الجامعة والرقابة


 



“يشكّل نشر الأفكار والمعارف على نطاق واسع، وعلى أساس من التبادل والمواجهة بأكبر قدر من الحريّة، أداة جوهريّة للنشاط الإبداعيّ والبحث عن الحقيقة وتفتّح ملكات الإنسان.”


                                    (إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي : المادّة : 7)



* * *


     ماذا يبقى من الجامعة إذا سلبناها شرطا ضروريا لا غنى عنه في وجودها: “الحريّة الأكاديميّة” بما هي أساس وظائفها وعماد عمل الجامعيين فيها بحثا وتدريسا؟ أيّ دور يمكن أن تقوم به جامعة مُراقَبَةٌ لترقية المعرفة بالتعريف بثمارها وتعميم فوائدها وإنتاج ما يمثّل حاجة ماديّة أو معنويّة للمجتمعات الإنسانية ؟


كيف يمكن تصوّر جامعة بُعثت في الأصل لتكون قلعة للاختلاف والتعدّد وحرية الرأي ومراجعة الموروث وتجديد النّظر في الماضي والسّؤال في شأن السّائد، والحال أنّها موصدة الأبواب أمام رياح التحديث ونسائم الديموقراطيّة ونزعات المغامرة في البحث والمعرفة؟ هل يمكن تصوّر جامعة حقيقيّة مُسَيّجَة بأجهزة الرقابة وبالنصوص القانونيّة والتشريعات التي لا تُطَوِّرُ إلاّ أشكالَ التسلّط بصفة منهجيّة واعتباطيّة، ولا تعزّز إلاّ آليات البحث الأمنيّ لا البحث العلميّ.


                              * * * 



     خضعت الجامعة – ومازالت تخضع- إلى أشكال مراقبة شتّى مباشرة وغير مباشرة. ويمكن ذكر البعض منها :


              * عدم ارتقاء مبدأ الحريّة الأكاديمية في كثير من الدول إلى مرتبة الحقّ الذي يكفله الدستور ويضمنه من الانتهاك بمقتضى إجراءات التقييد على البحث ومراقبة سير الدروس تصوّرا ووضعا وإنجازا. ويقصد بالحرّيّة الأكاديمية ما جاء في توصية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) لسنة 1997 والتي أصبحت مكوّنا أساسا في تشريعات المنظّمات الدولية المعنية بالتربية وأساس ميثاق العمل الجامعيّ:


     “ينبغي ضمان ممارسة الحريات الأكاديميّة بالنسبة إلى مدرّسي التعليم العالي، ويشمل هذا حرية التدريس والنقاش بعيدا عن كلّ إكراه مذهبيّ، وحريّة القيام ببحوث ونشر نتائجها وترويجها. كما يشمل حقّ الجامعيين في التعبير بحريّة عن رأيهم فيما يخصّ المؤسّسة أو النظام اللّذين يعملون في نطاقهما، وحقّهم في عدم الخضوع إلى الرقابة المؤسّسية، إضافة إلى حقّهم في المشاركة بحريّة في أنشطة الهياكل المهنية أو الأكاديمية ذات الصّلة التمثيليّة. وينبغي أن يتمكّن جميع مدرّسي التعليم العالي من ممارسة وظائفهم دون أن يكونوا عرضة إلى أيّ نوع من التمييز أو أن يخشوا إجراءات تقييديّة أو قمعيّة تمارسها الدولة أو أيّة جهة أخرى”.


     * وضع أغلب المؤسّسات الجامعيّة تحت إشراف مباشر من الدولة (في حال التعليم العموميّ) أو سلط موازية ماليّة أو دينيّة (في حال التعليم الخاصّ). بما يمكّن من فرض تعيين المسؤولين على سيرها البيداغوجيّ والعلميّ والإداريّ بالحدّ من فرص انتخاب الجامعيين من يشرف على مؤسساتهم ويعبّر عن إرادتهم ومشاريعهم في كنف الحوار والشفافيّة، ويخضع للمساءلة عند الاقتضاء. ويمثّل هذا الإشراف السّلطويّ مبرّرا للتدخّل في البرامج التربوية وتحديد “المواضيع الحسّاسة”، ثمّ إنّه يمهّد كذلك الطريق أمام اتخاذ إجراءات عقابيّة زجريّة في حال التأكّد من “تلبّس” الجامعيّ بمخالفة تعليمات الهيئات الرقابيّة العليا (الطرد-فسخ العقود-حجب الامتيازات العلمية والبيداغوجيّة-عدم التمكين من الحقّ في الترقية والترسيم…).


     * توجيه اللّقاءات الدراسيّة والمنتديات العلمية لخدمة توجّهات قائمة، وإحكام المراقبة على الوافدين من الأساتذة والباحثين الأجانب على المؤسّسة الجامعيّة بوضع إجراءات معقّدة للتثبّت في هويّة الأستاذ الزائر ومواقفه و”سوابقه الفكرية”، وبفرض أماكن انعقاد الأنشطة العلمية وتواريخها فضلا عن الاطّلاع المسبق على المواضيع والبحوث، وإخضاع انعقادها إلى الترخيص والرفض غير المبرّر.

     * مراقبة الكتب والمنشورات المتداولة بين الأساتذة والطلبة قبل اقتنائها من معارض الكتب ودور النشر والمكتبات وقبل وضعها في مكتبة الجامعة تلافيا لتسلّل “الأفكار الهدامة و”بثّ البلبلة” إلى رحاب الكليات، مع إخضاع سياسة الدعم الماليّ للمنشورات الجامعية إلى فحص وتدقيق يعرفه أهل الذكر. وتشمل الرقابة كذلك جميع التجهيزات والمعدّات المُستَوردة وربّما أدّى هذا التعطيل الإداريّ إلى فساد بعضها وتلفه قبل استعمالها.


     * إخضاع الحواسيب والإبحار في الشبكة العنكبوتية للمراقبة الدقيقة بالنسبة إلى الأساتذة والطلبة ومنع “المواقع المناوئة” وتوظيف البرمجيات “الحاجِبة”.


     * إحكام الرقابة على المكالمات الهاتفيّة للجامعيين وعلى سلوكهم اليوميّ واجتماعاتهم المهنيّة وصولا إلى إلزامهم بإمضاء بطاقات الحضور بعد انتهاء كلّ درس يلقيه الأستاذ أمام طلبته.


     * جعل تكوين الجمعيات والنوادي داخل الفضاء الجامعيّ والقيام بالنشاطات الثقافية والاجتماعية والعلمية خاضعا لكرّاس شروط مفصّل على مقاس السّلطة المراقبة.


     ولبلوغ كلّ هذا لا بدّ أن تعمد الهيئات الرقابية/العقابية إلى فرض هشاشة التشغيل بتكريس سياسة التعاقد قصير المدى ومتوسّطه لمزيد التخويف والترهيب وغرس ثقافة القبول بالأمر الواقع وعدم مناقشته وتعزيز قيم الولاء والتدجين ودخلنة المعايير المفروضة بما يؤدّي إلى الرقابة الذاتية.


     ويمثّل انتهاك استقلالية الجامعة والحرية الأكاديميّة برقابتها على النحو المذكور آنفا تعدّيا على الدور المنوط بالجامعي في التنمية المستدامة وإرساء الديمقراطيّة، مهما كانت المبرّرات ومهما كانت التعلاّت. فنحن اليوم نشهد تزايدا لتشريعات المراقبة وانحسارا للقوانين الدّاعمة لحريّة التعبير، ولا يمكن فصل هذا عن :

      * استقرار تصوّر جديد للجامعة قوامه اعتبارها خدمة خاصّة يمكن أن يسديها أيّ متدخّل غير الدولة. ولذا فمن حقّه أن يراقب ويعاقب بما أنّه صاحب المال.


    * إشاعة جوّ الرّهاب من استشراء موجات الإرهاب والردّة الثقافية والفكر اليمينيّ المتطرّف والأصوليّ بما يسوّغ “الرقابة الايجابيّة” منعا لفقدان الجامعة دورها التقليدي المدافع عن قيم العقلانية والحداثة وفي هذا نظر واختلاف.


    * الغياب التدريجيّ للفكر الرافض للرقابة باستقرار قيم جديدة تتحكّم في وعي الطلبة والجامعيين على حدّ السّواء وتسوّغ للأمر الواقع عن جهل أو انتهازية، أو استسلام وهروب من المواجهة.



 * * * 



    * تنبّهنا الحركات الاحتجاجيّة المناهضة في الغرب للجامعة في ثوبها الجديد الدّاعية إلى إنقاذ الجامعة والبحث العلميّ وتعميم الحريّة الأكاديميّة إلى أنّ المؤسسات ذات الصلة في البلدان التي شهدت فعلا الحدث الديموقراطيّ تعاني أيضا من الخضوع للرقابة. ففي فرنسا مثلا منع رئيس جامعة السربون “جان روبير بيت” (Jean-Robert Pitte) في 5 ديسمبر /كانون الأوّل 2007 بثّ شريط “الجامعة: المساء الطويل” (Université : le grand soir) . بعد أن أذن لذلك في أوّل الأمر. وهو شريط من إنجاز مناهضين للجامعة المخصخصة وتحديدا من جماعة “الحملة المغايرة” (L’autre campange) و”لننقذ البحث العلميّ” (Sauvons la recherche) . ولردّ الفعل على هذا الإجراء المناهض للقيم الديموقراطية والتقاليد الجامعية تمّ تنظيم حفل رمزيّ احتجاجيّ أسند خلاله الطلبة “المقصّ الذهبيّ” لرئيس الجامعة باعتباره مراقبا من الدرجة الأولى. ولا تخلو الجامعات الغربية من الرقابة على الأطروحات والملتقيات الفكريّة، ولنا أن نتصوّر ما يمكن أن يقع- وهو ما وقع فعلا- بمناسبة نشاط جامعيّ أو بحثيّ يتناول “المحرقة اليهوديّة” بالنظر والمراجعة، ولنا أن نتخيّل مدى الخوف من ردّ الفعل إذا جرى درس لبعض “الموضوعات الدينيّة الحسّاسة” ولا نستثني من هذا إجراءات الطرد وفسخ العقود وغيرها من ضروب العقاب التي توردها التقارير ذات الصّلة، وهي إجراءات تتَُّخَذُ ضدّ باحثين وجامعيين يشكّلون فيما يبدو خطرا وتهديدا للأمن  !. ويكشف النظر في ممارسة الرقابة إلى أنّها واقع مركّب معقّد من جهة الأسباب والمظاهر وأنّ مجرّد التعاطي مع المسألة من منطلق التبسيط وردّ الفعل لا يحلّ الإشكال. فالرقابة في الجامعة الآن وهنا وهناك صنو لتصوّر مجتمعيّ في جوانبه المختلفة يعيدنا إلى سؤال السّلطة بأنساقها وشبكاتها وإلى معركة القيد والحرية بدءا من تفاصيل اليوميّ وصولا إلى أكثر تجلياتها بداهة وأشدّ ضروبها قساوة وعنفا.



 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق