الثقافة المدنية الغائبة / خالد غزال

تثير الحروب الأهلية اللبنانية اسئلة حول العجز عن إنتاج ثقافة مضادة للعنف في لبنان، ودور النخب السياسية والفكرية، ومدى تكوّن مجتمع مدني فعلي خارج التركيبات الطائفية السائدة. ليس سؤال العجز هذا جديدا او مستهجنا، فالتاريخ الحديث منذ القرن التاسع عشر وقبله يقدم نماذج عن ثقافة مضادة للعنف كانت تستتبع انفجار الحروب والازمات في اشكالها المتعددة. فلماذا استعصت في لبنان والعالم العربي؟

على رغم ضخامة الحروب التي عرفها لبنان والمجازر التي ارتكبت في حق ابنائه، وعلى رغم الفترات الزمنية التي شهدتها البلاد من سلم أهلي ولو كان بارداً، إلاّ أنّ ذلك كله لم ينتج للبنانيين ثقافة مدنية تستطيع ان تقارع ثقافة العنف والموت التي لا تزال ترخي بثقلها. ليس ظلما القول إن الثقافة اللبنانية تشهد اليوم تحولا بنيويا لجهة الانتماء الاصولي لغالبية المثقفين، بصورة مكشوفة وصريحة لدى قسم منهم، ومقنّعة لدى القسم الآخر. يستوي في ذلك المنتمي الى أحزاب وكتل ذات تمثيل طائفي ومذهبي، او الى احزاب وتيارات تدعي القول بالعلمانية فكرا لها ومنهجا، فيما تغرق في ممارستها اليومية في الطائفية والعصبوية المذهبية الى اقصى درجات التطرف.

ليس من الصعب تفسير هذا الواقع الذي يحياه المثقفون، فاذا كانت الحروب الاهلية في اوروبا واميركا هدفت الى بناء الدولة وتوحيد المجتمع داخلها وجعل الصراع يتمحور حول المصالح السياسية والاجتماعية، تحت سقف الدولة، فإن لبنان يشهد حالة معاكسة أساسها أنّ الصراعات والحروب التي دارت ولا تزال مستمرة، تقوم على إلغاء الدولة وانهاء المشترك بين اللبنانيين الذي يشكل الدولة، بوصفها تعبيرا عن الكيان والنظام والشعب، قاعدة الحراك حول المصالح المشتركة. فقد استطاعت الطوائف على امتداد العقود الماضية أن تفكك الدولة وتحولها الى مجموعة مصالح فئوية تتناتشها وتسعى كل طائفة منها الى الهيمنة على ما تمثله هذه الدولة. في هذا الحراك الطوائفي المتصاعد عاما بعد عام، أمكن الطوائف ترسيخ مأسستها وخلق ثقافتها الفئوية، ومعها مثقفوها ومؤدلجوها ومؤرخوها. هكذا تحولت الثقافة اللبنانية الى ثقافة طوائف تسعى كل واحدة الى إسقاط مقولاتها السياسية والايديولوجية وتتويجها في وصفها العام الذي يجب أن يسود. ان ثقافة تقوم على هذا التفتيت للمشترك الدولتي، وتكريس الطائفي المذهبي، يستحيل عليها ان تنتج ما ليس من طبيعتها، اي ثقافة مدنية قاعدتها السلم الاهلي وتغليب المصالح المشتركة على قاعدة بناء الدولة. بل ان هذه الطوائف محكومة ببناها ومصالحها الفئوية ان تنتج دوما ثقافة هجينة بعيدة عن حقوق الانسان والمواطن العامة، ثقافة أساسها تكريس الإحتراب بين فئات الشعب، صراحة او ضمنا، ثقافة ليس لها سوى تأسيس حروب اهلية مستقبلية بعد فترات من الهدوء مطلوبة لها لتستعيد قواها وتجدد مقولاتها وبرامجها الفئوية. هنا يكمن سرّ العجز في الثقافة اللبنانية عن ان تتحول رأس حربة ضد الحروب الاهلية، الساخنة منها والباردة، التي يقيم المجتمع اللبناني داخلها منذ عقود.

لا يستقيم البحث من دون طرح سؤال عن المجتمع المدني وتنظيماته في لبنان، تركيبة وفاعلية وفكرا وممارسة، وخصوصا ان البلد يضج بالمئات مما يدعى منظمات المجتمع المدني. لا تُظلَم هذه المنظمات عند وصفها بأنها غير منفصلة عن التركيبة الاهلية والطائفية في البلد، مما يطرح سؤالا حول تسميتها بالمدنية او الأهلية. فالتدقيق في تركيبة الغالبية العظمى من هذه المؤسسات يظهر انها على علاقة بنيوية بهذه الطائفة او المذهب، وبأحزابهما بالذات. تسعى تنظيمات المجتمع المدني الى إخفاء هذا الانتماء وتغليفه بحيادية شكلية لا تستعصي على المدقق في معرفة مصدر تمويلها وطبيعة ارتباطاتها ناهيك بتكونها الطائفي وغلبة مذاهب المنتسبين اليها. وعلى رغم الضجيج الكبير الذي يرافق هذه المؤسسات، الا ان دورها في انتاج ثقافة مدنية ضعيف جدا اذا لم نقل انه يتسم بالضحالة. الحوادث اليومية ومعها الحراك الطائفي، يظهران ان لبنان لم يصل الى تكوين مجتمع مدني بالمعنى المتعارف عليه، بل ان ما يسود هو في حقيقته مجتمع أهلي وتنظيمات أهلية قاعدتها الطوائف والعصبيات العشائرية والقبلية والعائلية.

لا تنفصل معركة تكوّن ثقافة مدنية في لبنان عن النضال في سبيل اعادة المشترك بين اللبنانيين الذي تمثله الدولة. لم يكن هذه المشترك غائبا في ظل السيطرة الطائفية المتوارثة، لكن اللبنانيين مدعوون اليوم قبل كل شيء الى الحد من هيمنة الطوائف وزحفها، واعادة الاعتبار الى صراع المصالح تحت سقف المحافظة على الدولة ¶

عن جريدة النهار

===

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق