الجابري قارئا ابن رشد (2/1)

1

عندما نقرأ مؤلفات الجابري نلاحظ بيسر حضور ابن رشد داخلها، فقد كان موضع اهتمام كبير من قبله، ويمكن القول أن النص الرشدي يلعب دورا مهما في تشكل فكر الجابري، فقد تمت صياغته ذلك الفكر تحت تأثير جارف لابن رشد ، و البحث التالي نحاول فيه تناول قراءة الجابري لابن رشد، وما يقف خلفها من أسئلةٍ وغاياتٍ ناظمة، وبالتالي رصد خفايا ذلك الحضور.

يخص الجابري ابن رشد بصفات لا تتوفر في غيره من فلاسفة العرب، فقد كان على قدر كبير من النقاء الأخلاقي و النبوغ العلمي، لذلك لم يجد الأمير الموحدي عند محاكمته له من تهمة يوجهها إليه غير اشتغاله بعلوم الأوائل .

و هو يدفع بهذا التميز الذي عليه فيلسوف قرطبة أحيانا إلى حدوده القصوى، من ذلك حكمه على قوله في السياسة باعتباره ” قولا لا نجده في الثقافة العربية، لا لمن سلف و لا لمن خلف ” (1) فإبن رشد الذي يقدمه لنا الجابري” لم يتعصب إلا للحق و الصواب “(2) .

و هو يضفي على ما أدركه فيلسوف قرطبة أحيانا صفة الخطورة و السبق، فأخطر ما توصل إليه ابن رشد و هز الكنيسة هزا عنيفا، يتمثل في كونه أدرك حقيقة يعتبرها الجابري ” من أخطر الحقائق الفلسفية في العصور الوسطى “، ما هي هذه الحقيقة ؟ إنها ” وحدة العقل الهيولاني و أزليته و خلود النوع الإنساني، و هي الحقيقة التي رأي أنها ” ما يقتضيه مذهب أرسطو ” في المسألة التي تركها هذا الأخير معلقة، مسألة : طبيعة العقل الهيولاني : أمفارق هو و أزلي أم لا ؟ ” (3).

يتعامل الجابري مع ابن رشد باعتباره ذلك المجهول الذي يجب أن ينفض الغبار عنه، ليس فقط من زاوية من يجهله تماما، و إنما أيضا من زاوية من يتحدث عنه متوهما معرفته، محذرا على هذا الصعيد من المعرفة الجاهلة التي تجهل أنها جاهلة، و من هنا تأكيده أنه يقدم لنا ابن رشد جديد، في قطيعة تامة مع تلك الصورة التي رسمت عنه من قبل بعض من اعتقدوا أنهم عرفوه .

إنه حريص على تنبيهنا إلى كونه يتصدى للقيام بمهمة خطيرة وجديدة في تعامله مع شخصية فكرية مرموقة، لم يقدرها السابقون و لا اللاحقون من العرب حق قدرها، بينما عرفت لدي اللاتين شأوا عظيما، و هنا المفارقة التي لازمتها ، آملا أن تحدث بأطروحاتها العقلية المفاعيل التي تأخرت طيلة قرون .

و عمل كهذا يستدعي منذ البدء التنبيه إلى حدود القراءات السابقة لمؤلفات ابن رشد، لذلك يلفت الجابري انتباهنا إلى أن الدراسات التقليدية التي تناولت فكر الرجل ظلت في الغالب تلوك ما كتبه المستشرقون، فكانت بمعنى ما إعادة إنتاج للرشدية اللاتينية في ” صيغتها الإستشراقية ” (4).

و هو يجعلنا نحس معه بأسى عميق لأن خزائن علم فيلسوف قرطبة ظلت مجهولة، و يزداد وقع تلك الحسرة لأن مؤلفاته المتداولة سيئة الإخراج في مجموعها، فـ” ما توافر منها لم يكن كله صالحا للاستعمال إلا إذا تحول الباحث إلى محقق “(5) ، و بالتالي فإن الجابري يحاول إقناعنا أن المهمة التي يتصدى لها غير مسبوقة، و هي مهمة مزدوجة، تتمثل في تحقيق تلك المؤلفات و قراءتها في آن . و هذا ما قام به بالفعل بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية، عندما أعاد تحقيق و قراءة عدد من مؤلفات ابن رشد الأساسية .

 نظر الجابري لإبن رشد باعتباره عالما، على بينة مما كان يتكلم فيه، فقد أحاط بالفلسفة و الشريعة إحاطة شاملة، تلك الإحاطة التي ما كانت لتتوفر له لولا الدراسة الطويلة والمتأنية ، مما مكنه من الاضطلاع بدور المصحح لما راج حول الشريعة و الفلسفة، لقد شرح من جهة أرسطو و صحح النظرة الخاطئة عنه، و قرأ الفلسفة في المغرب باعتبارها متحررة من إشكالية التوفيق التي لازمت فلسفة المشرق، و من جهة ثانية أتى على مذاهب المتكلمين فصفى الحساب معها، معتمدا البرهنة العقلية، مستندا إلى علم غزير بالمدونة الشرعية .

لقد رأي في ابن رشد فيلسوفا مصححا و مدققا، يتحرك في شتى الإتجاهات الفلسفية و الفقهية، و عينه مركزة على نقطة واحدة، هي إعادة الأمور إلى نصابها بعدما لحقها من ضرر علي يد السفسطائيين المغالطيين و المتكلمين الخطابيين، مما يعني أن وراء تلك الشبكة الواسعة من اهتمامات أبي الوليد هناك مطلب واحد يؤلف بينها، و هو الذي ذكرناه، فعمل ابن رشد الضخم يخضع لغاية موجهة تتمثل في إعادة البناء، يقول الجابري “ابن رشد يعيد بناء كل من الفلسفة و العقيدة القرآنية، بالعمل من جهة على تلخيص الفلسفة من تأويلات ابن سينا و الرجوع بها إلى الأصول، إلى أرسطو بالذات و العمل من جهة أخرى على تخليص العقيدة الإسلامية من تأويلات المتكلمين و في مقدمتهم الأشاعرة و الرجوع بها إلى الأصول ” (6)، و من هنا كان تركيزه على ثلاثية ابن رشد بشكل خاص، أي على مؤلفاته الأصيلة التي تفصح عن هذا التوجه أكثر من سواها، و نقصد تهافت التهافت و الفصل و الكشف .

اعتمد ابن رشد بحسب الجابري طريقة تقوم على توجيه النقد لهؤلاء الخصوم، ثم إبراز البديل الذي يرتئيه، أي إنه توخى استراتيجية الهدم و البناء، فبعد تبيان تهافت الحجج الرائجة يبني على أنقاضها أطروحاته، بما يذكر باستراتيجية سقراط في محاوراته، فقد كان مطلعا على تلك الطريقة، و هو الذي لخص أحد أبرز كتب أفلاطون و نعني الجمهورية حتى أنه لا يتواني في وصف متكلمي زمانه بالسفسطائيين، كما أن إلمامه بالمنطق الأرسطي يجعله على بينة من تلك الاستراتيجة. ربما لأجل هذا تعامل الجابري مع النصوص الرشدية من خلال قراءة تتخذ نقطة ارتكاز لها عقلانية فيلسوف قرطبة، و بعد تثبيت هذه النقطة و تحصينها جيدا يكشف عن الآليات التي اعتمدها ابن رشد و هو يتجه نحو المناطق المظلمة في الموروث العربي ، لكي يسلط عليها أضواء الفلسفة الكاشفة ، و هذا ما نجده بشكل خاص في تعامله مع السينوية و الغزالية و مشتقاتهما .

يتعلق الأمر إذن بوظيفة تصحيحية ، فإبن رشد لا ينقد في كتابه تهافت التهافت على سبيل الذكر الغزالي لمجرد النقد، بل ليدقق المسائل و الأفكار و المفاهيم، تماما مثل الأستاذ الذي قدم له تلامذته تمارينهم فنظر فيها و صحح أخطاءهم، يقول الجابري : ” يقف ابن رشد ليس موقف القاضي بين الغزالي و أرسطو فحسب، بل أيضا موقف الأستاذ المصحح لما ينسبه الغزالي لأرسطو” (7).

لقد تعامل معه بإعتباره فيلسوفا له خطاب جذري، فهو عندما يقف قبالة خصوم الفلسفة فإنه يواجههم مواجهة شاملة و على أرضهم بالذات، فكان صاحب روح حربية تحسن ضبط استراتيجياتها و تكتيكاتها في ذات الوقت ، فتكون لها في النهاية الغلبة، لذلك نراه يكبر في ابن رشد عدم مهادنته لأي فرقة كلامية، مذكرا بما قاله في خاتمة كتابه فصل المقال حين كتب : ” التأويل الحق ليس يوجد لا في مذاهب الأشعرية، و لا في مذاهب المعتزلة، أعني أن تأويلهم لا يقبل النصرة و لا يتضمن التنبيه على الحق، و لا هو حق، و لهذا كثرت البدع ” (8).

و بالفعل فقد وقف ابن رشد ضد الفرق جميعها لما ألحقته من ضرر بوحدة الأمة عبر تأويلاتها الفاسدة و تلفيقاتها الضارة، التي أفشتها بين الناس فتفرقوا مللا و شيعا، يقول ” من قبل التأويلات و الظن بأنها مما يجب أن يصرح بها في الشرع للجميع، نشأت فرق الإسلام حتى كفر بعضهم بعضا، و بدع بعضهم بعضا، و بخاصة الفاسدة منها، فأولت المعتزلة آيات كثيرة و أحاديث كثيرة، و صرحوا بتأويلهم للجمهور، و كذلك فعلت الأشعرية، و إن كانت أقل تأويلا، فأوقعوا الناس من قبل ذلك في شنآن و تباغض و حروب، و مزقوا الشرع و فرقوا الناس كل التفريق ” (9)، و يقف الجابري الموقف ذاته في عصره هو، حيث الأصولية و ما فرخته من فرق متحاربة، فزرعت الانقسام بين صفوف أمة، هي في الأصل مقسمة واهنة القوى ، و ربما نلمس هنا بعض خفايا ذلك الحضور الرشدي اللافت في ثنايا خطابه، و هو الذي تساءلنا عنه في مقدمة هذا المقال .

2

و من هنا نفهم السبب الذي لأجله قرأ الجابري ابن رشد من خلال مفتاح السياسة على وجه التحديد ، يقول ” واضح إذن ان الشاغل الذي كان يؤطر تفكير ابن رشد في الكتاب الذي بين أيدينا ( الكشف ) كما في الكتاب الذي سبقه ( فصل المقال ) لم يكن مجرد شاغل كلامي نظري يل هو أساسا شاغل اجتماعي سياسي يتمثل في ” الأضرار ” التي نجمت عما قامت به الفرق الكلامية من ” التصريح للجمهور ” بتأويلاتها و ما نتج عن ذلك من شنآن و تباغض و حروب ” و تمزيق للشرع و تفريق للناس ” ” كل التفريق” ” (10) و هذا الشاغل السياسي هو الذي يفسر حسب الجابري نكبة ابن رشد عندما ” وقعت الفلسفة ( في شخص ابن رش ) ضحية للساسة ” (11)

و هذا يخول لنا الجزم أنه قرأ فيلسوف قرطبة باعتباره مصلحا، ينشد إصلاحا فلسفيا و دينيا في نفس الوقت، نافيا عن كتاباته أن تكون سجالية، مقصدهما إفحام الخصم و التلبيس عليه، فهذا دأب المتكلمين، فقد كان يتجاوز ذلك لكي يؤصل إصلاحا يمكن أن يجعل الأمور تسير في اتجاه آخر مخالف تماما لما آل إليه الوضع على شتى الصعد، مرتكزا على علم عصره . و هنا بالذات يفهم سر إكبار ابن رشد لأرسطو من ناحية، و دفاعه عن الشريعة الإسلامية من ناحية ثانية، فالفيلسوف الأندلسي كانت تحركه قناعة مؤداها أن ما تقره الشريعة يتطابق مع الفلسفة ، أي ما جاء به أرسطو من حيث الغاية القصوى، التي هي الفضيلة، لأجل هذا كما يقول الجابري فإن” إعجاب ابن رشد بأرسطو لا يوازيه و لا يتفوق عليه إلا إعجابه بالقرآن و إيمانه به ” (12).

و فضلا عن هذا فقد قرأ الجابري ابن رشد باعتباره مدافعا لا تلين له قناة عن العلم و الحرية ، فقد كان منحازا لعلم عصره في أبعاده و مستوياته المختلفة، و هو يفسر ذلك بولعه بالحقيقة في مواجهة ضلال المتكلمين، فحتى عندما يتعلق الأمر بكتاب مثل الكشف عن مناهج الأدلة، و هو الكتاب الذي يختلف من جهة الموضوع عن شروح ابن رشد على أرسطو باعتبار أن الأمر يتعلق فيه بالرد على الفرق الكلامية المختلفة، فإن الدفاع عن العلم يحضر بقوة، يقول ” نتبين في الكتاب الذي بين أيدينا كتابا في الدفاع عن العلم و بعبارة أدق التصور العلمي الفلسفي للكون، الذي يشيده العقل، بعيدا عن أي شاغل آخر غير طلب الحقيقة، و ذلك ضدا على تأويلات المتكلمين ” (13).

 و ابن رشد منحاز أيضا لحرية الاختيار، مناهض للجبرية، آخذ بمبدإ السببية، و لا يتواني الجابري عن التصريح أن فيلسوف قرطبة و هو يلزم نفسه بذلك يقدم تحاليل عميقة، تتجاوز أحيانا زمنها، و تستبق ما جاء بعدها بقرون، فهو يبدو برأيه ” مناقشا قضية الحرية الإنسانية و مسألة القضاء و القدر و مسألة السببية و ما نسميه اليوم بالحتمية، مناقشة عميقة أقرب إلى الفكر الحديث، خاصة نظرية ” تلاقي سلاسل الأسباب ” التي فسر بها كورنو مسألة الحتمية “(14).

وقد تعامل مع ابن رشد باعتباره يتحلى بالأمانة العلمية، فهو موضوعي في أحكامه، يصغي إلى المخالفين و يلتمس لهم العذر عندما يتطلب الأمر ذلك، و لا يتقول عليهم الأقاويل، ممسكا بميزان الحق الذي ليس شيئا آخر غير العلم و البرهان، و قد شبه الجابري مرارا ابن رشد بالقاضي العادل، الذي لا يخشى في الحق لومة لائم، فهو ” يعطي الحق للغزالي إذا كان الحق معه، و يقف مع ابن سينا إذا كان الصواب في جهته، و يقف ضدهما معا إذا كانا خارج الصواب، و الصواب عنده في هذا المجال هو ما يسميه ” البرهان ” و هو أيضا ” العلم ” …. و المرجع هو أرسطو ” (15).

إنه قاض في مجال المعرفة ، يتعامل مع القضايا الخلافية بينه و بين خصومه كما لو كانت قضايا تنظر فيها هيئة محكمة مؤلفة من قضاة عادلين، فهناك عرض للقضية و إتاحة الفرصة أمام المتهم لكي يدافع عن نفسه، ثم يلي ذلك تمحيص للتهم قبل إصدار الحكم .

و ابن رشــــــــــد لا يلعب بحسب الجابري دور القاضي فقط، بل إنه محامي أيضا، فهو قاض يحكم على الغزالي مثلا بكونه اقترف جرما في حق الفلسفة و الشريعة، و محام ينحاز إلى الفضيلة التي تطلبها الفلسفة و الشريعة سواء بسواء، ” ان دور ابن رشد هنا دور مضاعف : فهو محام و قاض في الوقت نفسه ” (16).

و هو ينزه ابن رشد عن أن يكون صاحب مطلب نفعي فقد كان فوق إيديولوجيات زمانه ملاحظا ” غياب الهاجس الإيديولوجي لديه ، إذ لم يكن ( … ) ينتمي لفرقة من الفرق الكلامية و لا كان يطمح إلى تأسيس مذهب و بعبارة أخرى أوضح : لم يكن يعمل بأية صورة من الصور من أجل ” استتباع العوام طلبا للرئاسة ” ” (17) و من هنا ينبع علمه و فضيلته . و ينزهه سياسيا أيضا، فهو رغم اختلاطه بالبلاط الموحدي ترفع عن خدمة الأمراء، بل كان يخاطبهم مخاطبة الند للند : ” أتسمع يا أخي “، زاهدا في المناصب السياسية متحررا من جاذبيتها، و ينسب إليه الجابري دورا مهما في نحت المذهب الذي سارت عليه الدولة، فهو ” لم يتأثر بمذهب الدولة بل بالعكس كان له تأثير واضح منذ شبابه في السياسة الثقافية للموحدين ، مما جعل مذهبهم مفتوحا، لا هو بالأشعري الخالص و لا بالظاهري الخالص و لا بـ ” السني ” المتشدد ” (18). لم يكن ابن رشد إذن واقعا تحت تأثير مذهب إيديولوجي أو منفعة سياسية لقد كان ” منقطعا للعلم، العلم الذي لا يبغي صاحبه من ورائه تحقيق أي شئ آخر غير المعرفة التي تطمئن النفس إلى غلبة الحق و الصواب فيها، مرجعيتها الوحيدة العقل و أحكامه ” (19).

و فضلا عن هذا قرأ الجابري ابن رشد باعتباره على خلق عظيم يجمع بين العدالة الشرعية و الفضيلة العلمية و الخلقية، إنه فيلسوف حريص على الحق و الحقيقة، و الخير و الفضيلة، فقد كان ملتزما بآداب الحوار محترما لقواعده، مهما كان الخصم الذي يجادله، ففيلسوف قرطبة وفي للاعتراف بحق الاختلاف و الحق في الخطأ أيضا، حريص على ضرورة فهم الرأي الآخر في إطاره المرجعي لا خارجه، و هو يتعامل مع الخصم من منطلق التفهم و التزام الموضوعية، معتقدا في نسبية الحقيقة و إمكانية التقدم العلمي .

و ضمن هذه الضوابط التي ألزم ابن رشد نفسه بها يتداخل وفق الجابري الابستمولوجي مع الأخلاقي ويرتبطان بأواصر صلة لا تنفصم عراها، يقول ” هذه القواعد و الأصول الابستمولوجية المؤسسة للحوار الموضوعي البناء، تنطوي هي نفسها على مضمون أخلاقي رفيع ” (20).

يؤكد الجابري أنه يقوم بهذه القراءة على ضوء الابستمولوجيا و ينأى بنفسه عن الايدولوجيا ، إنها قراءة ابستمولوجية خالصة، و من هنا جدتها، ففي كتابه نحن و التراث يشير إلى أنه يقدم قراءة جديدة لفلسفة ابن رشد، مفصحا عن القطيعة الابستمولوجية باعتبارها محددا من محددات تلك القراءة، مبينا أنه ” ينظر إلى المدرسة الفلسفية التي عرفها المغرب الإسلامي على عهد دولة الموحدين كمدرسة مستقلة تماما عن المدرسة ـ أو المدارس ـ الفلسفية في المشرق، فلقد كان لكل واحدة منها منهجها الخاص، و مفاهيمها الخاصة، و اشكالياتها الخاصة كذلك ” (21).

تستند الأطروحة الأساسية للجابري إلى القطيعة بين المدرستين المغربية و المشرقية التي تتبدى برأيه على صعيد المنهج و المفاهيم و الإشكالية، فالأمر يتعلق بفلسفتين مختلفتين نوعيا، اختلاف بين فلسفة مغربية عقلية برهانيه إصلاحية، تستمد مقومات وجودها من ثورة ثقافية كبرى أنجزها المهدي بن تومرت، تمردت على التقليد و عادت إلى الأصول ، و ارتكزت على الأرسطية في صفائها و نقائها بعد أن تم تطهيرها مما هو دخيل عليها، و بين فلسفة مشرقية خلطت الديني بالفلسفي و تأثرت بالافلأطونية المحدثة، فابتعدت عن أرسطو الحقيقي، و قدمت لنا أرسطو آخر مشبع بالعرفان و الغنوصية.

الهوامش:

1- محمد عابد الجابري ابن رشد سيرة و فكر،، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية 1998 ، ص 14 
2- المصدر نفسه ، ص 17
3- المصدر نفسه ، ص 18
4- المصدر نفسه ، ص 10
5- المصدر نفسه ، ص 10
6- ابن رشد ، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة ، تقديم محمد عابد الجابري ، بيروت 1998 ، ص 31ـ 32.
7- ابن رشد ، تهافت التهافت ، تقديم محمد عابد الجابري ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية 1998 ، ص 50.
8- ابن رشد ،فصل المقال ، تقديم محمد عابد الجابري ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية 1997 ، ص 124.
9- المصدر نفسه ، ص 122.
10- ابن رشد ، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة ، مصدر سابق ، ص 68.
11- محمدعابد الجابري ، المثقفون في الحضارة العربية ، محنة ابن حنبل و نكبة ابن رشد ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 2000 ، ص 153.
12- ابن رشد ، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة ، مصدر سابق ، ص 76.
13- المصدر نفسه ، ص 69.
14- المصدر نفسه ، ص 70.
15- ابن رشد ، تهافت التهافت ، مصدر سابق ، ص 49.
16- ابن رشد ، فصل المقال ، مصدر سابق ، ص 56.
17- بن رشد ، تهافت التهافت ، مصدر سابق ، ص 51 ، و نلفت عناية القارئ هنا إلى ـن التعبير هو في الأصل للغزالي و قد وظفه الجابري للحديث عن ابن رشد.
18- المصدر نفسه ، ص 51 ـ 52.
19- المصدر نفسه ، ص 52 .
20- المصدر نفسه ، ص 81 .
21- محمد عابد الجابري ، نحن و التراث ، مصدر سابق ، ص 211 .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This