التّربية وعائق التّقليد

{{ملاحظات تمهيدية}}

نقترح هنا رفقة الباحث المغربي عبد الله العروي(1) وقفة نقدية حول علاقة الإصلاح بالتقليد، والتقليد السنّيّ منه على الخصوص في إطار الثقافة الإسلامية، وحول ضرورة التحليل النقديّ للذاكرة الجماعية وللطريقة التي تُبنى بها هذه الذاكرة في المجتمعات الإسلامية. وقبل الغوص في قضايا الكتاب سأسوق بعض الملاحظات التي أبتغي من ورائها تبرير اختيار هذا الكتاب ذريعة للتطرّق لمسألة تخصّ حرّية المعتقد وتصريف الاعتقاد، في علاقة مع الأرشيف الجماعيّ الذي يكبح أكثر ممّا يتيح حرّية التأويل والتملّك للموروث :

أوّلا: يكون الدين في المجتمعات الإسلامية والعربية إطارا مرجعيا عامّا في ما يتعلّق بتدبير الحياة الخاصّة والعامّة. فالتداخل بين الدين والسياسة لا يزال قائما، ولا يزال العالم الإسلاميّ يرزح تحت تأثير العامل الدينيّ في المعتقدات والتمثّلات والممارسات. لذا يقودنا سؤال العلاقة بين التربية والديمقراطية، أو سؤال السياسة التربويّة الممكنة اليوم في هذه المجتمعات حتما إلى سؤال الممارسات الدينية، وفعلها العميق في طرق نحت الأشخاص وبناء هوياتهم الذاتية . إنّ مسألة ترابط الدين والدنيا ليست مجرّد افتراض اعتباطيّ أو مجرّد رغبة لكهنوت يتّخذ من الدين مطيّة لولوج دائرة السياسة. إنّ هذا الارتباط واقع فعليّ ومتجذّر في الدهنيّات والممارسات اليومية للشرائح العريضة، وإن كانت أشكال هذا الترابط وتجاربه متعدّدة ويصعب اختزالها في نموذج معمّم واحد.

ثانيا: إنّ التفكير المتأمل في” اليوميّ” وفي “الراهن”، بمختلف الحيثيّات والغليان المرافق لهما، يقودنا إلى النبش في الماضي، لمعاينة ثقل الزمن الثقافيّ والوقوف على تأثيراته العميقة في ما يشكّل حياتنا اليومية. لقد أكّد العديد من المؤرّخين والأنثربولوجيين أنّ المجتمعات التي تشكّل عالم اليوم لا تتقاسم بالضرورة نفس التصوّر للزمان ولا “تسكن” نفس الرمزية الزمانية، رغم عوامل التنميط التي تحملها العولمة الجارفة والمستندة إلى موازين القوى السياسية وقواعد السوق الاقتصادية. إنّ التداخل بين الماضي والحاضر لأمر مشهود في العالم الإسلاميّ، فالماضي لا يعني بالضرورة ما مضى ولم يعد قائما، بل يعني النسيج العميق للحاضر ولربما صيغة تجسده المستقبليّ. والخلاصة أنّنا لا يمكن الاستغناء عن مساءلة الزمن الثقافيّ ونحن نستعرض قضايا الحرية والتربية على احترام الاختلاف تربية بأفقهما الديمقراطيّ.
إننا في هذه المنطقة من العالم – والتي تفوق جغرافية معطياتها الثقافية جغرافيتها الفيزيقية- لأشدّ ارتباطا بالماضي كماضي مبجّل، محاط كلّ مرة بهالات التقديس، فالماضي يفعل في راهننا أيما فعل ويخترق ممارساتنا الاجتماعية والتربوية والسياسية؟ ولطالما انحصر دور الأحياء في تكرار خافت للأموات وفي انمحائهم أمام تاريخهم الخاص كأحياء، متخلّين بذلك عن دورهم كفاعلين. وخلافا لذلك، تعلّمنا الأدبيات السياسية الحديثة أنّ التربية المتغذّية على مائدة الديمقراطية تتطلّب فاعلين بمقدورهم التدخّل في توجيه مسار حياتهم ضدّ كلّ قدرية مفترضة، ولو كان الثمن إحداث سلسلة اختراقات وقطائع مع التقليد الذي يجثم بكلّ ثقله ومثبطاته على تاريخ ممتدّ، وفي رتابة قاتلة.

ثالثا: هذا التعريج على مساءلة الذاكرة الثقافية الجماعية، ومساءلة الماضي بزمانيته الخاصّة، نتلمّس خيوطه استنادا إلى المؤلّف الأخير لعبد الله العروي في:”السنّة والإصلاح”(2)، والذي يستثمر فيه الكاتب إلى حدّ بعيد خلاصات أعماله السابقة التي عالج في جزء كبير منها- كما هو معروف- مسألة العلاقة بين الإسلام والحداثة وبين الفكر العربيّ والإرث الليبراليّ في شقّه الفكريّ على وجه أدقّ(3). ورغم ارتباط هذا العمل بالسياق الحالي للمغرب الأقصى وبما يعجّ به من وعود وانحسار (وإن كان الكاتب لا يصرّح بذلك)، فإنّ وجه التعميم على العالم الإسلامي وارد، كما أنّ مختلف استنتاجاته تنسحب على مجمل البلاد العربية، ناهيك أنّ المغرب نفسه من حيث مكوّنات هويّته الحضارية ضارب بجذوره في الشرق الإسلاميّ وفي الغرب المسيحيّ واللائكيّ حتّى؟

لماذا هذا التعريج على تاريخ ثقافيّ يتجاوز في عمقه مستوى اللحظة الحاضرة ونسيجها الراهن؟ والجواب هو أنّ كتاب “السنّة والإصلاح ” يستهدف بجرأة وبعمق نادرين “وضع الذات” المسلمة، ومقدار حظوظها أو هامش حقوقها في أن تتمتّع بالقدرة على تحديد اختياراتها في ما يخصّ اعتقادها الديني وحياتها الروحية، وصياغة الشكل الذي تبتغيه لهذه الحياة ، ودرء كلّ جبرية أو وصاية كهنوتية. نعرف اليوم جيّدا أنّ مثل هذه الحظوظ ومثل هذه الحقوق تفترض بدورها مناخا للتنشئة على ثقافة الاختلاف والإقرار بحقّ الاختيار الفرديّ والجماعيّ كما تسمح به شروط الحياة الديمقراطية الحديثة، وهو ما لا يزال في معظم البلدان الإسلامية موضوعا للحلم وليس مادة للتجريب العينيّ. في الواقع، نحن هنا وجها لوجه أمام سِؤال العوائق التي تحول دون تربية الأفراد والأفق الديمقراطي الذي يسمح بانبثاق الفرد الحرّ القادر على فرض اختياره وتحمّل تبعات هذا الاختيار. أمّا وأنّ التقليد الدينيّ منه يضع سفينة الفرد وحياته في مهبّ رياح القدر المتعالي، فإنّ الأمر يختلف، لذا تصبح المقاربة النقدية لهذا التقليد المدخل الأوّل لتمثّل العلاقة بين التربية والديمقراطية؟

امرأة تسأل؟

يقدم العروي مؤلّفه “السنّة والإصلاح” بوصفه جوابا مطوّلا ومدعّما بتحاليل وحجج على سؤال وجّهته له متسائلة، حاول الكاتب مدّنا ببعض ملامح شخصيتها لغاية مقصودة لا ريب. يتعلّق الأمر بمواطنة أمريكية مسلمةٍ، ولكنّها في حيرة من أمرها فيما يخصّ الصيغة المثلى اللائقة كي تعيش إسلامها في بساطة بعيدا عن التعقيدات الملزمة المعهودة في “بلاد الإسلام”. السائلة امرأة متعلّمة، ذات تخصّص علميّ، تشتغل بالبحث في مجال البيولوجيا البحرية، وهي مطلّقة من رجل شرقيّ وأمّ لطفل، تعيش وسط تجمّعات بشرية نشيطة متنوّعة بأصولها العرقية واختياراتها الثقافية والدينية.
يتلخّص سؤال المرأة المحاورة إذن في البحث عن الطريقة التي يمكن لشخص اختار الإسلام دينا أن يعيش إسلامه على نحو لا يناقض معطيات الحياة العصرية، ولا يلزمه بكلّ أشكال الحجر والوصاية الدينية المتعارف عليها، خصوصا إذا كان هذا الفرد امرأة مسلمة. كيف يمكن الالتزام بالمعتقد الدينيّ خارج هيمنة الوساطات وسلسلة الشرّاح والمستفسرين وركام المذاهب المتوارثة، والتي سرعان ما تتحوّل إلى مؤسّسات مرغمة وزاجرة، تجتثّ كلّ تملّك فرديّ للمقدّس؟
يقرّ الباحث بأنّ سؤال محاورته هو نفسه السؤال الذي ظلّ يشغل باله منذ عقود. فكأنّ السائلة لم تقم في النهاية إلا بإطلاق يد الكاتب ولسانه، ليأتي الجواب مستفيضا في حيز كتاب وعلى درجة كبيرة من التركيز والاستشكال العميق. إن سؤال السيدة المسلمة أمريكية الجنسية يتعلّق في الواقع بمسلم اليوم وبإسلام اليوم: علما بأنّ ما نسمّيه “اليوم” يختلف سوسيولوجيا وسياسيا وعلميا وديموغرافيا عن “اليوم” الذي شهد ميلاد الإسلام كثالث ديانة توحيدية كبرى.
كيف لشخص، امرأة كان أو رجلا، أن يحدّد إسلامه ذاتيا، أي أن يحدّد علاقته على نحو “أصيل” بالمصدرين الأساسين: “القٌرآن والسنّة” بعيدا عن وساطة العصور والشرّاح والأئمّة والتابعين؟ كيف له أن يقرأ كتاب المسلمين المقدّس والمصدر الأوّل لحياتهم الدينية والتشريعية ؟ ثمّ، أخيرا كيف لمسلم اليوم أن ينسج علاقته بالسنّة وبمختلف الأفعال والأقوال المأثورة عن نبيّ الإسلام. هذا السؤال الأخير، ينشطر إلى شقّين يحيلان إلى مصدرين تتجاوز العلاقة بهما مجرّد الرغبة في القراءة أو حبّ التأويل، لكونهما يسمان حياة القارئ ويحدّدان المعنى والشكل الذين تتّخذهما هذه الحياة، أو عليها أن تنضوي تحتهما بكلّ أبعادها الاجتماعية والروحية والجمالية.
لا غرابة أن ينتصب أمامنا سؤال الهوية الجماعية الذاتية على نحو ملحّ. لكنّ الغرابة أن ينبثق هذا السؤال بشقّه الديني، على لسان امرأة أجنبية أو امرأة مسلمة تعيش خارج الديار الإسلامية. فهل نحن أمام مفارقة أم أمام حذر يتّقي خطرا أم أمام اعتراف بصعوبة، ولربما استحالة طرح سؤال الحقّ في اختيار المعتقد والصيغة الملائمة لتصريفه داخل أرض الإسلام المتعارف عليها تقليديا.

المتن الديني وفضيلة الشك

بخصوص المتن القرآني، يجيبنا العروي دون لفّ أو دوران، وبجرأة قد يقشعرّ لها دعاة الجمود والتقليد، بأنّ القرآن، “كلام الله الموحى به” لم يأت دفعة واحدة، بل أتى موزّعا ومسترسلا في زمن استغرق عشرين سنة، فهو إذن كلام متفرّق ومنفعل بوقائع ومعيش المجتمع الإسلامي والدولة الوليدة آنذاك. إضافة إلى ذلك، يذكر الباحث بأنّ القرآن لم يأخذ صيغته كمتن متكامل ومغلق إلا عشرين سنة بعد وفاة الرسول. كل هذه المعطيات تعود بالفكر وبالبحث التاريخي إلى استشكال مسألة جمع النص القرآني ووحدته وترتيبه.

أما السيرة النبوية، باعتبارها المصدر الثاني في بناء التقليد السنّيّ، فلم تستجمع بدورها إلا قرنا بعد وفاة الرسول أو ما يناهز القرن بعد أن تمّ جمع القرآن. وعليه، يكون التفاوت الزمنيّ بين ترتيب المتنين أوالمصدرين الرئيسيين للإسلام جليا. لذلك أيضا لم يتمّ تصنيف الآثار السنّية ووضعها تحت تصرّف الفقهاء والقضاة والأئمة إلا في مرحلة لاحقة. فما الذي كان المسلمون يقرؤونه ويسترشدون به في أمور دينهم ودنياهم خلال العقود الثلاثة التي تلت هجرة الرسول إلى المدينة؟ وهل كان مفهوم السنّة موحّدا بين مكّة والمدينة ودمشق؟ ثم هل بإمكان الباحث المؤرّخ أن يتعالى جاهلا التاريخ العينيّ والمعاش فعلا من قبل المسلمين، على اختلاف منازعهم ومذاهبهم وحروب المصالح بينهم.؟ ما الذي كان يعنيه مصطلح”السنّة”؟ وماذا يقصد بالسيرة النبوية؟

من الأكيد أنّ سيل الأجوبة عن هذه الأسئلة لم يتوقف، وان اختفى بعضها أو حورب ليرسخ بعضها الآخر ويتخذ صيغة أجوبة مركزية ورسمية، بل ويتحول إلى لغة ضابطة وسلطة تعمل على القبول والرفض وعلى الإدماج في منطق للتماثل، وإقصاء لكل اختلاف بوصفه ابتداعا وتضليلا كما كان الأمر بالنسبة إلى الروايات والأجوبة المنافسة. إننا لا نعدم مبرّرات لالتزام الحذر والارتياب أحيانا إزاء الصيغ الرسمية للخطاب الديني، وهي مبرّرات يمكن استجلاؤها بسهولة من التاريخ ألصراعيّ الطويل، بل والدمويّ في بعض الفترات داخل نفس المجموعة التي “وحّد” بينها المعتقد وفرّقت بينها النزاعات المذهبية والانتماءات السياسية.

على ضوء هذه الملاحظات، يمكن صياغة خلاصة أولى تتعلق بالإسلام وبتشكيله وبإطاره المذهبي ووضعه موضع تساؤل. فلا شيء من ذلك يستدعي الجمود على منطق البداهات: تلك في نظرنا هي الرسالة العميقة التي حاول المؤلّف أن يهمس بها في أذن مسائلته، كأيّ قارئ لا يزال يحتفظ بشيء من فضيلة الشكّ المنهجي في بحثه عن حقيقة ترضيه.

إنّ الإسلام التاريخي الذي عاشه المسلمون فعليا، غير الإسلام المتعالي عن الضوابط الزمنية والمكانية، وعن مختلف الرهانات التي واجهتهم وتخللت حياتهم كأحياء .إن الإسلام التاريخي كما يؤكد العروي هو إسلام فريق من المسلمين، “أهل السنة والجماعة”. لقد عمل هؤلاء على وضع صيغة محددة له عبر مسار طويل ابتدأ مع الهجرة الأولى إلى المدينة، ليترسّخ ويتقوى بمكة. علينا إذن أن نلزم الحذر وروح النقد الفاحص إزاء ما يروى عن المرحلة التي تلت موت الرسول (4)، بحيث نبقي على باب البحث والتنقيب منفتحا. ولكن علينا أيضا أن نسرع لمباشرة هذا البحث وهذا التحليل في القضايا المذكورة وألا تنتظر القراءة النهائية أو الحكم الأخير الذي يلغي ما قبله، لأنّ الانتظار في هذه الأمور يعرّضنا لاكتساح التقليد لشؤون حياتنا، ضدا عن طموحاتنا وسعينا لرسم آفاق للتحرر والتحديث. هناك ضرورة للعودة بـ”الكتاب” والسنّة إلى أرض المحايثة والتجسيد الفعلي في التاريخ، ولن نستطيع القيام بذلك إلا انطلاقا من اللحظة التي تشكل راهننا والوضع الحالي لمعارفنا ومعتقداتنا ورغباتنا.

يسعى المؤلف إلى تنوير مساءلته وتنوير القارئ من خلالها، فيلقي بالسؤال: كيف تكوّنت السنّة؟ وكيف تمّ وضع ما سمّي بالسنّة النبوية؟ من كان وراء ذلك وخدمة لأية أهداف أو غايات؟ ونخال المؤرخ يقصّ في لغة حكائية “ذات يوم كانت مكة…ثم المدينة ثم دمشق…”، أمكنة ثلاثة هي بمثابة عناوين لمراحل ثلاث: نحن إذن أمام تاريخ أساسه التعدد في الأمكنة والأزمنة وليس تاريخا للواحد المُختَزَل. إن التاريخ الفعلي للإسلام ـ كتاريخ محايثة وتجسد في الوقائع والأحداث البشريةـ يخبرنا بأنّ الأمة المسلمة قد توزّعت إلى عدّة فرق متنافرة ثلاثين سنة بعد وفاة النبيّ. ويكفي للتأكّد من هذا الأمر أن نستحضر ما يفترضه الصراع حول الزعامة والسلطة، خصوصا ونحن نعرف أنّ نموذج السلطة نفسه، في مرجعيته التقليدية القديمة، كان يتأرجح بين ثلاثة أوجه أو ثلاثة نماذج: نموذج الفرد الطاغية، ونموذج الجماعة المختارة، والنموذج الذي يقوم على حكم الكلّ للكلّ دون تمييز. ولدينا في الحكم الشيعيّ، والنخبة القرشية والخوارج تمثيلاً على هذه الأوجه الثلاثة. لقد كان هؤلاء الأخيرون بمثابة المنشقّين الأوائل الذين دعوا إلى حكم الأمّة باسم الله، رافضين كلّ زعامة فردية أو نخبوية، وكانوا بذلك نموذجا لما سمّي بالتطرف السياسيّ. من جهة أخرى عرف التاريخ السياسي والديني للإسلام فريقا اعتقد جازما بأن السلطة تعود بالضرورة إلى أعيان مكة وأشراف قريش وهم قبيلته التي ينحدر منها. وأخيرا عرف هذا التاريخ الموقف الشيعي، المتأرجح بين راديكالية واعتدال. لقد اعتبر الشيعة – كما هو معروف- بأنّ السلطة الروحية والزمنية للرسول حقّ يرثه آل النبي في شخص عليّ وسلالته. إلا أنّ الصيغة التي سوف تنتصر وتتماسك لتحكم التاريخ الديني والسياسي وتمتد في غالبية البلاد الإسلامية هي صيغة النخبة القرشية تحت تسمية ما يعرف بأهل السنّة والجماعة.

لقد استطاع أهل السنة والجماعة أن يفرضوا اختيارهم وصيغتهم لتحديد المتن القرآني والمتن السنّي كمصدرين أساسيين. لقد سنّوا “الطريق” الذي يتوجب على المسلمين أن يسيروا فيه، وقنّنوا عناصر الأثر النبوي وحددوا طرق التأويل والتفسير واستقبال المعاني: نحن إذن أمام إرادة معرفة تسندها سلطة قرار ملزمة تتحرك وفق آليتي الإدماج والإقصاء، بما في ذلك إقصاء الصيغ المنافسة في تحديد المتن وطرق قراءته وتأويله. ولقد قاد غياب التوافق بين مكونات “أمة الإسلام “إلى تعدد الفرق والمذاهب التي زادت عزلتها وتشرذمها وصراعاتها الداخلية، فكل منها يدّعي حقّ احتكار الشرعية والمصداقية. ولقد اعتمد كل فريق نفس الطريقة والمنهاج: احتواء للآثار، بحث موجّه في الذاكرة، انتقاء وصياغة للمرجع الملزم (بكسر الزاي)، كذلك فعل أهل السنة، وكذلك فعلت الشيعة التي استطاعت جماعتها أن تبسط سيادتها في بعض الأوطان الإسلامية لفترات معينة. في حين حرم الخوارج هذه الفرصة لأنهم حسب المؤرخ، رفضوا كل سنة وقاوموا كل تراكم مستمر وقارّ للتقليد، فانسحبوا من مسرح السياسة. وسواء تعلق الأمر بأهل السنة أو بالشيعة. فالبراديغم واحد على مستوى العمق، لذا لا تشكّل الشيعة بديلا فكريا أو سياسيا عن أهل السنة والجماعة، ما دامت صيغ البناء متشابهة وإن كان هناك اختلاف على المستوى النظري.

إن الإسلام الذي سوف يصبح إسلام الأغلبية هو إسلام أهل السنة والذي نعث حينها ـ ولا يزال ـ بالإسلام “المعتدل”. إنّ أهل السنة في الواقع جماعة على قدر من التمرّس والشدّة، فقد رسموا ملامح الإسلام المركزي عبر مسار طويل، ومنحوا نفسهم حقّ “الحلّ والعقد”، وتمكنوا من ترسيخ تصور للتقليد يقوم على أربعة مبادئ أساسية:
• وحده القرآن، بوصفه كلام الله، بمقدوره أن يدلّنا على ما يريده الله بنا، وما يلزمنا به،
• وحده الرسول يعرف بحق وبعمق معاني القرآن، فهو الوساطة المثلى بين الله وبيننا، من ثمة قدرته أن يكون شفيعنا يوم القيامة
• وحدهم صحابة الرسول وآل البيت بإمكانهم أن يبلغونا ما خفي من المعاني القرآنية وما تعقد من أمور ديننا ودنيانا. ومن ثمة بإمكانهم تمديد الوساطة النبوية.
• وحدهم الناطقون بلغة القرآن، العرب أساسا، يستطيعون بتلقائية أن يهتدوا إلى معاني الكلمات القرآنية، وفكّ ألغاز الصور البلاغية والمجازية للقرآن، وفهم الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة.

تلك هي الصيغة المركزة للموقف السنّي، والتي يبدو خطر التصلب الفكري فيها واضحا. ويمكن أن نتصور الانعكاسات الوخيمة لهذا الموقف المتحرج على المستوى المعرفي والسياسي. خصوصا وأننا نعرف أن تداخل الدين والسياسة يكاد يكون أحد ثوابت التاريخ الإسلامي. فالتحكم السياسي في سلوك الأفراد يمرّ عبر احتكار دائرة المعنى من قبل نخبة محدودة العدد، نخبة منحت نفسها سلطا غاية في الخطورة: تحديد الإطار المرجعي للعقيدة، حجر المعنى وابتداع كل الآليات الممكنة لحصره، مقاومة كل تجديد يفتح الفكر على انسياب الحياة والتاريخ، بحيث لا يستقبل “الجديد”، إلا كظل للقديم، ولا يدبر شتات الواقع والإحداث إلا من خلال شبكة وضعت بشكل قبلي لتجيب عن كل ما يحدث، بحيث تواجه المشاكل الجديدة بحلول قديمة ينتصر بها السلف على الخلف والماضي على الحاضر والمستقبل لتكون الخلاصة المحتومة هي اجتثاث القدرة على المبادرة لدى الأفراد، وإخضاع الفرد لرأي الجماعة، والأحياء للأموات .

في الواقع ينفي التقليد السني كل تقليد آخر، رغم صفة “التسامح” التي طالما ألصقت به أو ألصقه بنفسه. إنه انتصار لهيمنة “الواحد” على المتعدّد! ولربما يعمل التوحيد على دعم ركائز الحكم الإطلاقي والطغيان السياسي من دون نية مسبقة. إننا هنا بصد فكرة – نبراس لدى الباحث الذي يفتح نافدة لإطلالة جديدة على تاريخ التوحيد بصفة عامة. ولعل فكرة الإله الواحد، الجالس على عرشه ليقرر مصائر البشر والكائنات قد ألهمت، عن وعي أو عن غير وعي، سلوك الحاكم المطلق الذي قد يغريه تقمص رداء القداسة وصفة الإلوهية. بهذا الصدد، يدعونا المؤلف لفتح أرشيف الطغيان والاستبداد من جديد، وصياغة جينيالوجيا خاصة به تتجاوز الديانات التوحيدية لتمتد إلى نموذج السلطة الفرعونية أو الإغريقية الرومانية أو الفارسية، فهي تجارب ذات تأثير كبير بمنطقة البحر الأبيض المتوسط. ويمكن كما يرى الباحث ـ أن نفترض بأن التقليد السني، من خلال فكرة الإله الواحد الجبار، قد هيأ النفوس لتقبل فكرة الحاكم الواحد الذي يترك له تدبير الشؤون الحياتية للناس، شريطة أن يتصف “بالعدل والإنصاف ” نظريا على الأقل.

بيداغوجيا السلب

للسنة طرائقها وطقوسها في إعداد النشء وتدبير حقل المعارف والتصورات ووضع سلّم القيم الخاص بالكائنات. فرجل السنة لا يتصور العالم والمجتمع دون تراتبية واختلاف في القيمة بين البشر وبين الكائنات. وكما أن هناك النجوم والأعشاب غير المتساوية في قيمتها ووضعها الرمزي، فهناك اختلاف وتراتبية وتفاضل بين المجموعات البشرية وبين الأفراد أنفسهم، إذ لا يستوي الحاكم والمحكوم، السيد والعبد ، الرجل والمرأة، الخاصة والعامة، المعلم والتلميذ أو بالأحرى الشيخ والمريد.. واللائحة طويلة .

السنة نمط في تنظيم الذاكرة والأرشيف، إنها طريقة خاصة في سبك الآثار وتحديد دلالاتها وقيمها وترتيبها. إنها نمط لتدبير خاص له آلياته وإجراءاته وأهدافه الإستراتيجية، ويمكن أن ننعتها بعديد من الأوصاف السلبية، ولكننا لا يمكن أن ننفي عنها طابع التفكير والتماسك والنسقية، فلديها تصورها الخاص للنظام الاجتماعي والسياسي و”الروحي” ولسبل الحفاظ عليه واستدامته، ولديها أيضا نظرياتها حول الخير والشر وحول ما ينبغي اجتذابه وما ينبغي إبعاده، بل إن لديها نظريتها في تجديدها لنفسها، رغم ما تبدو عليه كلمة “تجديد” من مفارقة في هذا السياق، غير أن طابع المفارقة ينتفي بمجرد أن نعلم أن التقليد لا يستطيع البقاء والاستمرار إلا إذا اندرج في لعبة التقليد المستعاد. إن التقليدانية فعل حركيّ يعمل في كل لحظة على إعادة إنتاج ذاته، عبر امتصاص الأزمات الداخلية والتحايل ضد الأخطار الخارجية واحتواء عناصر المقاومة بل واستثمارها أحيانا بدهاء نادر.

إن تجديد السنة لنفسها يمر عبر مطرقة التذكير. فعلى السنة أن تكون مسموعة ومرئية باستمرار، حاضرة دون انقطاع، متماسكة في “صفائها” و”بنيانها” رغم مرور الزمن وصنيعه بالأشياء. فزمان السنة كما يقول الكاتب هو “زمان التكرار” وزمانيتها هي: “زمانية اللازمان”. وهذا التماسك الذاتي يفترض أيضا لعبة تعيين العدو الخارجي والآخر المهدد: فهو تارة فرق منافسة أخرى، وتارة فيلسوف متمنطق وتارة أخرى رجل تصوّف، ولو أنّ هذين الآخرين بدورهما يجدان أحيانا منفذا لاستثمار بعض عناصر السنة، أو سبيلا للابتعاد عنها وأحيانا أخرى وسيلة متحايلة للاقتران بها والانضواء تحت لوائها.

بيداغوجيا، ينكب الجهد في التقليد السنّي على المحافظة وحماية ما هو مستحب في المعرفة ومحكم في العلم كعلم جاهز. فعلى الساعي لاكتساب المعرفة ألا يناقض الموروث وألا يبتعد عنه لأن في ذلك مروقا. وإذا حاول المتعلم أن يتقدم ببعض الأفكار الجديدة أو الشخصية، فإن ذلك لن يتأتى له إلا في حدود جزئية وهامشية لا تمسّ بتماسك البنيان السنّي، فالمعرفة المستقبلية تحدد سلفا، وترتقب في جزئياتها حتى لا تكون هناك مفاجأة غير سارة. لا محيد عن النهج المعرفي المتوارث ، ولا خروج عن الأعراف المؤسسة، وإلا فجزاء المتجرّئ أن يقذف بنعت الشذوذ أو الهر قطة، وكل شذوذ أو هرطقة مسّ يطال المتكلم والمستمع في نفس الوقت، وخطر يهدد منطق الجماعة.

إن التقليد وهو يحاول الإبقاء على تماسكه الذاتي، يحترس إزاء كل ما “يبعده” عن ثوابته و”جوهره” العقديّ. وبقدرما يتم الابتعاد في الزمن عن المنابع الأولى تتقوّى عملية التقنين المتشدّد. إذا كان أبو حنيفة، عمدة الفقه السنّي، قد أجاز القاضي في أن يتحلى بقسط من الليونة إزاء مستجدات الحياة التشريعية – بحكم المشاكل المرافقة لميلاد الدولة الإسلامية الجديدة، وتعدّد الإثنيات والأعراف والشعوب المكونة للمجتمع الجديد – فإن مالك ابن أنس قد قلص من هذا الهامش، وضيق دائرة لاجتهاد والابتكار، ولم يكن الشافعي الذي أدخل القياس إلى مجال الفقه( قياس الشاهد على الغائب) بأقل تشددا من سابقيه.

تكون المعرفة في إطار التقليد السني كالإيمان، فهي مطالبة بان تكون كاملة وثابتة، وكأنها هبة ربانية تقذف في القلوب دفعة واحدة. ألم يستقبل نبيّ الإسلام كشخص أمّي قبل أن يحاط بالعلم “اللدنّيّ”؟ إن الأمّية هنا إيجاب يحيل على الفطرة والعفوية والتلقائية، وكلّ الذين نافحوا عنها رفعوا من قيمتها ليجعلوا منها فضيلة تعزى إلى الصفوة من البشر والأولياء! ورغم ذلك، من العبث أن نستمرّ اليوم في الترويج لموقف كهذا، علما بأنّ الأمية تتحدّد عمليا كمرادف للجهل المطبق على العوام، في مقابل خاصة تنعم بنور المعرفة التي سرعان ما تتحول إلى سلطة. إن مديح الأّمية ليس في الواقع ليس إلا تعميقا للشرخ الذي يفصل بين خاصة تعلم وتتحكّم، وعامّة يحوّلها جهلها إلى مادّة للهيمنة السياسية والاجتماعية. ولعلّ وضع الامتياز الذي تحظى به جمهرة العلماء شاهد على تناقض موقفهم، ولا يتردّد المحلّل في اعتبار الفيلسوف والفقيه الأندلسي ابن حزم مثالا على ذالك .

كيف يمكن التوفيق إذن بين الحديث عن واجب طلب المعرفة والاجتهاد والتبليغ من جهة، والرفع من قيمة اللاعلم والأمّية المؤسّسة من جهة ثانية؟ قد يسهل الجواب عن السؤال لكون المعرفة المقترحة نفسها معرفة تحصيلية والعلم علما يدور في حلقة مفرغة، تربته هشة وكيانه مهتزّ.

يسهر التقليد من خلال مؤسساته على “تنظيم” الحقل المعرفيّ المتاح له. فهو يفصل بين “المعارف الضرورية” كتلك التي تتعلق بالقرآن والحديث والفقه، و”المعارف الثانوية” أو التكميلية كالتي تتعلق باللغة والنحو وعلم الأنساب. أما منهج التدريس، فيقوم أساسا على التلقين الشفوي وسرد آثار الأوائل عبر استحضار سلسلة السندات وفق طريقة السمع المطاوع والعنعنة. قد يحدث أن يقبل التقليد بمجالات معرفية أخرى، ولكن في الحدود التي لا تشكل خطرا على مرتكزاته. أما دور المتعلم فيختصر أساسا في ثقافة الإنصات، واستظهار ما تعلمه ليردده في حرفيته وجزئياته على نحو يقلص من تدخل ذاتيته في ما تعلمه. أكيد أن التقنين السني لا يستنفد كل ما يزخر به حقل المعارف “الإسلامية” من غنى، فهناك مباحث ومجالات أخرى تظلّ تنتعش خارج مدارس السنة ومؤسساتها، من ذلك علوم الطب وعلم الحيل والكيمياء والفراسة وعلوم الفلك، وقد يلتجئ بعضها إلى أماكن هامشية، في حين ينسلخ البعض عن دور التعليم الرسمية ليلج قصورا لأمراء أو مجالس الملوك والوزراء.

إن ثقافة السنة عموما ثقافة سمعية وخطابية تأملية تختلف بل تتعارض أحيانا مع ثقافة العين والتجربة العملية المنفتحة والمتجددة. لذلك كانت هذه الثقافة التقليدية ثقافة محاكاة وليست ثقافة ابتكار على العموم، فالخلق والابتكار “بدعة”، وكل “بدعة ضلالة”، أو هي المدخل الرئيسي للخروج عن “الطريق السويّ” المتوارث عن السلف. بذلك يتم إلغاء فكر الاختلاف، ويتحول الجهد المعرفي إلى جهد سالب هدفه الأول إيقاف الزمن، واجتثاث التغير، ومحاصرة “لمارقين”: لوحة قاتمة على درجة قصوى من التحجر، لأنها تعارض بالأساس الشروط الدنيا لإرساء تربية تشتغل في أفق ديمقراطي، حيث رهان التربية يقوم على تنشئة الفرد الفاعل والذات الخلاقة، بناءً على الحقّ في المساواة والحرية والقدرة على إعادة امتلاك الذاكرة الجماعية وربط علاقات جديدة مع “الأصل” على نحو يرفع من قيمة الحاضر ويعترف بخصوصيته بدل أن يلغيه .

الذاكرة الجماعية : قراءة وتفكيك

يفسح العروي أمامنا المجال لمقاربة الذاكرة الجماعية، أو على الأقل يذكر بهذه المقاربة التي سبق للعلوم الإنسانية- ومنها التاريخ والتحليل النفسي- أن أمدتنا ببعض لوسائل المنهجية لفتح سجلهالذاكرة. إن الانشغال بالذاكرة هنا يعني إعادة التفكير في حيثيات تكونها ونمط اشتغالها هي نفسها. إن الذاكرة انتقائية بطبيعتها، وقد تكون أحيانا ذاكرة للنسيان حتى وهي تسعى لإقامة معالم تذكارية لحدث ما. وعليه تكون القاعدة المنهجية الأولى في بروتوكول البحث في الذاكرة هي قاعدة الحذر والتريث. لا يمكننا الانطلاق من الذاكرة للإطلال على الماضي، بل يجب اعتبار الذاكرة نقطة وصول ونتيجة مسار يتوجب استفساره وتأويل مكامن السرّ والجهر فيه. ولعنا نقدّر مردودية هذه القاعدة حقّ قدرها بالنسبة لمن يسعى أن”يكون اليوم مسلما” على نحو يضمن له تفتحه وحريته إزاء الموروث، وهو مسعى يترجم رغبة عميقة في البحث عن شكل خاص للوجود الذاتي وعن فرادة متميزة في أسلوب الحياة ، باسم المبدإ الديمقراطي أساسا (5).

إن الانشغال بالذاكرة هو إذن اشتغال عليها بحيث نستطيع الفصل بين مخزون الذاكرة وبين الكثافة التاريخية التي تشكلت ضمنها هذه الذاكرة بمحتوياتها الناطقة والساكنة. يتعلق الأمر إذن- ولو نسبيا – بتحرير الزمن التاريخي من زمن الذاكرة الانتقائي الذي قد يصل إلى التحريف. إن الذاكرة شيء بعديّ، نشاط يلحق بالأحداث بعد وقوعها- وقد يستبقها- ليحدد دلالتها ويسهر على انتظامها على نحو موجه تمتزج فيه القصدية والاعتباطية واللاشعور. حينئذ يمكن أن نتساءل عن السبب الذي يجعل ذاكرتا تختزن هذا المضمون أو ذاك، وليس فحسب عن الماضي الذي تسمح لنا الذاكرة باسترجاعه أو الاحتفاظ به كماضٍ جماعيّ.

كيف لنا أن نحدد ذاكرتنا كمسلمين؟ وما هو الزمن الذي منحنا إياه كي ننكتب فيه كهوية؟ وماذا عن “زمن الهوية” نفسه، ذاك الذي يختزل ماضينا في القرون الأربعة عشر التي تبتدئ بظهور الإسلام ؟ ماذا لو قمنا بمراجعة السجل وتمديد الأرشيف الجماعي ليضم اللحظات ما قبل- الإسلامية والإغريقية والرومانية والفارسية وغيرها ،صعودا حتى اللحظة الإبراهيمية؟ ماذا لو قمنا بهذا التعديل بحيث يغتني زمن”الهوية الإسلامية” بماض عميق بدل البتر الذي تفرضه الصياغة السنية للأرشيف الجماعي للمسلمين؟ إنها جملة من الأسئلة التي لا تدخل في معتادنا الفكري ، والتي يصر الباحث المؤرخ على مواجهة ذاكرتنا بها. ويبدو لنا أن محاولة العروي وهو “يسترجع ” اللحظة المحمدية قد بلغت ذروتها في الجرأة والاجتهاد في ما يخص “تحيين” الأرشيف الجماعي.

إن الإسلام كديانة توحيدية تضرب بجذورها في صميم التجربة الإبراهيمية، فلقد عمل نبيّ الإسلام على “تكرار” تجربة النبيّ إبراهيم، صاحب الفعل المؤسّس في بناء التوحيد وهدم المعتقدات الوثنية المحيطة به آنذاك. لقد حمل إبراهيم رؤية جديدة للدين، للإله وللإنسان، رؤية أعاد من خلالها نحث فكرة الإلوهية نفسها. إنه صاحب تأليف تجاوز به التقليد القائم في وقته والمتداول كمعيار للتدين وللحياة الروحية.ّ ذلك ما حاول محمد القيام به إزاء التقليد المعاصر له، ومنه التقليد اليهودي والتقليد المسيحي.

يسترجع المؤلف في أسلوب شبه ملحمية هذا الفعل الخلاق في كلتا التجربتين، ومعه تسترجع الشخصيتان المحمدية والإبراهيمية بريقهما بعيدا عن الاختزال الذي يحيطه بهما التقليد السنّي. لقد رفض النبيّ محمد، على غرار جده إبراهيم، أن يخضع لقوانين القبيلة ومعتقداتها المتوارثة، وفي نفس الوقت لم يقبل باعتناق الصيغ الدينية اليهودية والمسيحية القريبة منه أيضا، وإن تبنّاها كمكوّن للتجربة الإسلامية، وهو موقف يدعونا لإعادة النظر في علاقة الأديان وتاريخ تفاعلاتها بالمنطقة المتوسطية. هناك دعوة صريحة لإعادة كتابة تاريخ المعتقد التوحيديّ في اتصالاته وانفصالاته. لقد كان العرب- الذين كان محمّد أحد أبنائهم الثقاة- يتوفّرون أو كانوا يعتقدون أنهم يتوفّرون على ما يغنيهم عن استنساخ الصيغ الدينية المتواجدة آنذاك. لقد كانوا يشرئبّون إلى “شيء”آخر، إلى أفق مغاير يسمح لهم بنحث تجربتهم في التوحيد، لذلك يستعيد محمد لحسابه الفعل الإبراهيمي المتحدّي للنجوم وللكواكب ولمعتقدات الأجداد وآلهتهم، وبذلك يكون قد “كرّر” فعل الاختلاف كفعل مؤسس لتجربة روحية وحضارية جديدة.

لقد هاجر إبراهيم أهله وأرضه مفضّلا خوض تجربة الحرية المريرة على أن يقبل بالارتياح المهين داخل التقليد، فجاء “تيهه” في الصحراء كغزو للفراغ الضروريّ لإعادة التأسيس والبناء بعد الهدم. لذا، لا يفتأ إبراهيم يجسد الأصل والمورد ويتخذ وجه القوة الراعية ، أبا للجميع وصاحب صنيع يستفزّ الهمم ويدعو للحرية والانعتاق: ذلك ما استرعى انتباه النبيّ محمد فإذا به يلحّ على تكرار الفعل الإبراهيميّ المؤسّس، حين لا يعني التكرار محاكاة آلية بل يعني تلقيا متفاعلا وصياغة لاختيار جديد.

يستجيب محمد -على غرار إبراهيم – لنداء”الصحراء” فيخرج عن مجموعة الانتماء العرقي الأصلية، ويعيد النظر في التراتبيات القائمة والعادات الراسخة. إنّ محمدا، هذا المختار والمنادى عليه واليتيم سيضاعف يتمه بيتم إرادي جديد، يفصله عن ماض عميق قبل أن يحتفظ منه بشيء يسير، وكأن الشرخ يسبق التأسيس. لقد أصبح محمد الشخصية التاريخية الفذّة التي نعرف لأنه قرّر أن يكون كما أراد، وقرّر أن يتقمّص في شكل استلهام كلّ التجارب الروحية السابقة بدءا من اليهودية والنصرانية، انتهاء إلى التجربة الإبراهيمية. لقد كان كل ذلك وغير ذلك في نفس الوقت: تجربة تبعث على الإغراء والانبهار بل وعلى الدوار، وقد حاول بعض المتصوفة ركوب هذه التجربة، ليبلغ البعض منهم “سدرة المنتهى” ويقضي آخرون نحبهم، بشكل من الأشكال، على مذبح المقدس.

سيسترجع النبيّ محمد تجربة “التعالي” على نحو يخترق الزمان التاريخيّ لانتماءاته، دون أن تنسلخ هذه التجربة عن التجسّد في مكان وزمان محدّدين كلّ مرة، وتلقف التجربة من بعده بشر تاريخيون. مع قراءة العروي تتعمّق الملامح البشرية للشخصية النبوية، فقد ركّزت هذه القراءة على “إنسانية” الشخص محمّد، فهو الوحيد والمتعدّد، وريث النداء الإبراهيمي، المرشد الديني والزعيم السياسي، بطل اللحظات الصعبة الأولى للإسلام بمكة قبل أن يستتبّ له الأمر بالمدينة ثم بمكة. هذا التعدد في الشخصية النبوية وفي مواقفها يدعو إلى إعادة النظر في كتب السيرة وفتح ما استغلق منها من جديد، بل وفتح الفصول المتعلقة بجمع القرآن والاطلاع على الشروط وعوارض الزمن المعاش للمسلمين وهم يتداولون أحكامه، والإحاطة بأسباب نزوله كرسالة إلى كل البشر وفق أهداف أخلاقية ذات بعد كونيّ يترفّع عمّا هو محليّ ونسبيّ.

خلاصات مؤقتة:

لم يكن غرضنا في هذا العرض استنفاد القضايا الفكرية والمنهجية التي يطرحها الكتاب والتي تحيل بالضرورة على المشروع النظري العام لعبد الهض العروي، وإن كانت هذه المهمّة ذات قيمة علمية وعملية بالنسبة لراهننا. لقد حاولنا جهد المستطاع – مستندين إلى الأسئلة العميقة للكتاب (“السنّة والإصلاح”)، معتمدين على مختلف الاستشكالات التي تقدم بها المؤلف- أن نقف على ما يعترض “اليوم” إقامة سياسة تربوية ديمقراطية بالمجتمعات الإسلامية والعربية، لنجد أنّ التقليد والتقليد السنّي بوجه أخص من أهم الكوابح والمعيقات على سبيل ربط التربية بالأفق الديمقراطي. وسنخص بالذكر أربعة رهانات يسمح هذا العمل باستجلائها:

أوّلا:
إن قراءة العروي- والتي نقدم لها على نحو متسرّع ومختصر- تشكّل في حدّ ذاتها تمرينا نموذجيا للإرادة الحازمة التي تعمل على إعادة تملك الذاكرة الجماعية والمقدس فيها على وجه أخصّ. إنّ الكاتب وهو يدعو بلباقة مسائلته (التي لم تغادر مكانها على امتداد الكتاب) يحاول أن يقود خطواتنا كمؤرّخ وكمربٍّ على طريق التحديد الذاتي الحرّ لعلاقة جديدة بالموروث وبمكوّنات “هويتنا” التي ما فتئت تتراكم وتتداخل لتشكل هذا النتاج الذي نتعرف فيه على أنفسنا كـ”نحن” وكهوية. وعليه، فليس للسنة أو لأيّ تقليد آخر أن يحتكر الكلام في رسم معالم “أرشيفنا” الجماعي، أو الشكل الذي من خلاله تتحدد علاقتنا بالمقدس، وبالأحرى أن يفرض الصيغة الملزمة التي يتوجب علينا أن نعيش من خلالها تجربتنا الروحية أو الدينية “كمسلمين”: نحن هنا أمام رهان أخلاقيّ يتعلق بالحقّ في التملّك الذاتي لشكل التديّن المرغوب فيه، بحرية ودون ضغوط خارجية.

ثانيا:
تمدّنا تأمّلات العروي في هذا الكتاب بحمولة معرفية وسياسية حاسمة، ناهيك عن قيمتها المنهجية. فالمسألة الدينية ليست حصرا على الخطاب الديني أو حصرا على التقليد بصفة عامة، لذا نرى الباحث يباشر موضوعه كمؤرخ تغذّى على مائدة العلوم الإنسانية لعصره، وكفيلسوف أحيانا يتشبث بطرح الأسئلة التي لا تستدرج نحو أجوبة إيديولوجية جاهزة، ولكنها تعمل على استشكال حقل البحث وتفسح المجال لأجوبة جديدة قد تكون مستفزة للتفكير مستنفرة لحس النقد. فمن واجبنا عدم التخلي عن البحث في قضايا من هذا القبيل أو تركها حكرا على التوجهات الدينية المتطرفة أو المقاربات الرسمية للدولة التي يقودها الهاجس الأمني أكثر مما يستهويها الكشف عن الحقائق التاريخية أو تنمية التراكم المعرفي بخصوص المسألة الدينية. فكأن صوتا خافتا يخترق الكتاب ويهمس في مسامعنا: ” أنقذوا الدين ورمزيته وغنى تجاربه من الاختزال السني ومن الخطاب الديني المتحجر نفسه”. فليس من المؤكد أن الطريقة التي تعالج بها السنة الأثر النبوي تفيه حق قدره. ولعل شخصية النبي تزداد توهجا كلما حاولنا التأكيد على أبعادها الإنسانية وانتصر لها عبر استحضارنا للتاريخ بدل استحضارنا للأسطورة:
“فواجب علينا – يقول الكاتب- إنقاذ العلم والسياسة، لا من الدين – إذ المفهوم يتطلّب كلّ مرّة مزيد تدقيق- بل من التأويل الذي فضّلته السنّة، والسنّة مؤسّسة بشريّة، رسمية كانت أم لا، منظّمة كانت أم لا، والواجب عام دائم إذ لا نهاية للصراع(6) “. الرهان إذن، في هذا الباب رهان معرفيّ سياسيّ كما يتضح.

ثالثا:
يدعونا الكاتب إلى تكرار التكرار الاختلافي إن صحّ التعبير، من خلال استحضار نموذج التجربة المحمّدية التي تقتدي هي الأخرى بالتجربة الخلاقة لإبراهيم. فالتكفّل بالذاكرة الجماعية وبالموروث الثقافيّ والرمزيّ عمل تفكيكيّ وتحليليّ لهذه الذاكرة ولهذا الموروث وليس اجترارا لهما، وهذا التكفّل بالماضي هو في نفس الوقت تكفّل بالحداثة من خلال استساغة مقوّماتها وأسسها ومبادئها، والتي تقوم بالأساس على القطع مع العلاقات القبلية وعلى خلق شروط انبثاق كائن بشريّ جديد وفرد جديد، امرأة كان أم رجلا، يكون بوسعه التمتّع حقّا بالاستقلالية والحرّية والمساواة إلى جانب أقرانه، مبادئ أساسية ثلاثة ضرورية لكل تنشئة ديمقراطية تحمي الفرد “الجديد” من هيمنة التأثير السلبيّ للتقليد الذي لا يتوقف عند اكتساح المعتقدات الدينية بل يمتدّ أحيانا إلى الحياة السياسية والممارسات الاجتماعية، وقد يتسلّل تأثير التقليد إلى داخل مؤسّسات تدّعي انخراطها في الأفق الليبراليّ بل والعلمانيّ أيضا.

رابعا:
أن تلتحق التربية في بلداننا الإسلامية بركب الديمقراطية وتدخل هذه البلدان في زمرة الدول التي سارت على دربها، فإنّ ذلك ليس بالحلم المستحيل تحقيقه، فليس هناك مجتمع يجبل على منافاة الديمقراطية وفي وقت تتعدد فيه تجارب هذه الأخيرة. ومن المعلوم أيضا أن وتيرة الانخراط في التجربة الديمقراطية رهينة بالإمكانات الواعدة وبمدى التحرّر من عبء العوائق الثقافية والسياسية التي تحول دون ذلك. ولعلّ الواجب الأوّليّ لثقافة البناء الديمقراطيّ اليوم يكمن في فضح هذه العوائق وعدم التستّر عليها. من بين هذه العوائق:
أ‌- صعوبة انبثاق للفرد بالمفهوم الحديث داخل المجتمعات الإسلامية، كشخص له حقّ القرار والاختيار الحرّ فيما يخص حياته الخاصة، وحقّ المساهمة ديمقراطيا في رسم ملامح الحياة العمومية.
ب‌- استمرار الأشكال الاستبدادية للتنظيم الاجتماعي والسياسي، واستدامة التراتبيات الموروثة عن عهود قديمة والتي تصنف البشر حسب رمزيات و”ماهيات” خيالية، تكرس خضوع الفرد للجماعة وتحيل الشرائح الواسعة من المجتمع إلى قطيع أو “سواد قوم” يتم إخضاعهم لاستبداد الخواص وحكم “الأوليغارشيات” الجديدة.
ت‌- تخلف الوضع الرمزي والقانوني المخصص للمرأة، فهو وضع لا يشرّفها بل يعمق دونيتها المفترضة ويقوّي من قبضة المجتمع الرجولي ومن وصايته عليها، في الحين الذي تعلّمنا التنشئة الديمقراطية للإفراد مساواة المرأة والرجل في الحقوق والواجبات.

لعلّ هنا سرّ قرار الكاتب: توجيه جواب في شكل كتاب وبلباقة مهذّبة إلى امرأة متسائلة ولربما من خلالها، إهداءً، إلى كلّ النساء؟

إحالات وهوامش

+ هذه المقالة صيغة معدّلة لمقالة تصدر عمّا قريب بمجلة” مقدّمات، المجلة المغاربية للكتاب، عدد 39، 2009، الدار البيضاء ، المغرب.

1) عبد الله العروي، كاتب ومؤرخ مغربي ازداد بمدينة أزمور سنة 1933، غزير الإنتاج باللغتين العربية والفرنسية. لن نقدّمه للقارئ العربيّ فهو في غنى عن ذلك. نذكر فقط بأن العروي قد جعل من “علاقة الإسلام بالحداثة”، و”علاقة العالم العربيّ بالإرث الليبرالي” موضوع اهتمام استمر أربعة عقود بدءا من مؤلفه: “الايدولوجيا العربية المعاصرة”. وقد عرف العروي أساسا بأطروحته حول “التأخّر التاريخيّ” للعالم العربي، وحول ضرورة “هضم” الإرث الفكري الليبرالي لتجاوز هذا التأخر.

2) يتعلّق الأمر بمؤلّفه الأخير:”السنّة والإصلاح” الصادر عن المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،2008. وقد عمل المؤلف بنفسه على إعداد ترجمة لمؤلفه صدرت تحت عنوان:
Tradition et Réforme ،نفس دار النشر، 2009.
ونحن هنا، إذ نعتمد هذا الكتاب في محاولة تقديم إجابة عن علاقة التربية والديمقراطية، نستلهم تحاليل الكاتب للتركيز على ما يعيق هذه العلاقة ثقافيا وسياسيا في العالم الإسلامي والعربي خصوصا. لا يقدم العروي جوابا مباشرا على سؤالنا ولكنه يمنحنا عناصر غاية في الأهمية حاولنا استغلالها في التقدم بجواب ممكن، ولعل ذلك ما يبرر تعاملنا الحرّ نسبيا مع مادة الكتاب، وتوجيه بعض أفكاره في أفق سؤالنا المركزي: علاقة التربية بالديمقراطية.

3) نذكر ببعض مؤلفات العروي في هذا الصدد على سبيل الإشارة فقط :
– “الايدولوجيا العربية المعاصرة” الترجمة المنقّحة للنص الأصلي، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي،1995
– “أزمة المثقفين العرب: تقليدية أم تاريخية”، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1978
– “ثقافتا في ضوء التاريخ”الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، “.2 ، 1992

للاطلاع على ببليوغرافيا مكتملة لعبد الله العروي، نحيل على العدد الذي خصته به مجلة: مقدمات، المجلة المغاربية للكتاب ، عدد 35، صيف 2006 ، الدار البيضاء.

4) من بين الباحثين العرب الذين أسهموا في بلورة قراءة نقدية لتاريخ الإسلام، نذكر بالأساس المؤرخ التونسي هشام جعيط، خصوصا ما يتعلق بالفترة التي تلت موت الرسول، فترة”الفتنة الكبرى” وهي عنوان أحد مؤلفات المؤرخ التي أصبحت من مراجع البحث الأساسية في هذا الموضوع. ولربما تجدر الإشارة إلى أن الرواة وجامعي الأخبار المقربين زمانيا من هذه الفترة قد فسحوا مجالا للحديث عن الصراعات والقلاقل والحروب الداخلية التي صاحبت نشأة الدولة الإسلامية، ولكنها ظلت مغيبة عن الضمير الإسلامي ربما تحت تأثير المد السلفي الذي أبى دوما إلا أن يرى في فترة الخلفاء الراشدين فترة” صفاء” وتجسيدا لعصر” ذهبي” مفترض.

5) لا يمكن أن ننكر أن هناك علاقة بين الكتاب(“السنة والإصلاح”) والسياق الحالي بالمغرب المتعلق بما يسمى:”إعادة هيكلة الحقل الديني” وما يسمى “الحفاظ على الأمن الروحي”. فالنقاش حول المسألة الدينية- في علاقتها بالسياسة على العموم- يتوزعه موقفان رئيسيان: موقف “الإسلاميين”الذين يتخذون من الدين رداء لولوج الحلبة السياسية بدرجات متفاوتة في التشدد والليونة الماكيافيلية حسب الفصائل، والتي يصل بعضها إلى حد تكفير من لا يقول بتأويلهم. ثم هناك الموقف الرسمي للدولة التي تحتكر لنفسها شرعية تحديد المرجعية الدينية-السياسية للمغاربة، وفق تأويل مذهبي مالكي ينعت “بالمعتدل”، ووفق “خصوصية” مغربية حيث رئيس الدولة هو نفسه “أمير المؤمنين” .
مساهمة العروي في هذا النقاش ولو بشكل غير مباشر تسمح باستعادة ما هو منسي في التوجهين: البعد الشخصي في تحديد العلاقة بالمعتقد بعيدا عن كل وصاية خارجية سواء من قبل
الدولة أو الجماعات الدينية، وهذا السؤال لا يخص المغرب وحده بل يجري على غالبية البلدان العربية والإسلامية.

6) ” السنة والإصلاح”، ص 210

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق