الجدران اللامرئية : العنصرية ضدّ السّود(1) : عنصرياتنا المتزاحمة

تريدون أن تتحدثوا عن العنصرية؟ حسن إذاً، شدُّوا أحزمة الأمان، فالمطبَّات كثيرة وقاتلة إن دققنا فيها.

لكن مهلاً، عن أي عنصرية تريدون الحديث/ التحدث؟ فثمة عنصريات فولكلورية تميّز ثقافتنا التي تشكلنا بها وحافظنا عليها بصيغ شتى من باب الأمانة والإخلاص لأسلافنا، عنصريات كشكولية تباهينا بها طويلاً وما زلنا نتحفز باسمها في التعبير عما يميّزنا أخلاقياً وعلى أعلى المستويات!

عنصريات تتناهب فينا كينونتنا الجسدية، حيث اليمين قبل اليسار، والعقل قبل العاطفة، والفكر قبل الصورة، فصرنا في خوف من أنفسنا على أنفسنا، جرَّاء هذا الثالوث العنصري العضوي المؤصَّل فينا.

عنصريات تخترق لغاتنا ونحن وكلاؤها الاضطراريون، ممثّلوها، ملزَمون بحراستها والاستماتة في الدفاع عنها، لأنها تعنينا كياناً وبياناً، من خلال أفعال التفضيل، إذ يسهل إماطة اللثام عن أصولها الاعتبارية، والكشف الجلي عن مقامات التجنيس القيمية فيها في الأفضل والأحسن والأمثل والأبرز والأقوم…الخ، ولا غرابة في ذلك، إنما الغرابة حين يُتجاهَل هذا المد العنصري المتواصل في لغاتنا، من خلال ذكورية اللغة بالذات.

عنصريات تشدنا إلى وراء الوراء، إلى أسطورة التكوين، وهي تتمحور حول المفهوم الحوائي والآدمي للخلق البشري. حيث دشّنت عنصريتنا الخَلقية، وهي عنصريّة يتجدد إيقاع تكوينها منذ كان سام وحام ويافث. إلى درجة أن آدم نفسه، أي هذا المدوَّن عنه تاريخياً يتبدى لي واضع قواعد العنصرية” المثلى”، فحواء زوجته التي انسلَّت منه توراتياً رعت في جسدها نطفة زوجها الغرائبية الثالوثية الأجنَّة لاحقاً. مثلما أن الجبلَّة تلك مثَّلت بجعل آدم سابقاً على حواء، ويده على رأسها.

عنصريات الزمان والمكان، في الضرب بين عهود وعهود، باعتماد أرصدة معتقداتية ومذاهبية وجنسية وعرفية أو إثنية حيث الجهات لا تعود متساوية قيمياً، كما يعلم مؤرّخو الأنساب الأرضية بأقاليمها والبشرية فيها ضمناً.

وفي الأوج تأتي العنصرية اللونية في اسمها التليد تاريخياً، حيث جعلتنا إحَناً، أمماً دون أمم تتشظى بذاتها، إثر هذا الهوس في التدمير الذاتي للكينونة الواحدة فينا وما ننتمي إليه كونياً. وأشدد هنا على الأسود.

ويظهر أن الحديث عن الأسود يتجاوز كينونته الشخصية، فالأسود، كلون، كما علَّمونا منذ الصغر موطن الجن والعفاريت والخوف، مثلما أنه يرتبط بالليل والقبر والعدم، والأسود يتراءى عالياً نقيض الأبيض الذي طالما تباهينا به فيما نعرَف به وجهياً وكذلك قيمياً، فالوجه الأسود يحيل صاحبه إلى خانة السوء، مثلما الصفحة السوداء تشكل ترجماناً حياً لكل ذي سوابق، مثلما اليوم الأسود يمثل الأزمات المباغتة وحالات الضنك وغيرها.

الدائرة مستحكمة الإغلاق إذاً جهة الفصل بين الأسود المنبوذ لوناً ودلالة وعلامة فارقة، والأبيض المنشود حتى في الجنة، وصار الواحد منا مسكوناً بعقدة البياض (كل شيء نريده أبيض : الحليب واللبن والقشطة وحتى نهر الخمر غير المسكر في الجنة والحور العين (حيث: ” البنت بيضا بيضا بيضا” كما تقول الأغنية)، واللباس الأبيض لباس الملائكة والمعنيين بالصحة من الأطباء، وكذلك الطهارة حتى في حالة الكفن وثوب العروس في المجمل…الخ). لا بل يمكن تتبع خطوط هذه العنصرية اللونية المفصلية، حتى إلى فضائنا المعتبَر خارجياً، إلى الثقب الأسود المهدّد للكواكب والنجوم، إلى ما هو اقتصادي، حيث تكون السوق السوداء، وما يكونه القرش الأبيض لليوم الأسود، ما يكون الحصان الأبيض في موسوعة رموزنا الأخلاقية والاجتماعية، ما تكونه الغريزة وهي المعتبرة سوداء رغم أنفها، ومملكة العقل موسومة بالبياض، وفي السياسة نتحاشى ذكر السواد لأنه يقلقنا ويذكّرنا بفجائعنا التاريخية ومآسينا التي لا تنسى، إذ ترفرف الرايات السوداء، وحتى في الهزيمة والاعتراف بها، يتم دحر الأسود من خلال التحصن بالأبيض، إذ نرفع ( الراية البيضاء)، وحديثاً ربما نحتفي بأثر البياض في تبديد السواد، عبر مفهوم الهجنة/ الهجنة: المولَّد- التوليد: hybrid- hybridity، من خلال سحنة أوباما الرئيس الأمريكي، كما لو أن الأمريكي ” الأبيض” ومن يكون وراءه يريد اختبار أثره فيما يمكن لهذا المولَّد باسمه أن يكون بالنسبة له، حيث السمرة اللافتة تلبّي نداء بياضه أكثر من سواده في خافيته. إنها مستوطنة العقاب الكونية إذاً!

أظن في وضع كهذا، وجرَّاء هذا التحرير الشائن لمفهوم اللون، وتفضيل الأبيض على الأسود بإطلاق، طوال هاتيك القرون في تاريخنا، أو العقود الزمنية بالنسبة لأعمارنا، من الصعب إدعاء أننا ننظر إلى الأسود كما هو الأبيض، رغما تردادنا الببغائي لمفهوم الفضيلة أو ما يخص إنسانية الإنسان بوصفها خارج الحيازة اللونية، وأننا محرَّرون من أي عقدة لونية. لا بل يكذب، وبامتياز، كل من يعتبر الأسود في مقام الأبيض، ممن يتمتع ببشرة بيضاء أو ما يجاورها في الأبيض. إن الأسود بدءاً من مفهومه اللوني عدونا البغيض، العدو التاريخي والميتافيزيقي الذي طلِب منا طويلاً إعلان الحرب الجهادية عليه، وكأن الدنيا لا تعرف من الألوان غير الأبيض ليس إلا، حيث لم تستطع مجموعة من الأحاديث التي دوّنت في ظروف تاريخية، وما تم تفسيره قرآنياً حول هذا الموضوع، أن تجعلنا سواء.

باتت مشاعرنا وأحاسيسنا مثقَلة بوطأة الألوان وتقسيماتها. أصبحنا منقسمين على أنفسنا بأنفسنا، حيث تظهر العنصرية عقدتنا فيما نختار ونسمّي في كل ما يتصل بنا ذوقياً، وحتى فيما نتخيله ونتمثله ونحلم به.

إن عنصريتنا المودَعة والمشرَّشة فينا لا تطاق، حيث أشعرني وأنا في عمري الخمسيني، ملطخاً بكل جوارحي وحتى أفكاري وتصوراتي وخيالاتي بجرائم مرتكبة ضد الإنسانية، تتمثل في سفك الأسود في تاريخه الطويل، حتى وإن ادّعى كاتب نحرير هو الجاحظ ( ت 255 هـ)، أنه خارج هذا السرب العنصري الهائل، وذلك من خلال ( فخر السودان على البيضان)، ضرباً من ضروب المنبرية الموظَّفة، والواقع خلاف ذلك، كما يقول تاريخه!

وأعتقد أن ما أقوله ليس لوناً من ألوان المقارعة الشعرية، إنما حصيلة رؤية ثقافية تاريخياً، في نصوص الدين الكبرى، والنصوص الداعمة لها تفسيراً وتأويلاً، والأدبيات التي تبلورت بجمالياتها الطهرانية وقد تمحورت لونياً مستأثرة بالأبيض قبل كل شيء، حصيلة ما أراه وأقرأه هنا وهناك. العنصرية تفيض علينا إذ نطلبها ونقتتل باسمها، بالقدر الذي نشعر أن ممالأتنا لجانب منها، نصرتنا للأبيض وذمنا للأسود، هو الذي يرسم خطوطها الفجائعية الكبرى. ومن يقرأ ما هو منسوب إلى ساستنا ويتمثلهم أو ما يخص أولي أمرنا، وما يتشكل اعتبارياً على أساس لوني، هو الذي يعمّق سطوة جغرافيا العنصرية بمناخاتها المزرية وشرعة الفتك بالآخر باقتفاء أثر اللون!

إنه بروميثيوسنا الأبيض الذي نتباهى به، وقد كحّلناه ونوَّرناه واصطفيناه رمزنا المعتبَر في بياض، في الوهج الذي يحوط صفحة وجهه الناري كما هو إلهنا الوحيد الأوحد، كما هم ملائكتنا ورسلنا وأنبياؤنا الذكور حصراً، مبعدين أي صلة للأسود بما تقدم، متنكرين لحقيقة بروميثيوس الأسود والمتداخل مع الأبيض والأصفر وكل جنس خلائقي، حيث تكون أخلاقنا المعتمدة في أكثر حالاتها دونية، بسبب أبيضنا المعمَّم!

أورفيوسنا الأبيض إذ نصغي إليه ونتابعه صوتاً وصورة، وليس ” أورفيوس الأسود” كما كتب عنه جان بول سارتر قبل ستة عقود زمنية ونيّف، فأي سبق وعي تاريخي فيما نعلن عنه الآن حيث الآخرون تجاوزونا كثيراً فيما نخطط له تفكيراً، أو نرومه تدبيراً. إنها ضريبة سلسلة العنصريات الكبرى التي نذمها ونحن نؤمُّها واقعاً.

لقد حاولت قبل عقدين من الزمن تتبع هذا الإبداع الجمالي والإنساني من خلال صوت هذا الأسود الذي قيل فيه الكثير سلباً، من خلال دراسة سوسيولوجية أنجزتها ولم أنشرها بعد، هي ( قيامة الرواية السوداء)، وأنا أتعرض لأسماء مدهشة فيما أبدعت فيه، كما في حال ( غينوا اتشيبي، نغوجي واثيونغو، كامارا لاي، غابرييل أوكارا، صنبين عثمان، فرديناند أويونو…الخ)، مثلما أنني تعرضت لهذه المفارقة اللونية سنة 1988، من خلال دراسة نشرت على حلقتين في مجلة ( كتابات معاصرة) اللبنانية (عدد 33-34)، وتحت اسم” أقنعة البياض”، وما أثرته حول ذلك، في كتابي ( جغرافية الملذات” الجنس في الجنة”) الصادر عن شركة رياض الريس في السنة ذاتها، وأنا أتعقب هذا الفصل العنصري في اختيار الجنس ومفهوم المتعة على أساس اللون…الخ.

إزاء هذا التشعب في مفهوم العنصرية، وراهناً، لا يمكن أن نعتبر أن الإعلان عن رفضنا لما يجري، يضعنا على ( السكة) الصحيحة، إنما ثمة لوياثان ممدوح في واعيتنا الجمعية، وحتى على الصعيد الفردي فينا، بعيداً عن المنبرية الأخلاقية والاجتماعية والسياسية أو الخطابية المبهرجة. هل يمكن لنابذ العنصرية، أعني به هذا المثقف التنويري المحلَّى بالبياض الإلهي الفطري، وبصدد العنصرية الجلية حضوراً في تنوع أسمائها ومسمّياتها، هل يمكن له أن يؤكد أنه بمنجىً من لوثاتها، وأن ذلك اللوياثان باعتباره أسود أو يحمل فيروسه، مؤمَّم من تأثيره، وأن ما يقوله ليس أكثر من مفرقعة في سماء ليلة رأس سنته النخوية العارضة إنسانياً يتباهى بها، ليبصر وهج لونه المحبب إليه : أبيضه تحديداً؟ فدققوا في هراء قوله إذاً!

بالنسبة لي، وبملء فمي أقول : يلزمني الكثير واقعاً، لأتحرر من جمهرة العنصريات المشار إليها، طوال هاتيك السنين، لأنني لا أكتمكم سراً، أعيشها كما يعيشها سواي، من خلال ثقافة قائمة تتجاوزني، وتتحداني إذا حاولت خرق حدودها المطوطمة، مع فارق الألم القائم في الانتماء والنسَب، إذ أكون ضحية متجددة في ظلها الوخيم، حيث الظل ذاته نفخة سواد أو مذكَّر به!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق