الثّورة والأدب

الأرض التي يقف عليها الأدباء والفنّانون هي عادة ما تكون سائلة، زئبقيّة، متحرّكة كرمل يأكل كلّ ما يلمسه. لذلك، لا نفهم أحيانا كلّ تلك الكتلة من الصّمت التي يمنحوننا إيّاها عندما نكون نحن في حاجة إجتماعيّة للكلام. لقد تجاوزنا الرّغبة إلى الإلحاح، إلى تسوّل الكلمات أمام بيوت هؤلاء الكتّاب الذين نحبّهم. لكنّهم، “يصفّقون” الباب بطريقة تدعو إلى الرّيبة. ونظل نحبهم حتّى أننا ننصب خيمتنا في العراء، لعلّ القوافل التي تمر أمامنا تحمل إلينا أخبارهم.

لا نريد حكمة الصّمت، ننشد حكمة الكلمات، شوكتها ولهيبها. لكنّهم يواصلون الطريق نفسه. ثمّة قنطرة مكسورة ما بيننا. من لا يفهم الآخر منّا؟ طبعا، لا تعنيني هنا مسودات المثقف العضوي لغرامشي أو أنصار نظريّات الفنّ من أجل الفنّ. كلّ ما يعنيني، أين ذهبت تلك الخيوط الوهميّة التي لم تكن يوما ما تربطنا بالمبدع. ليس من الضّروري أن نعرف ماذا يربطنا به، بل العكس تماما، ماذا لا يربطنا به؟ هو السّؤال الذي يتكرّر في الصّدى. إنّ كل ما يربطنا بالمبدع هي تلك الأشياء التي لا تربطنا أصلا.
وكأنّني أتخيّل مبارزة حتّى الموت بين دونكيخوته والمسيح، أو كأنّك تقارن بين ميسي والقديس أغسطين في مباراة لكرة القدم. من أين تبدأ الثّورة؟ وأين تنتهي؟ بإعدام ماري انطوانيت في ساحة عامّة؟ الهاراكيري؟ قبلات عاشقين في شارع عام؟ دم على حائط الفايسبوك؟ قنبلة لتفخيخ الماضي؟ تمزيق الخرائط وتكسير البوصلات؟ اللورد أوف ذ رينغز؟ كأس قهوة مع ماركس؟ اللحم؟ اللحم الحي، اللحم الميت؟ فليسقط الملك. فلتسقط الكلمات. فلتسقط الثّورة، وليسقط الأدب. فليسقط الموت، ولتسقط الحياة.

نقول: أين ذهب المبدعون بعيدا عن الثّورة؟ لماذا لا نجد الإبرة في البحر؟ وها قد شربنا البحر، ولم تعلق الإبرة في الحنجرة. علقت غصة فقط. وها نحن نحلم بالثّورة، وبكلام الشّعراء من أجل أن تنتصر الثّورة. ليس من المهمّ أن ننتصر نحن، قد ألفنا الهزائم وألفتنا، ولا أحد يأخد الثّورة على محمل الجدّ. ستأتي ثورة، ستأتي ثورتان، ألفان وثلاثة عشر ثورة، وستأتي ثورة ضدّ الثورة، وثورة للمحافظة على أخرى، وأصناف أخرى: الفيمينيزم، المثليون الجنسيون، أعداء الله، ثورة الآي فون، داروين وفرويد ونيتشه وبنلادن ومارلين مورو.
ونسأل: أين ذهب المبدعون بعيدا عن الثورة؟ ولا أحد يسأل: أين ذهب كريم حوماري.

الثّورة ليست كلمة فقط أو راية أو ملصقا لعدد الجرحى والموتى. الحبّ ثورة، والجمال ثورة. وكلّ مبدع حقيقي هو ثورة قائمة بذاتها تمشي وتأكل وتنتحر أحيانا كما فعل صديقنا الشّاعر كريم حوماري سنة 1997 وهو لا يزال يخطو بسنواته الخمسة والعشرين. الثّورة تصنع المجتمع، بينما الأدب يصنع الإنسان. كما لا يمكن أن نضع في يد ميكانيكي مشرطا وندخله غرفة الجراحة كي يجري عمليّة لمريض بالقلب.

شخصيّا، لا أنتظر من الأدب أن يلتصق بالثورات لأنّه سوف يصبح كمسخ زائف ومملّ. أريده أن يكون الثورة كلها. أمّا، في حالة ما اعتبرني أحدكم أنتمي إلى فصيلة الكتّاب بسبب هذه الكلمات، أو بسبب كلمات سابقة. فلا تبحثوا عني خارج كلماتي لأنّكم سوف لن تجدوني. بدوري، لقد فتّشت عنكم منذ قرون ولم أعثر لكم على ظل. للأسف، لم أجدكم، ولم أجد نفسي، ولم أجد الثورة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق