الثورات العربية في ضوء المآلات العراقية / محمّد الحدّاد

مع حلول الذكرى العاشرة لسقوط نظام الاستبداد في العراق، متزامنة مع البروز الجلي للصعوبات التي تواجهها الثورات العربية في تحقيق الأهداف الحقيقية التي قامت من أجلها، سيكون من المكابرة ألاّ ننظر إلى هذه الذكرى في ضوء الحاضر، ولا نعتبر في حاضرنا من تلك الذكرى.

أتجاوز هنا قضية الدور الأجنبي، الذي كان طاغياً في العراق، وأريد له أن يكون مخفّفاً الآن، في ظل ما يعرف بسياسة القوة الناعمة، فظلّ مسكوتاً عنه في ليبيا، وأحيط بالكتمان التام في تونس ومصر واليمن. ذلك أن السعي إلى الإصلاح في العالم العربي ضرورة، ولا يضير أن يتداخل مع مصالح خارجية أو يتعارض، وواقع العولمة يجعل مستحيلاً أن يسلم الداخل من تأثيرات الخارج، وبمقدار ما يتأخر الإصلاح تتعاظم فرص الخارج للتدخّل وتتضاءل فرص الداخل للتحكّم.

هذا ما كان حصل في العراق، عندما لم يفهم صدام حسين معنى هزيمته بعد غزو الكويت، وعندما اتخذ قرار الغزو ذاته من دون أن يفهم طبيعة النظام العالمي الجديد بعد نهاية الحرب الباردة. لكنّ العراق اليوم، بعد أن تخلّص من النظام الديكتاتوري ودفع ثمناً غالياً جدّاً من أجل ذلك، ما زال بعيداً من أن يُصبح ديموقراطية، ولم ينفعه تغيير الدستور وتنظيم الانتخابات وإنشاء البرلمان والمجالس الدستورية والأحزاب والجمعيات والصحافة. فالديموقراطية هي ثقافة قبل كل شيء، وفي غيابها تتحوّل الانتخابات والمؤسسات الدستورية إلى مجرّد وعاء لمنازعات الثقافة القديمة اللاديموقراطية القائمة على القبلية والعشائرية والطائفية. والعراق، بعد عشر سنين على التخلص من الاستبداد، لم يحقق المطلوب، ولم يتحوّل إلى أوّل ديموقراطية عربية كما كان يقال لتبرير احتلاله، والأكيد أن محتلّيه لم يكونوا جادّين في دمقرطته، لكن الأكيد أيضاً أن أبناءه ومنهم المتنفذّون، بعد أن استعادوا زمام المبادرة، لم يكونوا أكثر جديّة في الانتقال بأنفسهم إلى العصر الديموقراطي.

عندما نتأمّل المسار العراقي في السنين العشر الماضية، يكون من حقنا أن نخشى على بلدان الثورات العربية من مصير على الشاكلة ذاتها. فقد أصبح الاحتقان الطائفي سيّد المشهد في مصر، والصوت القبلي يظل الأعلى في اليمن وليبيا. حتى تونس التي كانت تعدّ البلد الأكثر تجانساً دينياً وعرقياً أصبحت تعاني منازعات ذات خلفية عشائرية (قبلية) وجهوية، يذكيها الطرفان السياسيان المتنافسان، حزب «النهضة» وحزب «نداء تونس»، مع كل اجتماع «جماهيري» ينظمه هذا أو ذاك، تحريكاً لقضايا ووقائع حصلت قبل أكثر من خمسين سنة، وتهرباً من استحقاقات الحاضر، بالنبش في مسائل قديمة تثير العصبيات العروشية والقبلية عندما تستعاد خارج سياقها التاريخي الخاص.

من أجل السلطة، أي الحفاظ عليها أو الوصول إليها، لا يتورع السياسي العربي، سواءً كان ذا خلفية «إسلامية» أم خلفية «علمانية»، عن لعب الورقة الطائفية والقبلية. يحسِب أنه يُشبع بذلك نهمه للسلطة، ويتغاضى عن الآثار الخطيرة جدّاً المترتبة حتماً على هذا المسعى، ومنها تهميش دور السياسة ذاتها، وتهميش مؤسساتها.

لا يمكن أن نتجاهل حقيقة أن فترات الاستبداد لم تمنع المجتمعات من التطور، وأن رمي كل تطورات المجتمع بدعوى أنها حصلت في عهد الاستبداد لا يعجّل بالديموقراطية بل يجعلها مجرّد شعار فارغ. والتطورات المقصودة هي تراجع البنى التقـليـدية للـمجـتمع، القـائمة علـى الطـائفـية والقـبلية بفضل انتـشار التعـليم وتراجع الأمية، ونشر شبكات الكهرباء والري والتطهير، وفتح المجال للـمرأة للمـشاركة في المجتمع وتوفير الخدمات الصحية الأساسية والانـفتاح على العالم الخارجي وتعلم اللغات الأجـنبية ونشر الأفـكار العصرية. وحصل ذلك بفضل تضحيات الآلاف من المدرّسين في الأرياف وأطباء الصحة العمومية وعـمّال الخـدمات من كل صنف. هؤلاء هم الوطن ولا يجوز للبعض حالياً أن يتنكر لإنجازاتهم ويـزعم أنه سيعـيد البناء مجدداً. فكل بناء يريد أن يقوم على التـشـكيك فـي الماضي كلّه والخلط بين إنجازات الشعوب وخطابات الأنظـمة والتنكر للرمزيات الوطنية، سيـنتهي إلى مثل مـا يعانـيه العراق اليوم، أي عودة البنى الاجتماعية التقليدية واحتكارها المشهد السياسي، بما يجعل الديموقراطية رسوماً لإخفاء السياسة الطائفية، لا أكثر. وربما كان بـعض السيـاسيـين من النـوع الذي عاش طول حياته يمارس السـياسة، ويعـيش بـفضل ما كان يمنـحه وضع «المعارض» من امتيازات، فلا يقيم وزناً لنضالات الشعــب كي يتـحوّل من شتـات إلى وطن، لأنه لم يشـارك فيها.

عندما يفشل السياسيون في مواجهة قضايا الحاضر، يتجهون إلى إلهاء شعوبهم بتأجيج مشاعر الحقد والثأر، والعزف على تناقضات الماضي. يتركون جانباً تطلعات الشباب للحرية والكرامة والعمل ويمضون في النبش بين سكان القبور: مَنْ كان على حق، بورقيبة أم صالح بن يوسف؟ من يتحمّل وزر مقتل الحسين ظلماً في كربلاء؟ إلامَ كانت تؤول إليه المسيحية الشرقية لولا ظهور الإسلام قبل 14 قرناً؟ لماذا لم يصبح كل سكان «بلاد الإسلام» مسلمين؟… وهكذا دواليك!

من المضحك أن نرى بلداناً تحصل على قوت يومها بالاستدانة من صندوق النقد الدولي، ويتجوّل في شوارعها جواسيس الاستخبارات الأجنبية تجوال السيّاح، وهي منهمكة في قضايا كان يفترض أن تعهد للمؤرخين لا أن تحتلّ الصدارة في النقاش السياسي.

ولكن، هل نفهم الدرس العراقي قبل فوات الأوان؟ السبيل واضح، وهو أن نجعل السياسة منافسة بين برامج انتخابية هدفها تحسين عيش الناس وتحقيق الكرامة لهم، وليس التهويم في المجردات أو تصفية الحسابات مع الماضي. وتظل قضية المواطَنة القضية المحورية لنجاح كل الإصلاحات السياسية، ومن دونها لن تكون الديموقراطية إلا رسماً زائفاً، كما أكدت تعثّرات العراق.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق