الجامعة: كم أكرهك أيتها الثقافة

إذا كانت الجامعة تخرج أجيالاً من المتعلمين، فهذا يستدعي استدراكاً مهماً، هل تخرج أجيال من المثقفين؟ هذا إذا سلمنا بأن الفرق بين المتعلم والمثقف غير ملتبس في وعينا؛ فهنالك تفسيرات مختلفة للتمييز بين المتعلم و المثقف، واحدة منها على الأقل أن المتعلم هو من يستحصل على العلوم والمعارف والأفكار فإما يتركها تذهب سدى بعد مضي حقبة قصيرة من مغادرته مقاعد الدراسة، أو يستذكر منها شذرات في أوقات متباعدة، والاحتمال الأقرب إلى الواقع أنه يرسخها في عقله كقاعدة أبدية تطمئنه كمتعلم لم يضف إلى ما تعلمه شيء. أما المثقف فهو القلق على قاعدة معارفه التي حصّلها وهذا ما يدفعه إلى هدمها وبناء سواها أكثر تمرداً وحرية واتساعاً ورفضاً، أي يعيد بناء عقله على نقد ما تعلم وزعزعة الثوابت وخلخلتها.

قد لا تصح هذه القراءة كمعيار للواقع خاصة أن طلاب الجامعات وكوادرها التدريسية، وهم المولجون بدفع عجلة التقدم اجتماعياً، يدورون كسواهم في متاهات التخلف من المناهج القديمة إلى الافتقار لأدوات إيصال الفكرة وضعف الأساليب الامتحانية، وبهذا يغدو مفهوم المتعلم تحت مجهر السؤال، فيتأرجح الطالب الجامعي بين العلم والأمية وتلتبس هويته.

هذا إلى جانب الهوة السحيقة التي تفصل الطالب الجامعي عن البحث والتقصي في ظواهر المجتمع، فهنالك اغتراب مذهل بين الجامعة والمجتمع يجعل تأثرهم ببعض شديد السلبية، مما يجعل الطالب لا يجتر فقط من المناهج الجامعية العفنة وإنما من الحيز الضيق الذي يتخبط فيه.

و لعل تقلص الفارق بين الطالب الجامعي والطالب المدرسي من حيث تلقي العلوم والتعامل مع المناهج، والاستمرار في ابتلاع المعلومات دون هضمها ذهنياً وعقلياً، كرّس واقع الطالب الاجتراري الذي يفتقد القدرة على التعامل مع أي معطى إبداعي أو فكري أو علمي بمعايير بحثية، نقدية، استشرافية، فهو قد لا يحبذ بعض الأفكار التي تمر في ذهنه، لكنه يظل قاصراً عن نقدها وتحليلها بشكل منهجي لعدم تمرّسه على ذلك خلال دراسته الجامعية، وبالاستنتاج تصبح الجامعة مفرّخة للاجتراريين الذين يتعاملون مع ظواهر مجتمعهم بلا مبالاة وسلبية تشبه سلبية أي أمي يجهل القراءة و الكتابة، وحالة التطابق تلك بين جامعيين وأميين بعدم التفاعل مع المجتمع، تشير إلى أن الجامعة تتشرنق على ذاتها، كما تشير إلى ما هو أخطر؛ حالة موت سريري للمجتمع بفعل انقطاع الشريان الذي يضخ النخب إليه والذين بدورهم، أي النخب، يحركون الركود ويجعلون واقعهم أكثر ديناميكية.

هذا تحديداً ما يجعل مجتمعاتنا تعيش ما يسميه بعض المفكرين (فراغ المعنى) فإذا كان المعنيون بإنتاج المعنى وتصديره إلى المجتمع، أي النخب الجامعية، قد ذهبوا في غيبوبة فكرية، فمن أين نأتي بها، أي بالأفكار والأدوات المعرفية والبنى الاجتماعية والفكرية والسياسية التي تنظم مجتمعاتنا، وتخلق السياق الملائم لتفجير طاقاتها المبدعة.

لعل التخبط والجنوح والشطط سيكون سمتنا لعقود أخرى، ما لم نعمل على تفكيك هذه المعضلة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق