الجدران اللامرئية : العنصرية ضدّ السّود(6) – “الشوشانة” : سوداء في النهار حمراء في الليل..

شوشانة ماني سيدك واليوم يا شوشانة حكمي فيدك
يا شوشانة وآش خبّرْتْ لِلاّك عالملقانا “
بهذا المقطع “الفوندو” تغنّى ناظم “المالوف” بخادمته الزنجية فهي مملوكة له ولكن حكمه صار بيدها جرّاء الليالي الملاح والسرية التي قضياها معا يختلسان اللذة وهو يخشى أن تخبر سيّدتها ( زوجته) وتفشي سرّ تلك الخلوات الغرامية.
يختزل هذا المقطع حيّزا مخفيّا من تاريخ ” السود” ومن وضعية “الزنوج” ذوي الأصل الإفريقاني في المجتمع المغاربي الحديث، تلك الأقلّية التي عانت مظاهر الاستغلال والعنصرية رغم صدور التشريعات الزّاجرة في منتصف القرن التاسع عشر والتي منعت ملكية العبيد والمتاجرة بهم ثم أقرّت صراحة عتقهم غير أنّ التشريعات و” النوايا الحسنة ” لم تكن في تناسق مع العادة والمألوف السائر الذي ترسّخ في السلوكات والثقافات الجماعية وتحوّل إلى ممارسة عادية متناقضة مع المبادرات الفردية الرحيمة (دينية كانت أم إنسانوية) والتشريعات القانونية ( طوعية كانت أم مفروضة) ومع قناعات الحرية والمساواة التي روّجت لها نخب الإصلاح عهدذاك لكنها لم تنجح في تطبيقها واقعا .

لنعد إلى الشوشانة (مذكّرها الشوشان) وهي صفة تطلق على الخادمة الزنجية، والمعتوقة السوداء في بلاد المغارب في العصر الحديث، ونعت يخُلع على المحظيّات الزنجيات بعد عتقهن والإبقاء عليهنّ كخادمات للمنازل وتسمية “الشواشين” مسترسلة إلى اليوم في بعض أماكن الجنوب التونسي والجزائري، تشهد على ذاك الماضي الحزين والمعتم، وبقدر ما اشتهر الشوشان بخدمة السيدة و قيادة هودجها :
( يا سعد يا شوشان سوق وربّص سايس جمل للاّك حتى تلبس)
اشتهرت الشوشانة بالبراعة في العمل المنزليّ وخاصة خدمة غرفة الحريم وشؤونها من تطبيب وتدليك وتجميل، وقد كانت الشوشانة تكدّ وتجدّ في النهار، أمّا في الليل فقد كانت رهن إشارة سيدها، طوعا لرغباته. وقد شبّهها المثل الشعبيّ في المغارب بالدوابّ: ” في النهار دابّة وفي الليل شابّة “.

تلك صورة عابرة، لكنها معبّرة، عن وضع الخليلة السوداء داخل الحرم المنزلي في المجتمع المغاربي خلال العصر الحديث، وهي تستدعي وقفة تاريخية أنتروبولوجية حتى نرى ونتكشّف جدران اليوم المتوارية من خلال حيطان الأمس التي خال البعض أنها غبرت وزالت، لكنها ما زالت.

الطريق إلى الحرم :

تكشف الدراسات المستقصية والبحوث الميدانية، كما الوثائق التاريخية، عدّة جوانب مخفيّة من ممارسات الإقصاء الراسخة، والعنصرية المترسّبة، ضدّ السود ببلاد المغرب. ويتجلّى ذلك في مختلف مظاهر الحياة اليومية والمعاملات، واختيار الاسم، ومظاهر الأفراح والأحزان التي ميّزت حياة تلك الجماعات في بلاد المغارب ( انظر لائحة المراجع التوجيهية في آخر المقال)، غير أننا تخيّرنا التركيز على تاريخ المرأة الزنجية في المجتمع المغاربي، وعلى طور مخصوص ومخفيّ من مسيرة حياتها، يبدأ مع مغيب الشمس وينتهي بطلوعها .

تبدأ رحلة ” الشوشانة ” مع حياة الحرم بالولادة، فترث عن والدتها حرفة الخدمة والطاعة في بيت السيد المالك أو العاتق، ويمكن أن تبدأ الرحلة عبر التجارة، فتُشترَى الجارية أصيلة جناوة أو بورنو أو تمبكتو أو ودّاي … من سوق النخاسة ( سوق البركة، سوق العبيد) بعد الرؤية والتقليب مع استحسان بهاء مظهرها، وجمال قوامها، وعطارة رائحتها، وتورّم ردفيها…
ويمكن أن تلتحق الشوشانة بالحرم في إطار هدية مهر العروسة أو شوارها ( جهازها)
و تذكر بعض عقود زواج الأعيان والأثرياء أنّ الأب أو الزوج يهادي الزوجة بـ” أمة من وسط وخش رقيق السودان وأعدلهن في القوام، وأبيضهن في الأسنان.

تقوم الأسرة المالكة للشوشانة باختيار اسمها، أو تغييره حسب مزاجها، وهو عادة: “مبروكة، مباركة، مسعودة، مرجانة، الخضرة، سجرة أو زهرة…” وهي أسماء تطلق للتبرك والتطيّر وطرد النحس ومناشدة الخصب، وهي تذكرنا بمنظومة الاسماء التقليدية التي تحاول تلطيف صورة المسمّى، فتطلق مجازا النعوت المعاكسة، فتصيّر الملح ” ربحا” والفحم الأسود ” بياضا”…
بعد الاسم تأتي مرحلة ” العلام “وترسيخ بيداغوجيا “الامتثال الأعمى”، بتنشئة الشوشانة على الطاعة والكتمان لأنّ مجتمع الحرم يقوم على الصمت والصبر، وخاصة النسيان.

نساء للجنس والعشق… وأخريات للزواج

يروج الاعتقاد بأنّ ” الأمة الزنجية ” توفّر حرارة ومتعة إضافية عند الجماع :
“اعلم أيها الوزير يرحمك الله أنّ النساء علي أصناف شتّى فمنهنّ محمود ومنهنّ مذموم… فمن أراد ضيق الفرج وسخانته فعليه ببنات السودان وليس الخبر كالعيان… ” هكذا نصح الشيخ النفزاوي وزيره ومخدومه، وعلى منواله سار صاحب الحرم الذي يختار خليلة “سوداء “إلى جانب الزوجات الرسميات “الشريفات” والجواري البيض العلجيات. ويروج في المخيال العامّ لذلك العصر الاعتقاد بأنّ مضاجعة ” الشوشانة” يمكّن من معالجة عدّة أمراض تناسلية، فيباح عندئذ تسلّق جدران الفصل العنصري، ويتحول ” الجنس الملوّن بالأسود ” إلى وصفة طبية استشفائية، إلى جانب ما توفره العملية من لذّة التكشّف، وتنويع مصادر الشبق وألوانه.

تمنح ” الخادمة الشوشانة ” سيّدها كلّ ما يريد من سعادة عابرة ودائمة، فتُشبع نهمه الجنسيّ وتطيعه في تطبيق كلّ الوصفات والوضعيات الإيروتيكية التي لا تسمح بها الشريفة ذات الوقارالموزون والحركات المحسوبة.
تشتكي بعض” الحرائر ” من امتناع الزوج عنها وتخصيص كامل لياليه “للشوشانة”، هكذا تهتك وثائق القضاء الشرعيّ سُتُر ” الحرم “، لكنّ مثل تلك الإشارات الفاضحة تظلّ عابرة ونادرة وتتركنا على ظمأ، ورغم ذلك فنحن على شبه يقين من إلغاء الميز العنصري الجنسي في الليالي السود لقصور وبيوتات المغارب في العصر الحديث.
تتخيّر بعض أسر الذوات إقامة التدريب الجنسيّ لشبان العائلة في بيت ” الشوشانة” التي تتكفل بالطاعة والكتمان، وتقوم بواجبات “التربص القضيبي ” لسيّدها الصغير.

وترشدنا الوثائق، كما المصنّفات وكتب النوازل، عن رواج تجارب منع الحمل أو إسقاط الجنين عند زنجيات أثرياء فاس وغيرها من حواضر المغارب. من ذلك استعمال ريش النعام للتخلّص من الحمل أو استعمال شبه عازل قماشي عند مضاجعة الشوشانة التي تظلّ “وقفا” مخصّصا للذة فقط، لا للإنجاب والاستخلاف.
وعلى عكس أبناء الجواري العلجيات الذين يفوز بعضهم بحقّ البنوّة ومنهم من يتقلّد حتّى ” الإمارة والبايوية ” و”الحجابة والوزارة” فإنّ أبناء الجواري الزنجيات لا يُعترف ببنوّتهم والمحظوظ منهم يحمل لقب عائلة السيّد دون حقّ الإرث أو الانتساب النافع، فيعيش تحت مظلة النعوت التمييزية:” الشوشان والوصيف أو باك الزمباك”.

وتتكفّل تنظيمات المجتمع التقليديّ بترسيخ ثقافة القهر واستيعاب شعور الاغتراب عند ذلك “الإنسان المهدور “، ويتكرّم المثل الشعبيّ عليه بحِكِمه الطافحة استنقاصا وتقزيما :
“صحبتك في ثلاثة عار : وصيف ومخازني وجزّار”

في عنصرية الحبّ والزواج والأبوة
شُبّهَتْ المحظيّة السوداء بالملبوس والمأكول وسائر الأشياء المملوكة، يفعل بها صاحبها ما يريد وأنّى يشاء، وكيفما أراد، وحتّى الوطء من الخلف المحرّم شرعا فهو لا يشمل عند بعض الفقهاء هؤلاء ” المملوكات”.
يسألها قاضي القرن التاسع عشر: هل أنت بكر وهل أنت متزوجة؟
تجيب : لا هذا ولا ذاك، لا بكر ولا متزوجة. وهي أيضا أم ّ”شواشين المستقبل”، يسألها أيضا عن صاحب الفعلة فتصمت وتبكي، يقفل القاضي الأمين دفتره محوقلا فهو لا ” يريد “ولا يستطيع أخذ “الأبرياء” بالظنّ فقط .
يُسأل ” الشوشان ” عن اسمه فيجيب :
“- اليوم اسمي مبارك
– ولماذا اليوم فقط ألم تولد بعد؟
– أنا مولود فعلا واسمي في السنة الفارطة سالم أمّا في السنة المقبلة فلا أدري
– وما اسم والدك ؟
– لا أملكه
-الاسم أم الوالد
– يجيب “الزنجي” : الإثنان.”
تلك بعض الصور عن مجتمع الأمس وجدرانه الفاصلة بين ” العناصر والألوان والأجناس”
والمظنون أنّ تلك الممارسات زالت أصولها وجفّت ينابيعها، لكنّ تداعياتها ظلّت مسترسلة نشاهدها – إن أردنا التأمّل- أمام مداخل المطاعم الفاخرة، وفي أروقة النزل والكباريهات الفخمة .

إرشادات بيبليوغرافية للاستزادة:


– التميمي ( عبد الجليل)، دراسات في التاريخ العربي الإفريقي، سيرمدي، زغوان- تونس 1994.
– الجويلي ( محمد الهادي ) ،مجتمعات للذاكرة، مجتمعات للنسيان : دراسة مونوغرافية لأقلية سوداء بالجنوب التونسي، دار سراس- تونس 2001.
Valensi ( L.)، « Esclaves chrétiens et esclaves noirs à Tunis au 18 ème siècle »، Annales E.S.C، n°6،1967،pp1267-1288.
Ennaji ( M.)، Soldats، domestiques et concubines : l’esclavage au Maroc au 19 ème siècle.Cérès،1994.
Largueche ( A.), Les ombres de la ville : Pauvres ,marginaux et minoritaires à Tunis 18 ème et 19 ème siècle.CPU , Tunis,1999.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق