الثمن الفاحش للعنف في السياسة / عبد الإله بلقزيز

لا يمثل التداخل المتزايد بين الدين والسياسة في المجتمعات العربية اليوم، بل منذ عقود، إلا وجهاً من وجوه أزمة السياسة والدولة في بلادنا. لكنه وجه رئيس لا معنى لاستصغار شأنه، أو استسهال مقاربته، أو التهوين من نتائجه الواقعة والمحتملة، كما يمكن أن نقرأ في كتابات تعترف بالمشكلة، لكنها تفترض إمكان استيعابها سريعاً. تبدو الأزمة هذه مستفحلة في الفترة الحاضرة، في معظم تلك المجتمعات، وإن بدرجات متفاوتة، وإلى حدود يُخشى من ان لا تصبح السيطرة عليها ممكنة. فهي، في بعض من البلدان العربية، في أطوارها الابتدائية: أزمة ثقة متبادلة بين قوى سياسية نتيجة فقدان المشترك الثقافي ـ السياسي الذي يقوم عليه مشروع مجتمعي جامع لا غنى لدولة، أية دولة، عنه. وهي، في بعض ثان منها، أزمة وجود في كيان الدولة ذاته: تتجمّع فيها ـ وبها ـ عناصر التفجر والتدمير التي تأتي عليه إن انفجرت مادتها الحارقة.

نشهد صُوراً ونماذج من حالتي الأزمة تلك في الحياة السياسية العربية المعاصرة. تكاد معطياتها أن تتشابه من فرط تكرار وقائعها المتعاقبة، بالملامح العامة عينها، وبالعناوين والمفردات نفسها، وبأدوات توشك ان تصبح واحدة. لكن تباينات بينها تفرض نفسها ـ أحياناً ـ على ملاحظها في العموم، وهي قابلة للتفسير من طريق ردها إلى أسباب مكينة: التفاوت في التطور بين البنى الاجتماعية والسياسية والثقافية العربية، نوع الصلات والعلاقات التي تقوم وتنتظم اشتغالا بين قواها الاجتماعية والسياسية، مستوى الوعي السياسي لدى النخب، نِسًبُ القوة بين القوى المحافظة والقوى الحديثة في المجتمع، درجة التطور أو الاتساع في المجال السياسي، إلى غير ذلك من أسباب.

في نماذج أقل حدة وخطراً لأزمة السياسة والدولة نجدنا أمام صراعات على السلطة تفيض وقائعها والنتائج عن قدرة مؤسسات المجتمع السياسي على الاحتواء أو الاستيعاب، فينجم من ذلك انسداد في الأفق السياسي وجنوح لحسم صراعات سياسية بأدوات ثقافية (=دينية)، وهذا هو الغالب على أوضاع السياسة وصراعاتها في البلاد العربية المعاصرة. أما في النماذج الأشد حدة وخطورة لتلك الأزمة فتذهب الصراعات على السلطة إلى التعبير عن نفسها انفجاريا، أي إلى حسم صراعات سياسية بأدوات غير سياسية: مسلّحة مثلا. وهذه حال قسم من البلاد العربية انفتح مستقبله على المجهول حين غمره العنف واستوطنت حياته السياسية ثقافة الإنكار والإلغاء والمحو المتبادلة. على ان هذا الوجه الحاد من أزمة السياسة والدولة في الوطن العربي يفصح عن نفسه من خلال حالتين متفاوتتين في الخطورة: العنف السياسي والحرب الأهلية.

يعبّر العنف في السياسة عن ضيق خانق في أفق السياسة، وعن جنوح للتعويض عن النقص الفادح في شروطها كمنافسة مدنية سلمية على اكتساب السلطة، أو من أجل المشاركة فيها، أو قصد تحصيل حقوق مهضومة، أو من أجل الدفاع عن مصالح… الخ. عُرّفت السياسة بأنها الحرب ولكن بوسائل أخرى، وهي كذلك في التاريخ كما هي في هذا التعريف الدقيق لها: فالأهداف والغايات التي يبتغيها الناس (الجيوش، الدول، المجتمعات) من الحروب التي يخوضونها هي عينها التي يخوضون فيها من طريق السياسة، أي بوسائل غير مسلحة أو دموية. على ان هذا التعريف إذ يقرن بين معنى السياسة ومعنى الحرب من حيث ما بينهما من اقتران في الوجهة المقصودة، أو من اشتراك في الأهداف والغايات، لا يُغني عن الحاجة إلى التشديد على ان السياسة ما وُلدت في تاريخ الاجتماع الانساني إلا كي تمنع الناس والمجتمعات عن مقاتلة بعضها بعضا من أجل الظفر بما يتقاتلون من أجله. إن الدولة والسلطة والسياسة ما تولّدت في تاريخ ذلك الاجتماع إلا من أجل ان تزع وتردع وتنظم البقاء الإنساني، من طريق تنظيم الصراع الاجتماعي وضبطه بقواعد قابلة للاحترام وللاحتكام اليها. درس خلدوني قديم أعاد التأكيد عليه توماس هوبس، واستقى مادته من أصول أرسطية.

قد يكون الوازع (=الرادع) طبيعيا، أي من طريق الامتثال لقوانين الطبيعة التي تقضي بالحق في حفظ النوع البشري (أرسطو، ابن خلدون، هوبس، جان لوك…)، وقد يكون دينيا يقتضيه الشرع ويحكم به (= السياسة الشرعية) كما أقر ذلك فقهاء الإسلام (الماوردي، ابو يعلى، الجويني، ابن تيمية…) ومفكروه (ابن خلدون) وفلاسفة اللاهوت المسيحيون (القديس اوغسطين، توما الأكويني…)، كما قد يكون عقليا حين ينتظم أمره بمقتضى قوانين العقل (= السياسة العقلية) على نحو ما قرر ذلك فلاسفة كبار (أرسطو، الفارابي، ابن خلدون، ماكيافيلي، جان لوك، سبينوزا، هيغل…). لكنه في الأحوال جميعاً وأيا يكن مصدره، الوازع الذي لا تتهذب منازع الشر والقتل والعدوان في الإنسان، ولا يكف العنف في العلاقات الإنسانية، إلا به. وليس من شك في أن الديموقراطية، بما هي نظام سياسي حديث، وبما هي علاقة حاكمة للدولة والمجتمع والمؤسسات، تمثل أرقى صور التعبير عن ذلك الوازع الضابط وأكثر أشكاله فعالية في تاريخ الاجتماع الإنساني. ففي نطاق قيمها وقواعدها ومؤسساتها أمكن للسياسة أن تتهذب وأن تتشذب من أخلاط غير سياسية، لأنه أمكنها ان تقوم على مقتضى الاتفاق والتعاقد والإرادة العامة، وأن توفر المساحات المناسبة للتعبير عن الحقوق ولتحصيلها على نحو شرعي، وأن توفر الأقنية المناسبة لتصريف الصراعات الاجتماعية تصريفا طبيعيا وانسيابيا من دون تعريض النظام السياسي للانسداد والنظام الاجتماعي للاهتزاز وعدم الاستقرار.

نفهم، في ضوء هذا، معنى قولنا ان العنف تعبير عن ضيق في أفق السياسة، وعن جنوح للتعويض عن النقص في شروطها، إذ السياسة ـ تعريفاً ـ منافسة مدنية سلمية، لأنها تكون محكومة، ضرورة، بقواعد تضع فواصل وحدود بين الحق والواجب، الحرية والفوضى، العام والخاص…الخ، وهي فواصل وحدود لا سبيل إلى تصور إمكان قيام حياة عامة (= مجتمع سياسي)، وتعايش وسلم مدنية، من دونها. وحين لا تمارس السياسة بهذا المعنى المدني السلمي، فيجنح من يمارسها إلى استخدام أدوات غير سياسية، مثل العنف المسلح، تكف عن ان تكون سياسة وتتحول إلى أي شيء آخر غير السياسة، لأن فعل العنف ينتهك قاعدتها. وهو ينتهكها في جميع الحالات، وأيا يكن مصدره: السلطة الحاكمة أو قوة من قوى المجتمع.

ومن أسف ان بلادنا العربية ما تشهده اليوم ـ بل منذ ردح غير قصير من الزمن ـ إلا هذا العنف في مشاهد متلاحقة منه يكاد لا يتصرّم واحدها حتى يعقبه الثاني في صورة أشد هولاً وفداحة! ونحن نعاني، مثلما ذكرنا، شكلين منه في اجتماعنا السياسي، متفاوتين في الحدة والنتائج، لكنهما ليسا متباعدين أو متمايزين في الطبيعة، حتى لا نقول إنهما لحظتان قابلتان لأن تعقب ثانيتهما الأولى.

الأول منهما العنف السياسي الذي يغمر حياة قسم من المجتمعات العربية منذ عقود، ويحول الحياة السياسية فيها إلى معركة دموية مفتوحة بين قوى يشدها بعضها الى بعض هدف سياسي واحد: الإلغاء والمحو، ويتسوّغ عندها توسل الأدوات كافة في سبيل ذلك، حتى وإن كانت غير سياسية أو غير متعارف عليها في الحياة السياسية، حتى وإن افتقرت إلى أية شرعية أخلاقية! ليس ما تقوم به جماعات سياسية متطرفة، تحمل أفكاراً دينية مغالية وتكفيرية، من اغتيالات وتفجيرات تطول أفراداً وأجهزة رسمية ومرافق عامة باسم «الجهاد»، وما ترد به سلطات من حروب استئصال على تلك الجماعات، أو من تشديد للإجراءات الأمنية القمعية على أي نشاط سياسي، أو من إعدام للحياة السياسية ودمغ معارضيها بالعملاء أو الارهابيين… إلا القليل القليل من معطيات سيرة العنف السياسي الذي تتلاحق وقائعه على مسرح الحياة العامة في كثير من المجتمعات العربية اليوم، فتهدد استقرارها والتعايش والسلم المدنية بالانهيار الشامل.

والثاني منهما الحروب الأهلية التي شهدها قسم ثانٍ من مجتمعاتنا في العقود الأربعة الأخيرة وغرّمتها الكثير من حياة أبنائها، وإرادة التعايش فيها، وأوضاع الاستقرار، على مثال ما عايناه ونعاينه من حروب ضربت الاجتماع الوطني في لبنان والسودان والعراق والصومال، ومزّقت الوحدة الوطنية فيه. إذا كان العنف السياسي الذي ضرب مصر والجزائر وبلدان أخرى، في العقود الماضية، شكل ما يشبه حرباً أهلية صامتة، أو تمريناً سياسياً على تلك الحرب، فإن ما وقع على بلدان الحروب الأهلية لم يكن قليل الشأن في نتائجه: من تمزيق النسيج الوطني وتبديد مكتسبات الوحدة الكيانية ـ كما في لبنان والعراق واليمن والصومال ـ إلى الانفصال كما في السودان! والأدعى إلى المخافة ان الفصول الدموية لهذه الحروب الأهلية ـ وهي سياسية بالتعريف وتترجم حال الأزمة التي تستبد بكيان الدولة الوطنية في البلاد العربية ـ إنما جرت تحت عنوان ديني وطائفي ومذهبي في الأغلب الأعم منها، تماما كما اتخذ العنف السياسي عناوين دينية «جهادية»! وهو ما يعيد طرح مسألة العلاقة بين الدين والدولة، الدين والسياسة، في الاجتماع العربي المعاصر، أمام التفكير بل أمام نظرة جديدة للمسألة الدينية، وتحديداً لموقع الدين في الدولة، وعلاقة السياسي بالديني في تشكيل المجال السياسي وفي نظام اشتغال الدولة. وينبغي لمثل هذا التفكير ان يسلك سبيل مقاربة معرفية متعددة الأبعاد والأدوات بحيث تستفيد من مناهج علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي وعلم الاجتماع الديني.

 

عن جريدة السفيرالبيروتية 6/10/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق