الجدانوفيّة تطلّ برأسها في إسرائيل

قوميسار الثقافة في إسرائيل ليمور ليفنات، تذكّرني بقوميسار آخر أصبح اسمه  لعنة لكلّ مثقّف وفنّان ومبدع حرّ، ألا وهو القوميسار اندريه جدانوف، من الاتحاد السوفياتي السابق، وربما تكون ظاهرة  جدانوف والجدانوفية من العوامل التي ساهمت في التحضير المبكر لانهيار الدولة السوفيتية لاحقاً، وإلحاق الضرر بالفكر الشيوعي.


وزيرة الثقافة في" الديمقراطية الإسرائيلية" أضحكتني من شدة "ديمقراطيتها"، حين قرأت مواقفها في لجنة الثقافة في الكنيست. في نهاية الأسبوع قبل الماضي، رأيت فيها الوجه الآخر للجدانوفية الاستبدادية.. حتى بغياب شخصية بمستوى ستالين. وربما تطمح إلى دمج الستالينية والجدانوفية في النهج الجديد لوزارة الثقافة، فهي حقاً تملك المؤهلات العقائدية…


أوّلا، ما هي الجدانوفيه؟
اندريه جدانوف- اسم اشتهر في عالم الثقافة السوفياتي، بنظرته المتصلبة للثقافة والإبداع الثقافي والفني، وكان مستشارا ثقافيا للقائد السوفياتي ستالين. وقد طرح رؤية سياسية طبقية متزمّتة للأدب. وطرح شعار الفن في خدمة المجتمع، وكان قصده في خدمة النظام القمعي القائم، وتدخل في الكثير من الأعمال الأدبية والفنية، لفرض شخصية البطل من مفهومه الطبقي الستاليني المنغلق، الذي الحق الضرر بالفكر الماركسي نفسه، الأمر الذي قاد إلى منع نشر عشرات الروايات السوفياتية الرائعة، مثل رواية "دكتور زيفاغو" على سبيل المثال، وغيرها من الإبداعات التي لقيت روجاً كبيراً عند نشرها، بعد فترة ستالين، لقيمتها الأدبية الرائعة.
الجدانوفية في الأدب والفنّ أصبحت تعبيراً عن قمع حرية الإبداع وحرية الفكر وحق التعددية الثقافية. وإعطاء صبغة استبدادية ألحقت الضرر الكبير بالأدب السوفياتي وتطوره، وبالفكر الماركسي نفسه .. ولكنه موضوع آخر !!

ثانيا، ماذا قالت ليمور ليفنات في لجنة الثقافة؟؟
قالت أنها تريد أن تصلح نص المقاييس لدعم المؤسسات الثقافية، على اثر رسالة الفنانين الذين رفضوا تقديم عروضهم في مستوطنة مقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتوجهت إلى موقّعي عريضة المقاطعة بقولها أنهم يدمجون اعتبارات سياسية، تقود إلى أن ندخل نحن أيضا (القصد هي وحكومتها اليمينية المتطرفة) اعتبارات سياسة ونتدخل بالمضامين.
لو نشر تصريحها بدون اسم، لقلت أنه منسوخ من صياغات جدانوف.
 وقالت أيضا: "إنّ المقاييس الجديدة للدعم الحكومي للمسارح، ستلزم (القصد تلزم الفنانين ليس بالإقناع والحوار الديمقراطي، بل بقوة جهاز الدولة القمعي ) الظهور أمام الجمهور بدون تمييز أثني أو ديني أو طائفي، أو قومي، أو حزبي سياسي، أو مكان".
واضح أن قراءة القوميسار الثقافي في إسرائيل، لرسالة الفنانين هي قراءة خاطئة، لم يكن موقفهم رفض الظهور، أمام جمهور مختلف ومتنوع، بل يظهرون أمام كل جمهور ولا يمنعون أحدا من الدخول لعروضهم في مسارحهم بسبب لونه أو قوميته أو جنسه … وموقفهم كان محددا، برفض الظهور في نادي ثقافي بني على خرائب شعب في مستوطنة بنيت بما يتناقض والقانون الدولي، وبنائها سبب خرابا لحياة عدة قرى فلسطينية وحرمتها من الحياة الطبيعية، من التنقل الحر، من العمل في أراضيهم، من جني ثمار بساتينهم، بل ولوثت مياه شربهم بمشروع تطهير مياه المجاري الذي أقيم في المستوطنة.


 السؤال ليس رفض الظهور أمام سكان اريئيل إذا جاء سكان اريئيل لقاعات المسارح في القدس وتل أبيب وحيفا وبئر السبع، بل رفض أن يكونوا شركاء في قمع الإنسان الفلسطيني، وفي المشاركة السياسية في مهرجان الاحتلال.
ليمور لفنات ديمقراطية جدا جداً، قالت: " أنا أؤمن بحرية التعبير بكل أشكاله، وبالتأكيد بالشكل الفني أيضا، لذا منذ دخولي لوزارة الثقافة، اهتممت بالحفاظ على حرية الثقافة، وناضلت من أجل زيادة الميزانيات الثقافية، ولم أتدخل بالمضامين إطلاقاً، مهما كانت باعثة على الغضب، ولكن مجموعة الفنانين الموقعين على رسالة المقاطعة، بإدخالهم اعتبارات سياسية، يقطعون  بذلك الفرع الذي يجلسون عليه. إن مقاطعة السكان هو معاد للديمقراطية، سنعمل على الحفاظ على مبدأ المساواة بين مواطني الدولة".


يتجاهل جدانوف الإسرائيلي حقوق الإنسان الفلسطيني أيضا، وأن الاحتلال والبناء في الأراضي التي يملكها الفلسطينيون هو سياسي واستعماري واغتصابي وقمعي وغير مشروع دوليا، وغير ديمقراطي إطلاقا، والمقاطعة ليست للسكان، إنما لسياسة الاحتلال وأخلاقه.


 بالطبع معظم أعضاء لجنة الثقافة، من أحزاب السلطة اليمينية صفقوا لقوميسارهم بحماس. هذه ظاهره ستمتد لتشمل حرية التعبير عن الرأي، وحق التفكير الحر، والحق بالاختلاف ، وستشكل ضربة لمفهوم النظام الديمقراطي الذي تبرزه إسرائيل كانجاز لا مثيل له في دول العالم كلها . أيضا قوميسار ستالين الثقافي تحدث عن الديمقراطية والنضال الطبقي، والثورة الاشتراكية، وتحرير الإنسان، وإلى أخر الصياغات التي تبين أنها لا تعني إلا تنفيذ الاستبداد السلطوي الرافض للرأي الآخر وحرية الإبداع والنقد بالفن والإبداع الثقافي للظواهر السلبية والشائعة في المجتمع. وكان زعيم حزب ميرتس عضو الكنيست حاييم اورون وعضو الكنيست من الجبهة الديمقراطية دوف حنين المعارضين الوحيدين لهذا اللغو الجدانوفي عن الديمقراطية وحرية الرأي والحق بالتعددية الفكرية والثقافية.. الخ، وعقب حاييم اورون على تهديدات ليفنات بقوله:" لجنة الثقافة ارتفعت اليوم درجة أخرى في عملية تحويلها إلى مدافعة عن نهج قوميساري، عنيف، عضلي وقتالي".


أكاد أرى جدانوف يتحرك في قبره، ويتمنى أن يجد وظيفة في وزارة الثقافة التي تشرف عليها ليفنات، فمهمته التاريخية لم تقبر بعد.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق