التيار الثاني من القوميين العرب: القراءة المترهلة لمشكلة الأقليات

في مقابلة مع فضائية ” تي في كردستان” الكردية، بثت منذ أيام، لم يتوان المعارض السوري حبيب عيسى، أكثر من مرة، عن تعريف نفسه بأنه “قومي عربي ديمقراطي “، حين كان يشرح رؤيته الشخصية لحل القضية الكردية. ومن أسس تلك الرؤية، الاستغراب من حالة الاستقطاب التي تنتاب الفكر السياسي الكردي حيال القضية الكردية، والتي تتمحور حول الشأن الكردي، ولا تركز على القضايا الجوهرية في المنطقة – الديمقراطيات والاقتصاد والمجتمع المدني… – واستطرادا الاستغراب من تقوقع الأكراد في منطقة جغرافية وسياسية معينة، طالما أن ” الوطن العربي كله لهم في حال تحقق الديمقراطية” حسب تعبيره. وفي نهاية البرنامج لا ينسى الضيف توجيه تحياته إلى أهله في شمال العراق. شمال العراق وليس كردستانها…

إلى حد بعيد، يمثل السيد عيسى حالة إدراكية وفكرية عامة تنتاب الشخصيات والتيارات السياسية القومية العربية، وذلك في وعيها وتعاملها مع الشؤون الأثينية والطائفية والمذهبية، وبالذات من هذه التيارات والشخصيات، تلك التي/ هؤلاء الذين يميزون أنفسهم عن التيارات القومية الكلاسيكية – البعثية والناصرية… – وذلك عبر انشقاقها عن الأنظمة الرسمية العربية، واعتبارها تلك الأنظمة جزءا رئيسا من مشكلات الأقليات في العالم العربي. وبذلك تكون قراءتهم متباينة عن القراءة العربية الرسمية في تناول المشكلات الأقلوية، لكن السبب ذاك بمفرده لا يجعل من تلك القراءات أكثر تقدمية وديمقراطية. فهي تعاني من عدة معضلات جوهرية..

فهي أولا قراءة غير تاريخية . بمعنى أنها غير قادرة على الفهم والتميز بين إشكالية أقلوية وأخرى، بين القضية الكردية في العراق كقضية أقلية قومية في ذلك البلد، وبين مشكلة الأقباط في مصر كقضية طائفية ومذهبية في مصر، مثلا. فالحلول التي يستعرضها القوميون العرب لمجمل تلك الإشكاليات المختلفة حلول ناجزة، وتلك الناجزية منبعثة أساسا من النظرية القومية العربية، التي ترى الإشكاليات الأقلوية بكل أشكالها زائفة، وإن حضرت فهي عابرة، وإن استمرت فمشبوهة . وكنتيجة مباشرة لتلك الحالة تبدو غير منتبهة لتغير التموضع السياسي والثقافي لإشكالية أقلوية واحدة بين زمن وآخر. فكلام السيد عيسى عن وطن عربي كبير كحضن للأكراد، يشابه النبرة الناصرية أكثر بكثير من روح ومستوى القضية الكردية في القرن الحادي والعشرين. فهو بلاغة لفظية، تخفي في عمقها نسقا خطابيا استعراضيا.

ثانيا، تنتج تلك القراءة عن حس بالغ المركزية حول الذات، الذات التي تعني الأمة العربية أو الوطن العربي . فجل الإشكاليات والحالات السلبية التي تنتاب هذه الأقليات ناتجة، حسب تلك القراءة، عن تعثر المشروع القومي العربي وعدم قدرته على تحقيق أهدافه، وهي (مشكلات الأقليات ) لن تلبث أن تلقى طريقها للحل، حالما يندفع المشروع القومي العربي بالصعود وتحقيق أهدافه. لذلك على كل مطلب وطموح خارج تلك الرؤية الجمعية أن تؤجَّل إلى حين تحقيق تلك الأهداف القومية الكبرى، ويصبح الكل جندا في تلك الوقعة الكبرى. طبعا منشأ تلك الدعوة/الرؤية هي العقيدة المركزية التي لا تبتعد كثيرا عن قيم “الرسالة الخالدة” التي نادى بها البعث قديما.

تغالب تلك القراءة، ثالثا، مسحة تاريخانية لا ترى في قلب التاريخ إلا ما يؤدي إلى تحقيق رؤيتها هي فقط. لذا تبدو جامدة ستاتيكية بالرغم من تباينها نوعا ما عن نظيراتها القومية الكلاسيكية، لكن مقدار ذلك التباين يبقى شبه جامد نسبيا قياسا إلى التطورات الفكرية والسياسية التي تنتاب غيرها من التيارات السياسية في العالم العربي ( اليساريين، الإسلاميين… ) . فالتاريخانية تلك تشكل حاجزا نفسيا، لا تقل في ممانعتها للتطور الذاتي عن الحواجز النفسية الدينية المقدسة .

التيار القومي العربي (الثاني) لم يقدم شيئا جديدا على مستوى قراءته لإشكاليات الأقليات في العالم العربي لسببين وجيهين. فهو من جهة لم يستطع الانشقاق التام عن النظام العربي الرسمي، وبالخصوص عن جهازه الأيديولوجي وبدرجة أقل عن جهازه العملي. لذا كانت رؤيته غير انشقاقية بالمطلق عن رؤية ذلك النظام الرسمي. فالمؤتمرات والمكاتب والدعوات التي تخص شخصيات المؤتمر القومي العربي ليست بالمجان، وأن لم يكن بين الطرفين عقد مكتوب بالضرورة، لكن للسياسية أصولها! . ومن جهة أخرى هو لا يزال تيارا غير مندرج في السياسية، بمعناها المدني، لذا لا يحتل التواطؤ الإيجابي السياسي مع التيارات التي تمثل تلك التيارات الأقلوية إحدى أولوياته البرنامجية.

حتى تتحقق رؤية قومية عربية صحية لمشكلات الأقليات في العالم العربي، لابد للناطقين بلسانها (شخصياتها وتياراتها السياسية) من الاستقلال عن مؤسسات النظام العربي الرسمي وأن يمارسوا السياسية كمعرفة (السياسة المدنية) لا كإيدلوجيا.

في أحد ردهات معرض بيروت للكتاب استوقفت الأستاذ معن بشور الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي وسألته: ما رأيك لو أختار أكراد العراق الانفصال عن العراق يوما ما عبر استفتاء ديمقراطي. كاد لا يرد، لكنه بعدما أن مشى بعض خطوات ألتفت وقال: “شو كل خمسة آلاف بني آدم لازم يكون عندن دولة ” .
ماذا سيكون رد فعل الأستاذ بشور لو قال أحدهم يوما، كلام كهذا عن الفلسطينيين؟ وهل قومية الأستاذ بشور غير طائفية وإن كانت قومية الأغلبية المطلقة في العالم العربي ؟ !

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This