الثورة المصرية: من الأيديولوجيا إلى السوسيولوجيا / طارق أبو العينين

دفعت الحال اليوتوبية التي هيمنت على الجو العام للجماهير المصرية في «ميدان التحرير» أثناء ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) الكثير من المهتمين بالشأن العام للقول بأن المجتمع المصري تخلص بفعل تلك الثورة من كل أمراضه السياسية والاجتماعية المزمنة، مُخْرِجاً أجمل وأنبل ما فيه. فلم يشهد أحد طيلة تلك الثورة حالة تحرش جنسي واحدة على رغم ضخامة العدد المحتشد من الشبان والفتيات في «ميدان التحرير» أو عدواناً على كنيسة على رغم حال الانفلات الأمني، بل على العكس من ذلك فقد توحد الجميع من أجل هدف عام وواحد هو إسقاط النظام.

 

إلا أن الوضعية العامة في مصر في أعقاب سقوط النظام جاءت لتؤكد انحسار تلك الحال اليوتوبية. فقد اندلعت مصادمات طائفية عنيفة عقب قيام عدد من المسلمين بهدم إحدى الكنائس في قرية صول في محافظة حلوان جنوب القاهرة، وهي المصادمات التي امتدت الى عدد من القرى المصرية ووقع ضحيتها 13 قتيلاً والكثير من المصابين، كما قامت مجموعة من الرجال، وهم بالمناسبة ليسوا من بلطجية أو أتباع «الحزب الوطني»، بمحاصرة تظاهرة في «ميدان التحرير» قادتها شخصيات نسائية للمطالبة بتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة. وأدى هذا الحصار الذكوري إلى وقوع الكثير من حالات الاعتداء اللفظي والجسدي الذي وصل إلى حد التحرش الجنسي بالمتظاهرات. كما اندلعت أيضاً التظاهرات الفئوية في طول مصر وعرضها منذ تنحي مبارك وحتى اللحظة، ما يمكن أن يهدد استقرار البلد الاقتصادي بتعطيل دوران عجلة الإنتاج مجهضاً النتائج المأمولة لتلك الثورة الشعبية العظيمة.

 

ومن ثم، فإننا في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ مصر وفي ضوء تلك الملابسات، يجب أن نوقن بحتمية انتقال قيم تلك الثورة الشعبية من نطاق الأيديولوجيا إلى نطاق السوسيولوجيا. فعلى رغم تدافع الملايين من مواطني مصر إلى المشاركة في تلك الثورة والاعتصام في «ميدان التحرير»، فإننا لا يمكن أن نتجاهل الطابع الطليعي لتلك الثورة التي جاءت كمحصلة لنضال طويل للجماعة الوطنية المصرية ضد استبداد نظام مبارك شاركت فيه تياراتها وروافدها كافة وبلورة الشباب المصري بالدعوة إلى يوم الغضب في 25 يناير. لذلك، فإن النجاح الكامل لتلك الثورة بات رهناً بتصدير ذلك النمط السياسي الذي هيمن على ذهنية أو سلوك الداعين الى الثورة والمشاركين فيها إلى باقي فئات المجتمع. فسقوط الشرعية السياسية لنظام مبارك المستبد لا يعني أن الشرعية الاجتماعية للاستبداد سقطت أو أن الدمامل والتقيحات والاحتقانات الناجمة عن ذلك الاستبداد انتهت إلى الأبد.

 

فوفق ما ذكر الفيلسوف البريطاني الشهير جون ستيوارت مل، فإن وجود طبقة ذات سيادة في المجتمع يجعل الأخلاق العامة للبلاد تنبثق مما تراه تلك الطبقة نابعاً من مصالحها ومعبّراً عن سموها وسيادتها. ومن ثم، فإن مبارك صدر عبر نظامه الفاسد والمستبد منظومته القيمية الى المصريين طيلة العقود الثلاثة الماضية، أولاً بضرب عرض الحائط بمبدأ سيادة القانون بالفصل في النزاعات الطائفية من خلال المجالس العرفية، مكرساً بذلك القانون العرفي والنزعة القبلية وغيرها من الأطر الشعبوية لحل معضلة الطائفية، ما وفر الشرعية والمناخ الملائمين لسيادة فكرة «عدالة الشوارع» والتي برزت بوضوح خلال أحداث قرية صول بإقدام المسلمين على هدم كنيسة الأقباط لشكّهم في وجود علاقة عاطفية بين شاب مسيحي وفتاة مسلمة.

 

وثانياً بتكريس النمط الفوقي واللاديموقراطي لفكرة المساواة بين الرجل والمرأة. فهذا الملف بالتحديد كان أحد ابرز اختصاصات قرينة الرئيس السابق التي كانت لا تتمتع بأدنى حد من القبول الشعبي. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن الفكرة ذاتها تم التعبير عنها في سياق مناف تماماً للممارسات الديموقراطية من خلال مقترح كوتا (حصة) المرأة داخل البرلمان والذي لا يزال سارياً في ظل التعديل الجزئي للدستور من المجلس العسكري المشرف على المرحلة الانتقالية. فتلك الكوتا جاءت كحيلة دستورية لتجميل البرلمان المزور الذي تمخضت عنه انتخابات عام 2010، وشكل هذا السياق الفوقي وغير الديموقراطي أحد أكبر المخاطر على فكرة المساواة بين الرجل والمرأة طيلة عهد مبارك، ما نتج منه هذا الرفض الشعبي للفكرة وعبرت عنه بجلاء مصادمات الرجال بتظاهرة النساء في «ميدان التحرير».

 

وثالثاً بشيوع فكرة الخلاص الفردي وطغيان ما هو ذاتي على ما هو موضوعي، وهو ما كان واضحاً في ممارسات نظام مبارك، خصوصاً في العقد الأخير من حكمه بتدشين مخطط التوريث ورغبته المحمومة في الانفراد بالساحة السياسية والإقصاء التام لقوى المعارضة في الانتخابات النيابية الأخيرة وحال الهلع الأمني التي سيطرت عليه كذلك في أعقاب اندلاع تظاهرات الخامس والعشرين من يناير، دافعة إياه للدخول في مواجهة شرسة مع المتظاهرين استخدمت فيها الرشاشات والذخيرة الحية لقمع التظاهرات في «جمعة الغضب» في 28 يناير، بل استخدمت أدوات بدائية كالبلطجية والجمال والخيول لتفريق المتظاهرين من «ميدان التحرير» يوم الأربعاء الدامي أو ما عرف بـ «موقعة الجمل» في الثاني من شباط (فبراير). فمنطق الخلاص الفردي هذا انعكس على جموع المصريين دافعاً إياهم الى الخروج في تظاهرات فئوية، قد تفضي إلى حصول بعض تلك الفئات على مطالبها المشروعة ولكنها تعرقل عودة الحياة إلى طبيعتها في الشارع المصري ودوران عجلة الإنتاج من جديد في منعطف حرج تجاوز فيه حجم الدين العام المصري حاجز الألف بليون دولار، وفقاً لشهادة المستشار جودت الملط، رئيس «الجهاز المركزي للمحاسبات».

 

وهو ما يعني في مجمله أننا إزاء أصعب وأخطر مراحل الثورة والتي تقتضى قيام النخبة السياسية والثقافية المؤمنة بأهداف تلك الثورة بغرس روحها ومفاهيمها ومضامينها الأساسية في وجدان المصريين وعقلهم الجمعي، لعل هذا يكون سبباً في تفريغ شحنة الاحتقان السياسي والاجتماعي والطائفي التي أورثنا إياها عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك.

 

عن جريدة الحياة 21/3/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق