحة العامة.

 

خاتمة:

 

يموج المجتمع بصراعات من القمة إلي القاع. وتكشف خريطة هذه الصراعات عن أنها لا تقوم علي فعل تواصلي مشترك، يربط كل هذه المستويات بعضها ببعض، ويخضعها جميعا لمعيار واحد في الحوار أو حتي في الصراع. ومن الواضح أننا كلما صعدنا السلم الاجتماعي، كان الصراع فكريا وأيديولوجيا، والعكس.

 

فكلما هبطنا السلم الاجتماعي، أصبح الصراع ماديا والعنف فيزيقيا وجسديا. فثمة تناقض أو عدم توازن هنا بين حجم الطاقة القادمة من أسفل والمسكونة بالعنف، وبين حجم المعرفة والثقافة القادمة من أعلي، والتي لا تتوازن مع حجم الطاقة الجسدية والفيزيقية (الغريزية) القادمة من أسفل.

 

فهل تنجح النخب السياسية والمدنية في إفراز معارف ومفاهيم مشتركة تجعل المصلحة العامة مفهوما محوريا، وتكون قادرة علي تحجيم وضبط الطاقة المسكونة بالعنف والقادمة من أسفل، أم أن هذه الطاقة كبيرة ومتدفقة، ولا يمكن للنخب العاجزة فكريا وأيديولوجيا، أو تلك التي تناضل من أجل أهداف أبعد الوطن، أن تواجهها وتحتويها؟ إن المستقبل فقط هو القادر علي أن يجيب علي هذا السؤال.

 

الهوامش:

 

1- انظر الدراسة المقارنة عن الثورات الفرنسية والروسية والصينية:

 

 Theda Skocple،States and Social Revolutions: A comparative Analysis of France،Russia and china،Cambridge: Cambridge university press: 1979.

 

2- انظر دراسات آصف بياتAsef Bayat، وبصفة خاصة كتابه التالي: A. Bayat،life as Politics،AUC. Cairo. 2010.

 

3- انظر مفهوم بارسونز حول الكائن العضوي بوصفه أحد مكونات الفعل الاجتماعي: T. Parsons،Social System،the free press،1951.

 

4- انظر رأي براين تيرنر حول هذا الموضوع من الكتاب التالي: B. Turner،Body and society،Polity Press،London،1990

 

5- انظر حول العنف في الحياة اليومية والعنف في المدارس:

 

– أحمد زايد وآخرون، العنف في الحياة اليومية في المجتمع المصري، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، القاهرة، 1995.

 

– أحمد زايد وآخرون، العنف بين طلاب المدارس، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، القاهرة، 2004.

 

 6- انظر حول إحصاءات الجريمة الموقع الإليكتروني التالي: www.ar.webmangercenter.com

 

 7- انظر حول الرأسمالية المتوحشة:

 

 – رمزي زكي، الليبرالية المتوحشة.. ملاحظات حول التوجهات الجديدة للرأسمالية المعاصرة، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1993.

 

عن مجلة السياسة الدولية القاهرية

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق