التّكوين الثّقافي لبلادنا

 

 على الرّغم من الخيبات التي تحدث الآن في حياتنا كسوريين، فالملاحظ بالمقابل حبّ الحياة لدى الجميع، وما هو موجود على أرض الواقع الآن يعكس ذلك، فمن هدم بيته أو حيّه، يذهب إلى حيّ آخر بإصرار أنّه لن يهزم، وفي حال سمعنا باستشهاد شهيد، نسمع من يقول كلنا الشّهيد، وفي حال اعتقل شاب أو فتاة يعلو الصوت ونسمع المطالبين يردّدون “بدنا المعتقلين”… بمعنى آخر من الواضح أن إرادة الحياة لدى السوريين لا يمكن أن تقهر أو تكسر…

هناك مقولة صوفية تقول: إذا احتجب الله نتيجة الخطيئة، تحدثنا عن الجمال كفخ، هل هو فخ يضعه الله ليختبر البشر؟ فهناك من يقول إذا اشتدت الآلام إن في ذلك حكمة… وكأن الله أوجد الناس كي تختبر سر الحجب، وكما هو معلوم للجميع إن الاحتجاب هو سر المنع والامتناع الإلهي… الله لا يرى

فالله عند المسلم معلوم بأسمائه الحسنى، أي هناك كل شيء محدد بدقة، لتأتي الكلمة صورة رمزية عن الواقع، من حيث أن التجسيد الصوري هو تجسيد للحقيقة، ولكن كيف؟ حيث أن الصورة الداخلية تقول الحقيقة دائماً.

 

” الله هو الذي أوجد الناس لكي يكشفوا الحجب عن أعينهم ليعشوا كشف البصيرة، ويصلوا إلى الله بالبصيرة لا بالبصر، من هنا يأتي إعجاز الدين الإسلامي عبر الإعجاز اللغوي المتمثل بالقرآن الكريم، بمعنى آخر، اللغة هي رموز وصور رمزية، وهذا ما ميز عظمة النبي الكريم محمد”ص”من كون الوحي الإلهي أتاه بالقرآن الكريم وهنا الإعجاز، على حين باقي الرسل والأنبياء ممن أتوا قبله أتوا بمعجزات حسية…

بدءاً من الإعجاز في ميلاد السيد يسوع المسيح .. إلى شفاء الأعمى والأبرص وغيرها من المعجزات...


أيَّد الله سبحانه أنبياءه بمعجزات، وهي أمور خارقة، وغالبًا ما تكون من جنس ما برع فيه قوم النبي؛ فقوم موسى برعوا في السحر فجعل الله موسى يلقي عصاه فتتحول إلى ثعبان مبين وقوم عيسى برعوا في الطب فداوى عيسى عليه السلام، الأبرص والأعمى، وأحيا الموتى بإذن الله، وبرع العرب في شبه الجزيرة بالبلاغة والشعر، فأنزل الله إليهم القرآن، فكان معجزة لهم عجزوا أن يأتوا بسورة من مثله.

 

كثيراً ما يطرح اليوم شعار الحوار والاعتراف بالآخر، حيث أصبح عنواناً كبيراً ومدخلاً لكل من أقام مبادرة حل للمشكلة التي باتت مزمنة في الواقع السوري، هذا الواقع المدقع بالعنف الدامي، فأين موقع الحوار في ظل هذا الغرق بدمائنا، فهذه الهوة التي تفصل المثقف العربي والمعارضة العربية عن حكام بلادها، كيف لها إن تردم؟ ويكون بينهما جسر للالتقاء على مفاهيم كل منهم ينظر إليها برؤى مغايرة وينظر إلى اتجاهات مختلفة ويدور في مدارات متنافرة عن الآخر، ماذا يعني الحوار هنا، مع من يتم، ما بين رجال السياسة أم ما بين رجال الدين، ما بين المفكرين، ما بين القادة العسكريين القائمين بعتادهم وعنفوان قوتهم…

كلها أسئلة لا يمكن الإجابة عنها، بسبب تكدس حائط نفسي بينهما أعتى من جدار برلين الذي هوى، هذا الحائط الأرضي أزيل عندما النفوس انفتحت عبر انفتاح العقول على دارسة الجدوى لكل الخيارات، وبمعاينة النتائج كان ذلك متاحا، فإزالة الحائط الذي بني حجراً فوق حجر بأيدي بشرية تحكمها ذهنيات على قناعة ثابتة من أن إقامة هذا الجدار هو صمام آمان، ولكن بعد مرور زمن تبين أن هذا الحاجز هو حجب عن الصواب، والانفتاح والقوة لقوم تجمعهم وحدة اللغة، والانتماء للأرض الواحدة، لذا إزالة الجدار النفسي يتطلب عملاً وجهداً نفسيين كبيرين، يبدأ العمل عليه من الذات قبل أن يطالب الآخر المقابل بالإزاحة أو الإلغاء، وعندما ينفك الحجب تكون إزالة الأحجار المتهدمة إجراء تحصيلي مستحق، ليصل النفوس في بعضها كونها اتفقت على العيش معاً لرفعة البلاد والارتقاء بالنفس والبلد معا، فتحرر النفس عندنا من عقالها الملصق عليها، لا يبارحها ليتح لها التوجه والتصالح مع الآخر المقابل…

عندما تعطل الحوار، حل العنف بأبشع أساليبه وصوره، وكان بمثابة الإجابة الوحيدة لكل طرف من أطراف الصراع في الساحة السورية /النظام المتشبس بالحكم، والناس المطالبين بالحكم العادل المرن… حكم الأكثرية المتمثل بأسلوب الحكم الديمقراطي، هو الوسيلة التي استنبطها الفكر الإنساني كي يضمن حقوق الإنسان وحريته، ولو لم يكن بصورة غير متكاملة، فلا يوجد في الأفق المنظور وسيلة حكم أصلح من نظام الحكم الديمقراطي هذا…

فالمعرفة الحديثة عند العرب لهذا الأسلوب في الحكم، ورغم الاقتناع بأفضليته إلاّ أن مقاومته النفسية كبيرة من قبل المسؤولين، ومن قبل شرائح كبيرة من الشعب، حيث اشكالياتنا هنا مع التنشئة لقرون على الولاء، وهنا تكمن احباطات من ينادي بهذا الأسلوب للحكم ويروج له…

 والسؤال الجوهري هنا ما الذي حدا بالمواطن العربي كي تحبط كل مطالبة في حقه، ويرى في كثير من الأحيان الحاكم ولو كان ظالما، وكأنه قدر لا يستطيع الإفلات منه، هنا يعاش تداخل في الصراع مع الذات، التنشئة على النظام البطريركي حيث يتم التماهى مع الحاكم (الأب المثالي) المواطن أمامه يبدو كابن قاصر، وهنا لابد من التأكيد على أنه عندما فشل الخطاب السياسي العربي مؤخراً في تغيير أوضاع الإنسان العربي، من كونه اكتفى بالتمويه كي يستمر، فلم يبقى لدينا كمواطنين سوى مساءلة أنفسنا عن تصورها لذاتها… 

وهنا جدير بنا أن نحدد معايير تصور الذات، الذي لا يمكن أن يتم إلاّ ضمن أفق من الحرية التي فشل الساسة العرب بمنحها لشعوبهم، من كون أنظمة الحكم في بلداننا هي أنظمة دكتاتورية لا وطنية، من هنا كان تحرر النفس يقتضي جهاداً ذاتياً مع الذات للتحرر بداية من مكبوتات الماضي، ومكاسب الحاضر كي يستطيع الفكر أن ينطلق من عقاله النفسي، ويخرج إلى حيز الإبداع، وهذا ما نجده في بلدنا يعاش عبر مخاض نفسي عسير، من كون هذا الكف النفسي والفكري كان يتحكم بالإنسان عبر رقابة ذاتية، أحالت دون انطلاق الفكر الحر، فقد أُسر الفكر لدى إنساننا العربي نتيجة مكاسب مادية ومعنوية، أحالت دون حرية التعبير لديه، لان هذه الحرية لم تعد تقتصر على تهديد الآخر بحقيقة أمره، من كونها إذا صارحته فإن مكاسبها المتوخاة تُهدد، ومن هنا الرقابة النفسية كانت واعية ولا واعية بآن واحد، وكم نسمع على لسان الكثيرين القول:

“””إنّني أحلم بالأشياء التي تحصل لي في النهار”،

وهذا وفق المنظور النفسي التحليلي “دلالة على أن الوعي واللاوعي متصلان وفي حالة استنفار كبيرة عندما يشتد القلق “، وهذا الحال يعاش بشدة عند الأشخاص القلقين بالطبع، وهذه الحالة أيضاً تتسبب في تعطل انطلاقة الفكر في مجتمعاتنا العربية نتيجة القلق المعاش على مستوى الفرد والمجتمع، الفرد في الغالب يعيش الكفاف، إن لم نقل الحرمان، من هنا كان سعي الأنظمة في بلادنا العربية التي يعنيني هنا الحديث عنها، كيف تحارب مفاهيم الحرية والديموقراطية بأساليب نجسة، وظفت فيها الموروث الثقافي الكامن عند الناس بشكله الظاهر، بأن صورت الحرية عبر أعلام الأنظمة المستبدة إنها لا يمكن أن تكون مقبولة، ومحتملة ومتماشية مع محتويات موروثنا الاجتماعي والثقافي، فحوربت الحرية في بلادنا كمحاربة الإلحاد والكفر، بل اشد سبيلا، إذ تم الربط في كثير من الأحيان بين الحرية والفحشاء…

إن المجتمع الإنساني اليوم في الدول المتقدمة، وصل من الوعي إلى حد قدسية الفرد /المواطن / بحيث أن وقع هذا المواطن في أسر أو تعرض لظلم من مستوى ما تتحرك جميع أجهزة الدولة لتحريره من مصابه وحمايته. من كون المجتمع بأسره في هذه الدول المتقدمة يتماهى به، فالمطالبة بحقوق هذا المواطن الذي تعرض لظلم، تخرج عن حدود شخصيته لكي تتجسد في قيم المجتمع بأكملها، في بلادنا مفهوم الفرد غائب، لا يظهر إلاّ في إحصاء الناخبين للرئيس ليتم تكريسه عبر أرقام زائفة، وبذلك ظلم هذا الفرد، وحتى موته لا يغير شيئاً في المعادلة لدى الحاكم، وهنا الإشكالية الفكرية الكبرى، كيف نبني صرحاً فكريا علميا، ولا يوجد مفهوم للمواطن على أن له قيمة نجسدها بعيشنا في بلداننا. الفكر الغربي نرفضه في ثقافتنا الشعبية الشفهية باعتبارات عامة ترسخت عبر سنين مديدة من كونه فكر مادي استعماري، من هنا أجد أن عدم اهتمامنا بحوار الذات: intersubjeclif وغياب الاهتمام بالجانب النفسي لمواطننا سوف يجعلنا دائماً ننظر، ونعيش أننا مستغلين ومستعمرين، وبذلك نحكم على أنفسنا بالنفي عبر تغييبها، وبالتالي هنا يحكم على الحوار بالإلغاء، وفرض إرادة القوة والأقوياء ليحكموننا. 

مارسيل موس (marcel mauss ) كل مجتمع هو مصدر ثقافة وحضارة، فلا يمكن تصور مجتمع دونهما من جهة أخرى، ليس من حضارة إلاّ نتاج لموروث اجتماعي، وأشهر تعريف للحضارة التعريف الذي وضعه البريطاني إدوارد تايلور عام 1871 في كتابه الثقافة البدائية. يقول تايلور:

الثقافة أو الحضارة هي ذلك الكلّ المعقد الذي يحول المعارف والمعتقدات والفنون والقوانين والأخلاق والتقاليد وأية طاقة أخرى أو إعادة اكتسبها الإنسان من خلال كونه عضواً في مجتمع.

“كلفود ليفي شتراوس” تحدث هو أيضاً عن مجتمعات حارة وأخرى باردة، فالحارة هي الأكثر ليونة ومطاوعة، وهي أكثر تجديداً كما أنها منتمية إلى تاريخ سريع الإيقاع، أما الأخرى فتكون قابعة في تاريخها البطيء.

أما الحديث حول الإيديوجيا، فقد فرض نفسه من خلال فرز عالمين مختلفين، النهج النفسي العلمي المطبق على الطبيعة، والنهج السياسي الاجتماعي المطبق على الإنسان، من حيث أنه في مجتمعاتنا التي تعدّ تقليدية يتداخل فيا هذان النهجان، أو المساران ولا ثالث لهما، في ثنائية مقيتة تشعرنا بالعجز، لنعود لعيش منطق ضيق أسميته “منطق إما أو” هذه العبارة استعرتها من كتاب الكاتب السوري “محمد كامل الخطيب “من كتابه الذي يحمل عنوان (أحمر وأسود وألوان أخرى” السياسة والدين والمجتمع المدني “منطق (إما / أو) هو منطق: الثنائية المقيتة بحصر الخيارات، وتضيق الطروحات، حيث وتبعاً لما جاء في كلام “محمد الخطيب” أن الرؤية النسبية والنظرة العقلانية وطريقة التحليل الديالكتيكية، أتت لتقول لنا: إن الواقع والحياة أعقد من ذلك بكثير، وأن الحياة والفكر والواقع والوجود ليست محكومة بالضرورة بهذه الثنائيات المتناحرة / منطق إما / أو: إما الإيمان أو الكفر وإما النور أو الظلمة وإما الخير أو الشر…

هو منطق مبسط وساذج وعديم الفائدة، وبالتالي الواقع متعدد وملتبس ومتداخل، وأن هناك طرقاً متعددة يسلكها الفكر والواقع في تحركهما، كما أن هناك زوايا نظر متعددة تجاه الوقوع والحياة والفكر، وسياقاتها هناك دائماً احتمالات ودروب متعددة، يمكن للمرء مثلما يمكن للمجتمع وللفكر بل للمستقبل أن يسلكها، دون أن يكون مقيداً بالضرورة بهذه الثنائيات المتضادة، والتي ينتج عنها منطق أو خيار: ( إما / أو)، أي أن عليك دائماً أن تختار هذا أو ذاك، تحت تأثير ضغط الاختيار كحل وحيد وليس كخيار، إذ ليس هناك من خيارات أخرى… والمتتبع لميراثنا الفكري والاجتماعي يجد أن هذا المنطق حكمنا طويلاً، وتكرّست هذه الثنائية بعبارات كادت إن تشكل عصياناً قهريا… ويمكن ذكر أمثلة كثيرة عليها من مثل: التقدمية والرجعية / الاشتراكية والرأسمالية، الأصالة والمعاصرة / الشرق والغرب / الدين والدولة… الديمقراطية أو العلمانية.

إن الرؤية الثنائية ومنطق إما / أو ربما يكون من أكثر المناهج والنظرات قصوراً، ومن أكثرها بعداً عن مطابقة الواقع.

منطق (إما / أو) هو منطق إلغائي يعني إما أنا، وأما أنت أو أما نحن وإما هم…

من هنا أجد أن الثقافة بوصفها أنسنة، وترويضاً وإعلاءً للأنا الأعلى، فالمشاريع الثقافية ودعاتها ما ينتظر منها، ومنهم الكثير في بلداننا من اليوم إلى ما لا نهاية، حيث عصر العلم، ليكتب لابد لنا أن نعيشه وننخرط في أجوائه ونساهم به، لا أن نكون عالة عليه، ولا يبقى لنا إلاّ العيش على تصدق حريتنا ومصيرنا، أن نغرس أنوفنا في الماضي ونبقى هناك، فهذا محال قبوله إن كنا دعاة حرية وكرامة، والأهم دعاة الانتماء الأصيل لتاريخ تتسابق الأمم في إعلان النسب إليه، أو بالأحرى نسبه لها.

 ” فالماضي هو للذكرى والاعتبار وليس مكان للعيش والانكفاء”… 

وتحويلاً للإنسان، وليس مجرد كبت وقمع للميول والغرائز البدائية عند هذا الإنسان أو ذاك فرداً ومجتمعا…

ربما يكون ذلك هو رهان وهدف ومسوغ الحضارة عموماً والثقافة خصوصاً: أنسنة “طبيعة الإنسان الوحشية ” أو البدائية، أو الغرائزية وتحويله إلى كائن حضاري ثقافي يكون صراعه وتنافسه متسامياً وخلاّقاً ورياضياً وليس صراعاً تناحرياً و فنائيا، أو تدميريا.

                                                                       دمشق 17-10- 2012م.

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This