الثورات العربية وسقوط نظرية المؤامرة !

الحركات الاحتجاجية في الشوارع والمدن العربية ذات الطابع الشبابي الجماهيري العارم والمنبثقة من ركام وغبار وتراكمات أزمنة الذل والاستبداد والفساد وغياب التنمية ، الحركات سددت ضربة قاصمة في صميم البروباغندا الاستبدادية التي تشير دائما وأبدا الى مؤامرة خارجية تحاك سرا بعقول خارجية غالبا ما تكون الصهيونية والامبريالية العالمية وبأيادي وأفعال وأدوات داخلية عميلة لا وطنية خائنة وبائعة ضمائرها للدوائر الخارجية المعادية ، هذه الاسطوانة المشروخة قد تم كشف زيفها وبطلانها منذ اكثر من عشرين عاما في الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية تحت وقع التفكك الداخلي والفساد والسياسات الخارجية الخاطئة وحدوث ثورات عارمة في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن المنصرم والتي اثبتت خطل وبطل النظرية البائسة حول وجود مؤامرات خارجية رغم عدم مناعة داخلية .

والآن ماذا فعلت الثورات الحالية في المنطقة العربية بنظرية المؤامرة ، الثورات زلزلت اركانها وجعلتها نظرية ممجوجة واسطوانة مكرورة لا قيمة لها أمام مطالبها العادلة المحقة فالدول القوية تقاس بحرية شعوبها وبكرامتها وقوة منعتها وقدرتها على التنمية والتطور فلا يمكن لعبيد أن يحرروا أوطانهم ثم ان الوطن ليس رقعة جغرافية وانما هو الانسان المتفاعل مع هذه الجغرافية ويتخطاها بابداعاته وبنتاجاته واكتشافاته العلمية والفكرية والاقتصادية حدود جغرافية الوطن الى جغرافيا الكون بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ، كيف لحاكم مستبد بعد الآن أو لاعلامه التقليدي البائس أن يقنع الناس بمؤامرة وهو قد أودع خيرة المناضلين والشرفاء في غياهب السجون والزنزانات وعذبهم وأهانهم واذلهم وشرد الآلاف من الناس وقتل الآلاف ، وهو في نفس الوقت يؤكد وجود مؤامرة وهل المؤامرة تستهدف الحاكم وحده أو النظام وحده أم أن المؤامرة تستهدف الجميع اذا كان ذلك صحيحا لماذا لا يزيل النظام مسببات وعوامل وعناصر مساعدة للمؤامرة ، ان المؤامرة كلمة اتهامية موجهة للخارج لاسكات الداخل عن التحرك والمطالبة بالحقوق المسلوبة ، لاطمئنان الداخل بعدم التحرك واستفادت الأنظمة العربية من استغلال قضية العرب المركزية فلسطين بأن أوقفت التنمية وقتلت حرية الانسان وجعلت من الأوطان سجونا كبيرة في سبيل ألا يعلو صوت فوق صوت المعركة وأي معركة ، وعمل اعلام هذه الأنظمة على خدمتها بالترويج لهذه النظرية حتى بعد عصر التعدد الاعلامي والفضائيات والفايسبوك والتويتر واليوتيوب والمدونات وغيرها من ادوات الاعلام الجديد.

فلسطين بشعبها المكافح ذبح ويذبح على مرأى ومسمع كل الأنظمة العربية وهي تتفرج ، ولم تخطو خطوة واحدة باتجاه انجاز نجاحات او انتصارات في هذه القضية ومع كل هذا عندما يطلب شخص أو فرد أو مواطن بحقه في الحياة الحرة الكريمة يواجه بكلمة قامعة كابحة كاسحة لهذه الطموحات مؤامرة !

الشعوب استفاقت من نومها العميق بعد أكثر من نصف قرن وبدأت تدرك مهامها في عملية التغيير بعد ان عجزت النخب السياسية الحاكمة والمعارضة في احداث تغيير ملموس في مسارات أوطانها الشعوب تصبو الى أن تحقق قفزة هائلة في منظومة كاملة من السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع بعد أن عجزت النخب الثقافية في لعب دورها التغييري أو حتى التحريضي لاحداث نقلة نوعية في هذه الأوطان

ساهمت التكنولوجيا الحديثة في ابراز المتناقضات واظهارها على سطح طاولة جدل الأحداث وتعقيداتها المركبة ففككت اللغز المحير وأزالت الشرعية القائمة على الزيف والخداع والتتقديس لحكام لم يساهموا الا الى ارجاع دفة التطور والتقدم والتنمية وحتى تحرير الاراضي المحتلة الى الوراء

وأخيرا أعتقد أن نظرية المؤامرة قد تم دفنها في رمال الصراع الدائر حاليا – في زمن الثورات العربية- بين عقليتين تعودان لمرجعيتين فكريتين مختلفتين متناقضتين متضادتين هما عقلية التقليدي القمعي الاستبدادي الأحادي الاستئصالي الاستئثاري وعقلية الثوري التغييري الديموقراطي التعددي المتفتح ، والانتصار على ما يبدو للعقلية التغييرية بحكم قوانين الطبيعة والكون والتاريخ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق