الجدران اللامرئية العنصرية ضدّ السّود (9)- العنصرية ضد السود في المغرب

“كانت لذيذة” ! أجاب الرجل الأسود. كان ذلك جوابه عند ما سأله أهل العروس عن ليلة زفافه بالرباط (المغرب). وتبين للناس أنه قضى ليلته في أكل زوجته البيضاء فوجد لحمها لذيذا إلى درجة أنه لم يترك منها إلا العظام. سمعت هذه القصة من جدي مرارا وعمري لم يتجاوز الثامنة بعد.. كان جدي يروي لنا هذه القصة في الخمسينيات من القرن الماضي وهو مقتنع تمام الاقتناع أن السود يأكلون فعلا لحم البشر، فنجح في إقناعنا، أنا وإخوتي، أن السود آكلو لحوم البشر، البيض منهم على وجه الخصوص. وخرجت بقناعة بسبب هذه التنشئة العنصرية التي انغرست في إحساسي ومخيالي بضرورة عدم تزويج النساء البيض من الرجال السود.

ما أعتقد هو أن هذه القصة كانت ترمز في ذهن جدي إلى ليلة زفاف ممتعة قضاها الزوجان، وأن أكل الزوج الأسود لزوجته البيضاء ما هو إلا تعبير مجازي عن متعة جنسية كاملة استمرت الليل كله. ما هو أعتقد أن جدي قصد الترميز عن الجنس من خلال الأكل. ففي الدارجة المغربية، كثيرا ما يقال أنه “أكلها”، بمعنى أن الرجل جامع المرأة جماعا قويا كاملا ولم يترك موضعا من جسمها إلا ووطئه. إن الوقوف عند المعنى الظاهر لعملية الأكل آلية تخفي الإيمان الشعبي عند المغاربة بتفوق السود جنسيا وهو من العوامل التي تفسر امتناع البيض عن إعطاء نساءهم للسود مخافة من الظهور أقل فحولة. وفي هذا الموقف عقدة نقص مقلوبة، بحيث أن التفوق الجنسي الأسود (المزعوم في المخيال الأبيض) يمحى من الخطاب العلني ويستبدل بأكل لحم البشر (الأبيض). وهي علة “معقولة” فيها رفض لبدائية تتنافى مع الحضارة وتبرر رفض إعطاء النساء البيض إلى الرجال السود.

إن اتهام المغاربة البيض للسود بأكل لحم البشر ورفض تزويج المرأة البيضاء للرجل الأسود من الأمور “العادية ” التي سادت في الذهنية المغربية إلى حدود منتصف القرن العشرين دون أن يشعر المغربي “المتوسط” بأدنى حرج في ذلك. و لا شك أن هذا الموقف يعبر عن عنصرية مغربية جلية ضد السود، أي عن تمييز (في الحقوق والواجبات) بين البشر على أساس اللون. إن العنصرية على أساس اللون (وفي كل أشكالها) ترجع نظريا إلى المجتمع ما قبل الحديث الذي لا يعرف بنيانيا معنيي حقوق الإنسان والمواطنة. وبالتالي من المفروض أن تندثر كل أشكال العنصرية مع الحداثة ومع الإيمان المبدئي والتطبيقي بميثاق حقوق الإنسان كما هو متعارف عليه دوليا. بناء عليه، كلما استمرت العنصرية (في أي شكل من أشكالها) في مجتمع ما، كلما ابتعد ذلك المجتمع عن منطق الحداثة وعن مستلزماتها. وهذا شيء يسري على كل المجتمعات الراهنة دون استثناء، بدرجات متفاوتة طبعا. بتعبير آخر، يمكن ترتيب المجتمعات حسب مؤشر العنصرية (ضد السود مثلا) وقياس درجتها، وترتيب تمظهراتها.

ليست مهمة هذه الورقة قياس درجة العنصرية المغربية ضد السود في المغرب، فذلك مشروع علمي ضخم، وإنما فقط تشخيص أولي لمظاهر استمرارها ومحاولة تفسير وفهم تلك الاستمرارية. على سبيل المثال، نشرت “رسالة الأمة”، وهي جريدة حزب الاتحاد الدستوري، أن أفارقة أكلوا رضيعا في حي التقدم بالرباط دون أن تتأكد من صحة الخبر قبل نشره. تم نشر هذا الخبر الزائف في مطلع القرن الواحد والعشرين. وهو ما يدل على أن القطيعة مع صورة الأسود كآكل لحم البشر ليس بالأمر الهين.

التمظهرات

إذا كان تزويج المغربية البيضاء من الرجل الأسود غير قابل للتصور لأن الأولى حرة والثاني عبد، فإن امتلاك الرجل الأبيض للجواري السود كان أمرا شائعا, وهو الأمر الذي يبين كيف أن تبادل النساء بين البيض والسود كان دوما في اتجاه واحد، لصالح الرجل الأبيض. فالنوازل الفقهية مليئة بقضايا كثيرة ومتنوعة تؤشر على مدى شيوع الاستغلال الجنسي للمرأة السوداء من طرف الرجال البيض، خارج إطار النكاح. فالأبيض كان يطأ الأمة ولا يتزوجها، أما الأسود فلم يكن له الحق لا في وطء المرأة البيضاء ولا في نكاحها. وقليلا ما كان يعترف السيد الأبيض بذريته من الأمة، فتضيع حقوق الأمة وولدها. وإلى حدود اليوم، لا يزال تزويج المغربية البيضاء من المغربي الأسود أمرا نادرا. إن ثقل الماضي العنصري لا يزال جاثما على العقلية المغربية.

يصعب جدا في مجتمع مغربي تقليداني النزعة في أعماقه أن يقطع مع عنصريته البنيانية ضد السود، أي مع عنصرية كانت تطبع علاقات الإنتاج بالخصوص، والعلاقات الاجتماعية بصفة أعم. ففي الماضي، كانت العنصرية ضد السود تتمظهر في التقسيم الاجتماعي للعمل، ومن أنماط ذلك التقسيم النمط القائم على اللون بالضبط بحيث أن السود كُلفوا فقط بالأعمال اليدوية من خدمة الأرض وصناعات (مثل الحدادة والجزارة والصباغة) وخدمات منزلية أو في الحمامات. فقوتهم البدنية المعترف بها استغلت في تكليفهم بالأعمال الشاقة، الدنيئة. واستغلت تلك القوة أيضا في تجييشهم بحيث أن الملك مولاي إسماعيل أسس في القرن السابع عشر جيشا من العبيد سماه جيش عبيد البخاري لأن العبيد المجيشين أدوا قسما بالوفاء على صحيح البخاري. وعلى الصعيد الديني نفسه، أسس السود طائفة خاصة بهم، وهي طائفة كناوة التي اشتهرت بقدرتها على معالجة بعض الأمراض النفسية من خلال أذكار ورقصات وألوان وموسيقى معينة تجتمع كلها في مفهوم “الجدبة”. وينبغي الإشارة هنا إلى أن الأمراض النفسية لم تكن تفسر نفسيا في الطريقة الكناوية بقدر ما كانت تعتبر مسا بالجنون. فالسود الذين وصلوا إلى المغرب كعبيد بسبب الأسر أو من خلال تجارة الرقيق اندمجوا في الإسلام بفضل إسلام طرقي خاص بهم، مستقل لكونه لا ينحدر من الأصول الصوفية للطرق المغربية الأخرى. ويمكن اعتبار الطريقة الكناوية، الخاصة بالسود، محاولة ثقافية منهم لاستيعاب وتقبل البؤس الذي كان يميز وضعهم الاجتماعي. فالطريقة الكناوية توليف بين الثقافة الإسلامية السائدة وبين معتقدات وثنية أصلية حملها السود معهم عند تهجيرهم إلى المغرب.

في الحاضر، تستمر العنصرية ضد السود تجاه المغاربة السود. فالكلمات التي كان ينعت بها السود كلمات قدحية نابية مثل “عزي” (من عز يعز على النفس)، “عزي بَلَلاَ”، العنطيز، القلاَّوي، “كانكا”، وهي الكلمات التي ما زالت مستعملة إلى اليوم. أما تجاه السود الأجانب، فتجدر الإشارة إلى أن الصفوة منهم، وأعني بهم الطلبة الأفارقة الذين يتابعون دراستهم العليا في المغرب، فتعاني من التمييز بحيث أنها أسكنت في حي جامعي خاص، “دولي”. لكنه الحي الذي ليس فيه شيء من الدولية، فكل ساكنيه من إفريقيا جنوب الصحراء. أما السود الآخرين، فموضوع عنف يومي متعدد الأشكال، لفظي في المقام الأول. وقد اغتنى المعجم القديم الخاص بالسود المغاربة بألفاظ جديدة تطلق خاصة على السود الأجانب مثل “الزنجي الوسخ، حامل الإيدز، القرد، الخنزير… وتتجلى العنصرية ضد هؤلاء أيضا في عنف جسدي مباشر (اعتداء، رمي حجارة) أو جنسي في حالات كثيرة (تحرش، اغتصاب، استغلال…). ويرفض بعض المغاربة السلام أو رد السلام على السود الأجانب، كما يرفض البعض احترام الأسبقية لصالحهم. ويرفض أصحاب سيارات الأجرة نقلهم، لكن مثل هذا التصرف العنصري يحتمي بالقانون الذي يمنع المغربي من تنقيل كل أجنبي يتواجد في التراب الوطني بشكل غير شرعي. ولا ينهر الوالدان طفلهما عند ما يعتدي لفظيا على أسود أجنبي أو يرميه بحجارة. وتدل الكثير من المؤشرات على أن العنصرية تجاه السود الأجانب المسلمين ألطف من تلك التي توجه ضد السود غير المسلمين (المسيحيين والإحيائيين). مثلا، يتم الاعتناء بالجرحى أو المرضي السود المسلمين رغم إقامتهم غير الشرعية بالمقارنة مع اللامبالاة التي يعامل به السود غير المسلمين. إن العصبية الإسلامية تلطف إلى حد ما التعامل القاسي مع الأسود الأجنبي المسلم.

المحددات

يستمر احتقار الأسود لأن أسود اليوم ما هو إلا ولد أو حفيد عبد الأمس. إنه العبد المعتوق (الحرطاني) الذي استفاد من عمل خيري، من حسنة قام بها مالكه. وسواء انحدرت حرية العبد من آلية العتق الفردية (الإسلامية)، الانتقائية، أو من المنع الإداري للرق أثناء الاستعمار، يظل الأسود حرطانيا في الذهنية المغربية السائدة، أي مواطنا من الدرجة الثانية، موضوع ازدراء واحتقار عليه أن يظل زبونا وخادما لأسياده البيض، وذلك طيلة حياته. فقبل المنع الإداري للرق من طرف الفرنسيين في العشرينيات من القرن الماضي، بل وبعده، يستمر العبد المعتوق، الحرطاني”، في القيام بدور العبد وبمهامه التقليدية. فتحريره لم يعن أبدا تحقيق استقلال اقتصادي، ومن ثم استمرار التبعية للسيد المالك “القديم”، وذلك رغم مزاولة بعض المهن الدنيئة مثل التسول والحمالة والحدادة… فالحرطانية ليست فقط وضعا فرديا من جراء اللون الأسود بصفته عيبا بنيانيا في الشخص، إنها ولا تزال وضعا طبقيا دنيئا. قليلون جدا هم الطلبة السود، سواء في الماضي أو في الحاضر، وقليلون جدا هم السود الذين ارتقوا إلى الطبقات الوسطى وإلى بعض مناصب السلطة والجاه. إلى حدود اليوم، لا زال السود المحررين في جنوب المغرب يسمون “إيسوكين” (باللهجة الأمازيغية)، والكلمة فيها شتم وسب، وتعني أولئك الذين كانوا يباعون في السوق. لنذكر هنا أن القضاء على الرق في المغرب لم يأخذ أبدا صيغة قانونية، وإنما اندثر تدريجيا بحكم منع الحماية الفرنسية لممارسته، وهو المنع الذي لم يرق أبدا إلى مستوى النص القانوني. أبدا لم تأت المبادرة من المغاربة أو من المغرب لأن في ذلك مخالفة واضحة للشريعة الإسلامية.

لم يعرف المغاربة من السود إلا العبيد، ومن ثم ترادف اندماجي بين الأسود والعبد: كان كل أسود في المغرب عبدا، خصوصا بعد أن قل عدد العبيد البيض في المغرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. إن المجتمع المغربي الإسلامي حوَّل السود الأفارقة بقوة السلاح أو المال إلى عبيد بالفعل. وليس في هذا المسار استثناء مغربيا خاصا، بل سلك المغرب، مجتمعا ودولة، مسلك الإمبراطوريات القوية. وطبعا، كان المجتمع المغربي منتجا لتبريرات إيديولوجية تجعل من استرقاق السود أمرا “طبيعيا”.

فاللون الأسود مرتبط بأهل النار في المرجعية الإسلامية، ومرتبط بالشر، كما أن الله لم يرسل أنبياء سود. وقد تأثر المخيال الإسلامي الشعبي بما جاء في التوراة من أن السود أبناء حام، وهو أحد أبناء نوح. حسب هذه الأسطورة التي تسربت إلى المعتقد الإسلامي الشعبي، كان حام أبيضا ثم أصبح أسودا بسبب لعنة والده. ذلك أن حام رأى عورة والده نوح فضحك منها ولم يستحيي فلعنه نوح وطلب من الله أن يحوله إلى عبد لأخويه سام ويافت، فأصبح أسودا. من هنا، تم الربط بين اللون الأسود والعبودية بمعنى أن البشرة السوداء تحتم على صاحبها مصيرا اجتماعيا لا مناص منه، وهو أن يكون عبدا للأبيض.وقد وظفت هذه الأسطورة في كتيب مدرسي سنة 1911 في الكونغو من طرف راهبات حيث جعلن من لعنة حام سبب استعباد المسلمين للكونغوليين قبل مجيء بلجيكا (“لتحريرهم”).

من جانب آخر، تعمل الصحافة المغربية، المرئية منها على وجه الخصوص، على نشر صورة كارثية عن إفريقيا جنوب الصحراء، عن إفريقيا السوداء. صورة تقدم إفريقيا كحلبة لحروب إثنية وطائفية لا تتوقف، وكفضاء للأمراض المعدية والمجاعة والفقر. ولا تعمل الصحافة على تقديم تفسير لهذا الوضع الكارثي من خلال ربطه بالعبودية (كنظام اقتصادي) وبالاستعمار وبالتبعية وبغياب الديمقراطية. لذلك يستمر المغربي المتوسط في جهل المجتمعات والثقافات الإفريقية وفي تفسير الكارثة الإفريقية بسواد بشرة ساكنيها، الملعونين إلى الأبد، وعلامة اللعنة سواد البشرة بالضبط. إنه التفسير الذي يفسر السواد بالسواد، والذي يستمر في اعتبار كل ما هو أسود شرا وسوء. واليوم، يشكل الإيدز الشر الأكبر، وهو أكثر تفشيا في إفريقيا السوداء، وهو ما يدعم الطرح العنصري عند المغربي المتوسط الذي لا يتردد في اعتبار ذلك التفشي تجسيدا للعنة الأبدية وللشر باعتباره جوهر السواد. كل ذلك يؤدي إلى الخوف من الإفريقي وإلى رفضه. بالإضافة إلى هذه العوامل الثقافية، لا بد من الإشارة إلى عامل سياسي يكمن في عدم اعتراف أغلبية الدول الإفريقية بمغربية الصحراء، وفي انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984 بسبب اعترافها واعتراف الكثير من الدول الإفريقية ب”الجمهورية الصحراوية”.

ثم إن الأسود الأجنبي في المغرب، سواء كان لاجئا سياسيا أو طالب لجوء سياسي أو مهاجر (اقتصادي) غير شرعي، يدرك كمنافس للمغربي في سوق العمل. ومعلوم أن نسبة البطالة مرتفعة في صفوف المغاربة أنفسهم، وفي صفوف حملة الشهادات العليا بالخصوص. فالمغاربة لا يفكرون في تكليف المهاجرين السود بالمهن “الدنيئة” لأنهم أصبحوا أنفسهم مستعدين للقيام بها رغم بياضهم ورغم شهاداتهم العليا. والواقع أن هذا العامل ما هو إلا مبرر وهمي، لأن معظم السود الأجانب في وضع لا يسمح لهم بمنافسة المغاربة في سوق الشغل من حيث الكفاءات والتكوين، لكن هذا شيء يجهله المغربي المتوسط.

من أهم العوامل التي تفسر العنصرية تجاه السود في المغرب أن السود يشكلون أقلية في المغرب، أقلية بالمعنى الإحصائي والسياسي. لذا، يتميز السود ككل أقلية بحظوظ أقل لبلوغ الموارد الاقتصادية والرمزية بالنظر إلى نعتهم أقلية بالضبط. فالبشرة السوداء علامة تجعل من صاحبها صاحب عاهة فيتم تهميشه وإقصاءه من المنافسة على بلوغ الموارد والسلطة. إن البشرة السوداء تصبح عاهة في ذاتها بغض النظر عن كونها مجرد اختلاف بيولوجي بالمقارنة مع الأغلبية البيضاء. ومما يعطي واقعية أكبر للسواد كعاهة أن السود أنفسهم يتبنون هويتهم الدونية الناقصة ويتقبلون آليات الهيمنة والاستغلال الملازمة لها. لا بد من وعي سياسي لكي تتحول العلامة المعيقة إلى هوية إيجابية يعتمدها “حاملوها” من أجل المطالبة بنفس الحقوق، أي بمواطنة كاملة. من مزايا مفهوم “الأقلية” التنبيه إلى عدم الوقوع في تعريف جوهري يجعل من السود مجموعة دونية في ذاتها وبذاتها بالنظر للسواد في ذاته وبذاته. فالأقلية علاقة اجتماعية بالأساس، بمعنى أنها تصدر عن علاقات سلطوية تراتبية تفرضها الأغلبية انطلاقا من تقديح علامة معينة مثل سواد البشرة أو الاتجاه الجنسي المثلي أو استهلاك المخدرات… لكن الأقليات ليست دائما أقليات إحصائية كما يتبين ذلك من مثال مجموعة النساء، فهؤلاء لسن أقلية إحصائية ويشكلن رغم ذلك أقلية، بالمعنى العلائقي، أي بالنسبة للرجال كمجموعة شمولية، “عادية”، سائدة. من مزايا الطرح العلائقي أنه يبين نسبية مفهوم الأقلية، ويؤكد أن الأقلية إنتاج تاريخي واجتماعي يعكس علاقات قوة وهيمنة، ويعطي الأمل في إمكان تجاوز الأقلية كمجموعة مسودة في إطار ديمقراطي حقيقي.

الآفاق

من “غرائب” الأمور أنه لا يوجد في الترسانة القانونية المغربية قانون يجرم العنصرية ضد السود. وفي هذا الغياب دليل على استمرارية العنصرية ضد السود كثقافة لا زالت تسكن اللاشعور المغربي الجمعي. وفي ذلك أيضا مؤشر على عنصرية دولة، أي على دولة لم تفكر بعد في إنتاج وتربية مواطن يعادي العنصرية ولا يمارسها في التعامل اليومي، وإن على المستوى اللفظي. من أجل توعية الدولة بمهمتها هذه، لا مناص من بروز السود المغاربة كحركة اجتماعية تطالب بحقوقها كاملة، وتطالب بسن قوانين مساواتية تنبذ وتجرم العنصرية بكل أشكالها. في تاريخ المغرب، لم يبرز السود أبدا كحركة اجتماعية أو سياسية، ولم يبرز أبدا وعي بالهوية السوداء كهوية إيجابية. وهذه أول ثورة ذهنية على السود المغاربة أن يقوموا بها ضد الهوية السلبية والسالبة الملصقة بهم من طرف الأغلبية البيضاء. في الماضي، لم يتمرد السود المغاربة ضد الأسياد إذ كانت تبدو لهم عبوديتهم أمرا طبيعيا له شرعية دينية لا تناقش. حان الوقت لميلاد نضال أسود في المغرب، وهو النضال الثقافي الذي لا بد وأن يتخذ شكلا جمعويا لكي يضمن مصيرا سياسيا مترجما في قوانين تحفظ المساواة وتجرم التمثلات والسلوكات العنصرية. والمطلوب أولا إنجاز بحث ميداني من طرف السود أنفسهم، بحث يشخص كل أشكال العنصرية التي يعاني منها السود المغاربة والأجانب. وارد أن المغاربة البيض سيتعجبون من هذا المطلب لأنهم كأغلبية سائدة لا يعون استمرارهم في السلوك العنصري، وإن على مستوى المزاح والنكتة. وكم هو دال مستوى المزاح والنكتة لأنه يمرر عنصرية لا تجرؤ على تبني ذاتها، فتسكن الهو، وتسكن اللهو. ومما يعطي نفسا جديدا لعنصرية المغاربة ضد السود، تدفق سود أجانب أفارقة على المغرب، هربا من الفقر أو من الحروب، قاصدين أوروبا، ومجبرين على المكوث في المغرب كمهاجرين غير شرعيين. أصبح هؤلاء السود “الجدد” موضع عنصرية تجدد نفسها، تعويضية. بفضل موت الرق العملي، انتقلت العنصرية ضد السود من ميدان الأنا والشعور إلى حقل الهو واللاشعور إذ أصبح من غير اللائق أن يتبنى مغربي أبيض استعباد مغربي أسود، فأصبحت العنصرية تعبر عن نفسها من خلال التهكم والتنكيت، وهو تعبير مسموح بها أخلاقيا واجتماعيا. أما العنصرية تجاه الأسود الأجنبي، القادم من “سواد” جنوب الصحراء، فهي عنصرية بديلة تلبي رمزيا، وعمليا، الرغبة الدفينة في الاسترقاق، وفي سيادة جديدة، وسيطة. أو ليس المغربي الأبيض هو أسود الأبيض الأورو-أمريكي؟ طبعا، ينتج المسؤولون السياسيون خطابا إفريقيا وينظمون مهرجانات ثقافية، لكن ذلك يتم من أجل استقطاب الدول الإفريقية لصالح الطرح المغربي لقضية الصحراء ودون أن يتم الاعتراف بالهوية السوداء كهوية ثقافية خاصة. ألم يحن بعد الوقت ليقدم المغرب اعتذاره لكل السود عن ماضيه الاسترقاقي؟ ضروري أن يبرز الوعي بالسواد كهوية إيجابية (négritude) عند السود المغاربة، كهوية يحددها أصحابها من الداخل ولا تعكس علاقات قوة بائدة. لا بد من الانتظام الجمعوي من أجل بروز هوية سوداء إيجابية كما حدث ذلك في الولايات المتحدة، ولا بد من رفع شعار “الأسود (المغربي) جميل”. إنها خطوة أولى للاعتراف بالعبودية كخطأ تاريخي جمع بين ضفتي الصحراء، وسبق بقرون طويلة الاستعباد الأورو-أمريكي بين ضفتي المحيط الأطلسي. وعلى غرار الحركة الأمازيغية (التي اخترقت الحدود القطرية لتتمغرب)، يمكن للحركة السوداء بدورها أن تنطلق على صعيد القطر الواحد قبل أن تشمل المغرب العربي. لنذكر هنا أنه بين 1700 و 1880 استوردت دول شمال إفريقيا الأعداد التالية من العبيد السود من جنوب الصحراء: الجزائر : 65000، تونس: 100000، ليبيا: 400000، المغرب: 515000، مصر: 800000. إنها أرقام تؤشر على ضرورة نشأة حركة سوداء مغاربية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق