الجدران اللامرئية: العنصرية ضدّ السّود (8) – العنصرية أصل والتسامح فرع

بداية، لا بدّ من الاتفاق أن العنصرية هي الأصل في تصرفات البشر جميعاً، وكل ما يشذّ عن هذه القاعدة هو استثناء. ثم إنّ العنصرية الموجودة في بلاد العرب والمسلمين، عموماً، هي الأقلّ مقارنة مع العالم الغربيّ الرأسماليّ في أوروبا وأميركا الشمالية خصوصاً، كون الإسلام نصّ، نظرياً على الأقلّ، على تساوي البشر جميعاً (لا فضل لعربيّ على أعجميّ ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى) لكنّ الأمر يختلف واقعياً وعملياً حتى في زمن مؤسّسي الدولة الإسلامية، ومازالت العبودية موجودة في بعض بلاد المسلمين رغم أنف القوانين ومَنْ قنّنوها. كما أنّ ثبات الانحياز اللغوي في جميع لغات العالم نحو تمجيد الذكورة على حساب الأنوثة ظاهرة كبرى أسّسها الذكر الذي قنّن اللغات، وأرسى العادات، وسنَّ القوانين، بل وأحكم الدين نفسه، إضافة إلى أنّ النظرة إلى الأسود متأصّلة منذ فجر تاريخ التقسيم الاجتماعي للعمل، فكانت المشاعة قائمة على سواعد الرجال في الإنتاج، وللنساء والعبيد السود الخدمة في المنازل، أو الأعمال السهلة، واستمرّ الأمر في التشكيلة الإقطاعية للعمل لتصبح ظاهرة العبيد ضرورة اقتصادية – اجتماعية يحميها قانون الملكية ومجتمع الأقنان. حتى أن الرواة في التاريخ العربي يذكرون أنّ بعض سادة العرب سئلوا: لماذا تختارون لعبيدكم أسماء جميلة ورقيقة (ورد، مثلاً) وتختارون لأولادكم أسماء قاسية ومنفرة (قحافة، وابصة، مثلاً)، فكان الجواب: عبيدنا لنا، أمّا أولادنا فلأعدائنا. وفي هذه الرواية رسالتان، الأولى: الحرص على العبد كونه أداة اقتصادية، فهو يخدم سيده ويقدم له ما يريد، سواء كان عبداً ذكراً، أو أََمَةً امرأة، فهو يمثل هنا قيمة استعمالية بالمعنى الاقتصادي، ثم إنه يشكل قيمة سوقية (تبادلية) فيستطيع أن يبيعه أو يستبدله، أو يستكثره، إن جاز التعبير (من خلال تزويج السيد عبيده والاستيلاد الطبيعي).

أما الرسالة الثانية، فتدل على دونية العبد ذهنياً وعرقياً حتى يقارع الأعداء في الغزو والحرب، ولنتذكر هنا قصة عنترة، بل لنتذكر واقعة الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز، المستثنى من إمكانية توليه العرش السعودي كون أمّه أفريقية سوداء!.. وفي التشكيلة الرأسمالية لم يبطل هذا النظام، بل تعمّق بأشكال أخرى إذ انضم كثير من العبيد البيض إلى رفقائهم العبيد السود في المزارع والمشاغل ثم المصانع. والملاحظ أنّ نظام العبودية والأقنان في النظام الاشتراكي طيّب الذكر (في الإتحاد السوفيتي السابق والمنظومة الاشتراكية) أخذ شكلاً آخر من التمييز، ولربما لم تكن الأمثلة هناك صارخة، لكن الطبقات غير المرئية في المجتمعات الاشتراكية جعلت من الصعب التمييز سوى بين طبقتين، الحكام والعمال، فكانت العبودية للأيديولوجيا وللحاجات غير المتحققة، حيث كان المواطن “الاشتراكي” يحلم باقتناء بنطلون جينز، مثلاً!

وفي العالم العربي، مازال مجتمع “الأخدام” موجوداً في اليمن، حيث يمكن لغير اليمني أن يجد صورة عنه في رواية اليمني علي المقري (طعم أسود رائحة سوداء)، حيث طبقة كاملة من السود الذين يعيشون منبوذين من الدولة والمجتمع، فلا هم بالعبيد الذين يطعمهم سيّدهم الطعام والهوان، ولا هم بالغجر الذين يعيشون متنقلين بين البلدان ويمارسون الأعمال التي اشتهر بها الغجر في كل مكان وزمان. ويمكننا أن نجد العبودية في الجزائر، وموريتانيا، والسعودية. وفي سوريا، مازالت بقايا العبودية موجودة، حيث ولاء “العبيد” الآباء مازال يلزم الأبناء بالذهاب إلى أسياد الأمس “البدو”، في السعودية تحديداً، لتقديم الولاء، والحصول على الإعانات أو العمل، على اعتبار أن الآباء والأجداد كانوا عبيداً لشيوخ عشائر “عنزة” و “شمَّر”، حكام السعودية ومعظم دول الخليج العربي. وشخصياً، أعرف أحد الأصدقاء الذي دفعه أهله للذهاب إلى السعودية وتقديم ذلك الولاء لأسياد أبيه وجده، لكنه عاد بعد سنتين أو ثلاث بفصام (شيزوفرينيا) مازال يعاني منه منذ أكثر من عشرين سنة.
يبقى أنّ الأسود، أو الأبيض، هو آخر الآخر، كما أنّ الذكر آخر الأنثى، والعكس صحيح، لكن ما الذي جعل للأبيض/ الذكر هذه المكانة المركزية حتى يكون القاعدة التي يقاس عليها وجود ذلك الآخر؟

إنّ البحث في القواميس العربية والإنكليزية، وربما غيرها، سيجد أنّ اللغات تحفل بصفحات كاملة عن هذا التمييز بين الأبيض والأسود، الأسود العبد، فارتباط العبودية باللون الأسود، حسب ماركس، جاء نتيجة الحاجة للرقيق في التشكيلات الاجتماعية – الاقتصادية، المشاعية والإقطاعية، كما سبق الذكر، لكن استمرار هذه الحالة، وعبورها اللغات والتشكيلات الثقافية في كل زمان ومكان، جعل من هذه الفضيحة الإنسانية وصمة عار في العقل الإنساني، مع أن العلم والعرف يعرف أن الدم واحد، والفروقات بين البيض والسود، أو السود والبيض هي فروقات شخصية ومناخية وعرقية، فالبيض ليسوا سواء في البياض، والسود ليسوا كذلك، فاختلاف المناخات الجغرافية تجعل من هؤلاء وأولئك مختلفين، كما أن السيرة التاريخية للمكان جعلت من الأفارقة الزنوج النموذج الصارخ المعبر عن العبودية، فألبسته الحكايات في (ألف ليلة وليلة) صفات الرذيلة، على اعتبار أنّ التفوق الجنسيّ للأسود أصبح أسطورة في حدّ ذاته، فكان الأسود الخصيّ تحفة في قصور الأميرات، وكانت الشهوة الجامحة للأسود مصدر خطر على الفضيلة البيضاء. وعبرت هذه الفكرة إلى الأمثال الشعبية لإظهار التناقض الصارخ لدونية الأسود (حبيبك تحبه ولو كان عبد نوبي)، وفي الأدب (إن العبيد لأنجاس مناكيد). فوق هذا، يمكننا التنبيه إلى أنّ العنصرية ضدّ السود تستند، بالإضافة إلى المحمول التاريخي لها، إلى استقرار النظرة إلى الغريب، فلا يعقل أن توجد هذه الظاهرة في أفريقيا السوداء، كما أنها موجودة في حدود ضيّقة في أميركا اللاتينية، لأنّ القوّة البيضاء غير طاغية هناك، وحداثة تكوُّن تلك الدول حدَّت من قوة الموروث التاريخي والشعبي لتلك الفكرة، فعبرت الأعراق المكونة لتلك المجتمعات الحدود الفاصلة بينها، فاتسعت الدائرة الكبرى للمجتمع للدوائر العرقية المختلفة، وشكلت مجتمعات أكثر هجنة في اللون والتفكير. ومن هنا يأتي السحر اللاتيني، في البرازيل والأرجنتين خاصة، وكذلك في كوبا. وتبقى مجتمعات شرق آسيا أكثر المجتمعات بعداً عن ظاهرة التمييز العنصري بين البيض والسود، كون الاحتكاك بين العرقين الأصفر والزنجي ظلّ في حدوده الدنيا، إن كان موجوداً أصلاً، ولديهم بالتأكيد أشكالهم الخاصة من التمييز العنصري المؤسّس على الطبقة والدين. أما ذلك الغريب الأسود في مجتمع أوروبي أو أميركي شمالي، ورغم التقدم نحو نبذ التمييز العنصري، فهو ظاهرة أكثر أصالة نتيجة استعلاء ثقافي، وثمرة لما زرعه الدين، في جانبه المكرس من رجال الدين كجانب حياتي معاش، ليصبح تقليداً يتجدد في كل جيل، ولتصبح حالة ولادة ولد أبيض، ثم أسود، بين زوجين أسود وأبيض، حالة طريفة تتداولها الأنباء كما تداولت حالة استنساخ النعجة (دوللي).

ويمكننا التنبيه إلى أنّ التمييز بين السود والبيض هو الحالة النافرة من جملة أنواع من التمييز الطائفي في كل المجتمعات التي نالها الاختلاط بفضله، لكن التمييز الديني يبقى ذا صبغة سياسية – اقتصادية، فهو أقل وطأة إنسانياً من التمييز العنصري الذي وقع تحت سيف أفول الروح الإنسانية التي تتمثل بالنازية أو الفاشية. ومع ذلك لا تزال وتيرة تراجع التمييز ضدّ السود هي أقل كثيراً مما يمكن أن نحتسبه نظرياً، وما زال وقوع العين على الأسود يثير دهشة ما مؤسسة على شيء استقر في باطن عقولنا، ولا أعتقد أن النص على نبذ هذا النوع من العنصرية في وثائقنا المكتوبة كافٍ لإزالته من النفوس حتى بعد انقضاء عقود، أو قرون. ولنا في انتخاب أوباما رئيساً للولايات المتحدة مثالاً على رسوخ الفكرة، فقد استمعنا طوال الحملة الانتخابية التمهيدية في الحزب الديمقراطي إلى فكرة أن أميركا غير جاهزة بعد ليكون رئيسها أسود أو امرأة. وحتى بعد انتخاب أوباما، فإن الاستثناء هو ما حدث، لتبقى القاعدة ثابتة دون اختراق يُذكر؛ وكلما أشار “محلّل سياسيّ” إلى أن أوباما أسود، أو أظهرت الصورة لونه الأسود، تكون البقعة السوداء في عقولنا قد سبقت ذلك الكلام أو تلك الومض.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق