الثورات واستراتيجية بناء الدولة الحديثة في العالم العربي / يوسف نور عوض

الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة هو الاقتصاد، إذ من المعلوم أن استقرار الأوضاع الاقتصادية يشكل دائما الضمان لاستقرار الأحوال السياسية،

وليس المقصود باستقرار الأوضاع الاقتصادية أن تلبي هذه الأوضاع حاجات مؤقتة للمواطنين بل المقصود هو أن تكون هناك آلية تضمن لجميع أفراد المجتمع حياة كريمة، وتقوم هذا الآلية على مجموعة من العوامل، أولها أن تكون هناك مشروعات اقتصادية حقيقية، سواء كان ذلك في القطاع الحكومي أوفي القطاع الخاص، ذلك أن وجود هذه المشروعات هو الذي يوفر العمل لقطاعات المجتمع المختلفة، كما يجب أن يصاحب هذه الآلية نظام ضريبي عادل ذلك أن الضرائب هي التي توفر للدولة الإمكانات، وتجعلها قادرة على توفير الوظائف وإقامة أنظمة الضمان الاجتماعي التي يستفيد منها المواطنون في حال تبطلهم عن العمل، ولا يمكن أن يقوم مثل هذا الوضع الاقتصادي إلا إذا كان هناك نظام مصرفي حديث يشجع الناس على وضع أموالهم في داخله كما يعاون أصحاب المشاريع في إقامة مشاريعهم، ولا يتم ذلك كله إلا إذا دخلت مدخرات جميع المواطنين في هذا النظام المصرفي حتى تصبح جزءا من الدورة الاقتصادية الوطنية إذ من أخطر الأمور في النظم الاقتصادية الحديثة أن يلجأ البعض إلى نهب الأموال وتحويلها إلى الخارج لتدخل في دورات اقتصادية لدول أخرى، ظنا منهم أن هذا الأسلوب يضمن لأصحاب الأموال الاحتفاظ بأموالهم، على الرغم من أن هناك كثيرا من الدلائل التي تؤكد أن بعض الأموال التي أرسلت إلى الخارج ضاعت إما بأسباب الوفاة وإما بالمصادرة، وبالطبع إذا كنا ندعو إلى قيام مثل هذا النظام فلا بد من التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة أن يكون في البلاد نظام قانوني عادل ومحايد، إذ بدون وجود هذا القانون فإن الكثيرين لا يشعرون بالاطمئنان حين يضعون أموالهم في المصارف الوطنية.

وإذا نظرنا إلى الواقع الاقتصادي في العالم العربي وجدنا أن كل تلك الوسائل غير متوافرة فيه، فالبطالة منتشرة لعدم وجود المشروعات الحقيقية، وأيضا بسبب ارتفاع عدد السكان غير المنضبط، وتظهر هذه البطالة على نحو الخصوص بين خريجي الجامعات كما هو الشأن في مصر والسودان حيث لا يجد الكثير من الخريجين الوظائف التي تناسب مؤهلاتهم، ويعمل معظم هؤلاء في وظائف غير مناسبة، ولا نغفل في هذا الواقع تدني مستوى التعليم في هذه البلاد، إذ لا يوجد فيها تعليم حقيقي بل هناك عملية تمدرس وحمل للدبلومات دون تأهيل علمي أو مهني، وبالطبع لا يجد الذين يعانون من البطالة مساعدات من الدولة بسبب غياب نظام للضمان الاجتماعي، كما هو الشأن في الدول المتقدمة، وفي الوقت ذاته لا تعمل المصارف بكفاءة، كما أن هناك الكثير من شركات الاستثمار التي تأكل أموال الناس بالباطل وتوهمهم بأنها تقوم بالاستثمار نيابة عنهم، وقد تمنحهم أرباحا عالية في السنة الأولى والثانية ثم تذهب الأموال بعد ذلك أدراج الرياح، وقد سمعنا أخيرا أن عددا كبيرا من الزعماء العرب حولوا مليارات الدولارات إلى مصارف خارجية، ويصعب الآن تتبع هذه الأموال ليس لأن الزعماء أحسنوا تخبئتها بل لأنهم سلموها لوسطاء يعرفون أسرارها وطرق التحكم فيها لمصلحتهم الشخصية وليس لمصلحة الزعماء أو أسرهم وهكذا ضاعت هذه الثروات الكبيرة من الشعوب العربية، ولا شك أن الثقافة السائدة في العالم العربي وعدم وجود أنظمة حديثة هو المسؤول عن هذا الوضع، بكون الثقافات اليسارية في العالم العربي أوجدت مشاعر مضادة للأغنياء، وهذا خطأ لأن الأغنياء في النظم الحديثة لا يضعون أموالهم في جيوبهم بل يضعونها في المصارف للاستفادة منها على النحو الذي أشرنا إليه من قبل، وذلك هو الشأن في معظم دول العالم الغربي.

ونرى الآن في كثير من دول العالم العربي انتفاضات شعبية يحركها الفقر والإحساس بالظلم والاضطهاد، ويرى الكثيرون أن تلك بوادر صحوة حقيقية في هذا العالم، وقد يكون ذلك صحيحا ولكن الصحوة وحدها لا تكفي لتغيير الحال، وهذا ما نراه في بعض الدول العربية التي أسقطت نظم حكمها ولكنها وقفت غير قادرة على إحداث التغيير، على الرغم من توهمها أنها ما زالت تعيش في مرحلة انتقالية، وبما أن معظم الدول التي تنطلق فيها الثورات الحديثة مثل ليبيا ومصر وسورية ما زالت لم تحسم أمرها فيمكن قراءة تجربة مهمة سابقة لكل هذه الثورات وهي ثورة أكتوبر عام 1964 في السودان، تلك الثورة التي أسقطت نظام الرئيس الفريق إبراهيم عبود العسكري، وهو لم يكن نظاما فاسدا من الناحية الاقتصادية كما لم يكن قمعيا بالشكل الذي نجده الآن في بعض الدول العربية، أما الذي حرك الجماهير فهو خطأ واحد وهو اغتيال الطالب طه القرشي في جامعة الخرطوم خلال مظاهرة قام بها الطلاب. هذا الاغتيال حرك طلاب الجامعة، ومن ثم الشارع السوداني الذي أعلن الإضراب العام والعصيان المدني ضد الحكومة، وذلك ما أدى في نهاية الأمر إلى استقالة الرئيس عبود وانهيار نظامه، لكن البديل لم يكن نظاما حديثا بل فترة انتقالية أتى بعدها زعماء الطوائف الدينية والصوفية في حكومة سموها حكومة ديمقراطية، ولم تكن كذلك ما مهد الطريق أمام الانقلاب الذي قام به جعفر نميري، واستمر ستة عشر عاما أو يزيد حتى أسقط في ثورة شعبية لم تستطع أيضا أن تقيم نظاما ديمقراطيا أو حديثا ليخلفها نظام ثورة الانقاذ الذي يسيطر على الأمور في السودان في الوقت الحاضر، وإذا سألنا عن الأسباب التي جعلت كل تلك الثورات تفشل توصلنا إلى حقيقة وحيدة، وهي أن الثورة الاجتماعية لا تعني فقط التكتل لإسقاط النظام، إذ بعد سقوط النظام سينشأ السؤال الأساسي والمهم وهو ثم ماذا بعد؟

ولا يبدو أن كثيرا من الثورات والانتفاضات العربية الحالية قد فكر القائمون بها في الإجابة على هذا السؤال، ذلك أن الهدف الأساسي الذي انطلقت منه هذه الثورات هو تغيير النظام، وقد اعتقد الكثيرون أن مجرد تغير النظام كفيل بإحداث التحول في حياة الشعوب، وذلك خطأ في التقدير، إذ المطلوب في بداية الأمر هو وجود اقتناع عند الحكام والمحكومين بأن الوضع الحالي قد فشل، فالحكام يمارسون القمع والعنف ضد شعوبهم لأنهم يعتقدون أنهم يقومون بمهمة لصالح هذه الشعوب ويعتقدون في الوقت ذاته أن الذين يخرجون عليهم هم قوى تستوجب الردع، وذلك سبب العنف والشقاق بين الحكام والمحكومين، ولكن إذا توصل الجميع إلى أن سبب المشكلة هو عدم وجود تصور حقيقي لكيفية بناء الدولة الحديثة فإنهم سيبدؤون حينئذ البحث في الأسلوب الذي يحققون به تلك الدولة، وهذا ما فعله الغربيون، غير أن العالم العربي لا يحتاج أن يبدأ الطريق من أوله بل عليه أن ينظر إلى الدول التي حققت التقدم ليتعلم منها ويأخذ أفضل ما عندها، ولكن عالمنا العربي حتى هذه المرحلة لا يفكر بهذا الأسلوب فهو إما خاضع لأنظمة شمولية لا تعترف بغير أسلوبها في الحكم أو هو خاضع لرؤى ضيقة غير قادرة على الانطلاق إلى رحاب التقدم، وهنا يجب أن نعترف في البداية أنه ليس هناك أسلوب واحد للحكم في العالم، إذ هناك الأنظمة الجمهورية والأنظمة الملكية والأنظمة الرئاسية، وليس مهما شكل الحكم بل المهم دائما النظام الذي يقوم عليه الحكم وهو من المفروض أن يكون نظاما يوفر لسائر المواطنين حرية التقدم الاقتصادي والاجتماعي، كما يوفر لهم الأمن والحرية، وفي المقابل يواجه المواطنون هذا النظام بالاحترام والدعم لأنه يحقق مصالحهم، وما هو مطلوب في العالم العربي الآن ليس هو إسقاط نظم الحكم فقط، بل المطلوب هو توفير المناخ والأرضية التي تقوم عليها نظم حكم عادلة وقادرة على إحداث التغيير في حياة المواطنين، ولا يتم ذلك إلا إذا شعر جميع أبناء الوطن سواء كانوا حاكمين أو محكومين بأنهم ينتمون إلى وطن واحد وتربطهم مصالح مشتركة عليهم أن يعملوا جميعا من أجل المحافظة عليها والاستفادة منها.

 

عن جريدة القدس العربي 28/4/2011

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق