الجدران اللامرئية : العنصرية ضدّ السّود(4) – نعم… عنصريون

إلى الروائية السودانية رانيا مأمون والشاعر السوداني حسام هلالي، وإلى لون بشرتهما المضيئة كشمس الصباح .

أوّل ما قرأت ملفّ الأوان الجديد: العنصرية ضد السّود، تذكّرت زيارتي إلى جنوب إفريقية، البلد الذي عانى شعبه الاضطهاد والتمييز العنصريّ بأبشع أشكاله على يد المستوطنين (البوير) ذوي الأصول الهولندية والغربية . تجولنا أثناء رحلتنا على متاحف كثيرة تؤرخ هذا الظلم الكبير، وتؤرشف ذكريات يجب أن تبقى حاضرة وشماً في ضمير العالم كي لا تتكرر هذه المأساة التي حلّت على شعب مسالم بسبب لونه وجشع الآخرين، هذا الشعب الذي لم يبرأ حتى هذه اللحظة من تبعات التمييز التي مازالت موجودة في أحشاء المجتمع ومازال الشعب هناك يناضل للتخلص من تبعاتها وقطع جذورها الممتدة في الوعي والثقافة السائدتين.

لن أتحدث هنا عن تاريخ العنصرية هناك فقد كتب عنها الكثير، ولكن سأتحدث عن عنصريتنا نحن الذين ذهبنا هناك لنرى بقايا العنصرية فاكتشفنا وجودها فينا. عندما وصلنا مطار كيب تاون محطتنا الأولى في جنوب إفريقيا كان الأشخاص المسؤولون عن مرافقتنا: السائق رمزي، مسلم ملّون، وباتريك مسيحي أسود. منذ اللحظة الأولى وجدنا أنفسنا أقرب إلى السائق رمزي المسلّم والملّون ( هل لأنه مسلم؟ أم لأنه ملون؟ أم الإثنان معاً ؟ )، بينما كان تعاملنا مع باتريك الأسود شبه رسمي. ولكن بعد يومين بدأ أصدقائي فيما بيننا يسخرون من باتريك ومن بشرته ومن شكله، طبعا هذا الأمر لم يكن بشكل مباشر وصريح، وإنما من خلال بعض التلميحات المبطنة ولكن الواضحة في دلالتها وعنصريتها كقول صديقي ساخراً ” سنزوّج الفتاة من باتريك ” وهو يقصد الفتاة التي كانت معنا ضمن الوفد. و”باتريك أليس لديك صديقة!” وكأننا نستهجن أن يكون لديه صديقة تقبل النوم معه! ولكن عندما أخبرنا بأنّ لديه صديقة قال لي صديقي ” الله يعينها “. وغيرها من التعابير التي كانت تنطلق منا بشكل عفوي وكأنها شيء طبيعي .

عندها فطنت إلى خطورة ما نحن فيه وبدأت أدقق أكثر في ردّات فعلنا وطريقة تعاملنا، وقد لاحظت أن أصدقائي يتحاشون الانفراد بباتريك ويتحاشون أخذ الصور معه، ولكن بالمقابل يجلسون مع رمزي المسلم ويتصورون معه، وقد دخل صديقي الطبيب المتدين في جدل معه حول الإسلام والقرآن، حيث سنكتشف أنه يحفظ القرآن هو وزوجته غيبا ولكن دون أن تعرف هي القراءة بالعربية. وعند زيارتنا إلى منزله سيقدم لنا مشروب يقع في مرتبة بين العصير والنبيذ ويقول : أنهم أرسلوا هذا المشروب إلى السعودية ليتأكدوا إن كان مباحا أو محرّما، وجاءت الفتوى بتحليله. ورمزي هذا رغم أنه كان ضحية التمييز العنصري، فهو متعصّب بطريقته حيث قال لنا عندما صادفنا شابين مثليين بأنهم شياطين! وعندما طلبت لحما في أحد المطاعم: بادرني بالقول إنه غير متأكد أنه مذبوح على الطريقة الإسلامية فقلت له: لا يهمّ. عندها بدأت قطيعة مضمرة بيني وبينه خاصة عندما شربت بيرة في طريق رحلتنا إلى جزيرة روبن( الجزيرة التي سجن بها مانديلا ورفاقه)، فلم يستطع إخفاء امتعاضه: مسلم واسمي محمد وأشرب بيرة !

ولكن أصدقائي ستترسخ علاقتهم به لأنه مسلم وملوّن ربما، وستصبح علاقتهم مع باتريك ثانوية. وخلال لقاءاتنا في الجامعات كان أصدقائي يميلون فطريا باتجاه الطلاب والطالبات البيض ويلتقطون الصور معهم . الأمر الذي يكشف عن ثقافة وعادات وقيم تترسخ في داخلنا، ثقافة تجعل من الأبيض سيّدا ومن الأسود درجة ثانية، شئنا أم أبينا. كثيرة هي الأمثال والكلمات التي نرددها لاشعوريا عند تعليقنا على شخص ما فنقول: إنه مثل العبد أو يشبه القرد، أو تعليقنا على فتاة بأنها فحمة سوداء، ومن الأمثال التي يتم تداولها يوميا: الله يسوّد وجهك بهدلتنا وغيرها الكثير من الأمثال المترسخة في لاوعينا، ونتداولها علناً دون أن ندرك مدى عنصريتها .

ولكن لمَ نلوم الناس، ألم يقل الله عز وجل في كتابه العزيز في سورة آل عمران، الآيات (104- 107) :

(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات وأولئك لهم عذاب عظيم * يوم تبيّض وجوه وتسوّد وجوه فأما اللذين اسوّدت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * وأما الذين ابيّضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون).

ألم يحدّد الله أنّ أصحاب البشرة البيضاء يمثّلون الخير وأصحاب البشرة السوداء يمثلون الشرّ، ألا يحددّ الله هنا أنّ الذي يصيبه الخزي يسوّد وجهه ! لماذا لا يبيّض مثلا ؟

ألا يمثل القرآن هنا جذرا ثقافيا نستمد منه الكثير، ونبني عليه دون تدقيق وتمحيص، أليس المثل الشهير الذي نتداوله : (الله يسوّد وجهك متل ما سوّدت وجهنا ) مستمدا من الآية القرآنية. من هنا تأتي دعوتنا لإعادة قراءة هذا التراث الإسلامي وإعادة تقديمه في قراءة عصرية تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الثقافية والعلمية، لأنّ القرآن عندما نزل في شبه الجزيرة العربية، كان مفهوم العبيد والرق مازال سائدا، فكان يحدث الناس آنذاك بلغة أقرب لوعيهم السائد .

***

هذا الأمر لا ينطبق على علاقتنا مع ذوي البشرة السوداء فقط من دول أخرى، بل يتعدّاه إلى علاقتنا مع أشخاص يعيشون بيننا ، لهم لون بشرة مائلة للسواد، أو يعانون تشوّها ما في جسدهم، فنعاملهم بطريقة غير لائقة ونتحاشى إقامة علاقات معهم، وأعرف عائلات رفضت زواج أبنائها من فتيات، فقط لأنهن غير جميلات أو ذوات بشرة مائلة للسواد رغم حصولهن على أعلى الشهادات. وأعرف عائلات أخرى رفضت تزويج بناتها لسودانيين، فقط لأنهم سودانيون!

سألت أصدقائي السؤال التالي: هل تتزوج فتاة لونها أسود إذا أحببتها؟

كانت كل الإجابات (انتبه كل الإجابات وليس بعضها ): وهل تعتقد أنني قد أحب امرأة سوداء هذا أولا، وثانيا حتى لو حصل وأحببتها فلن أتزوجها . وعندما كنت أواجههم بالقول: أليس هذا عنصرية؟ أليس هذا موقف عنصري من إنسان بسبب لونه؟

كانوا ينظرون إلي نظرة زئبقية، ثم يسألونني :

وأنت هل تتزوج امرأة زنجية ؟
نعم، أتزوجها
أنت كاذب، هيدا كلام نظري، حكي مثقفين.

إذن هم مؤمنون تماما أن الزواج من امرأة ذات لون أسود، ليس من طبيعة الأشياء، إنما هو أمر (إن حصل ) نادر، شاذّ، خروج عن الطبيعة، ولعمري تلك هي العنصرية بعينها.

والأخطر أنها عنصرية مقنّعة، لا يحس بها المرء، تعيش معه ويتعامل معها كأمر طبيعيّ، الأمر الذي يجعلنا نتساءل : كيف ترسخت تلك العنصرية في وعينا ؟ من أين أتت ؟ ما هي جذورها ومصادرها؟ من أين تتغذى لكي تستمر؟

يحتاج الأمر لعلم نفس الجماعات والشعوب للإجابة عن هكذا أسئلة معقدة ومتشابكة .

أتذكر أيضا، أنه عندما زارني صديقي الشاعر السوداني حسام هلالي. كنا نجلس في مقهى الروضة الدمشقي عندما جاءت صديقة لي شاعرة فعرّفتها عليه، فقالت: صحيح سوداني لكنه حلو! الأمر الذي يعني أن السوداني غير جميل إلى أن يثبت العكس! لماذا؟ لأنه أسود، فالأسود في عرفنا غير جميل، يتحدد الجمال بالبشرة البيضاء والقوام الممشوق والنهود المشرئبة والجسم ذو العضلات بالنسبة للشاب وغيرها .

أعرف أنّ صديقتي ليست عنصرية ولم تقصد الإساءة أبدا، ولكن هذا نموذج عن بنية الثقافة التي نحملها والتي تحوي الكثير من الأمراض والأقوال التي نرددها ببغائية دون أن ندرك مدى جرحها للآخر المختلف عنا لونا و قافة ودينا، ودون أن ندرك مدى خطرها علينا بالدرجة الأولى لأن العنصرية خطرة على صاحبها قبل خطرها على العدو أو الخصم أو الشريك في الوطن .

بينما كنت أكتب هذه المقالة قال لي صديقي بعد أن اطلع على ما أكتب، أنه حتى في الملاهي وبيوت الدعارة هناك عنصرية واضحة ومقيتة، فيكون سعر الدخلة (فقط دخلة أي مدة حوالي عشرين دقيقة على الأكثر) مع البنت البيضاء القادمة من أي بلد أوربي حوالي 200 دولار بينما يكون سعر الليلة كاملة مع البنت ذات البشرة السوداء أو الملونة يتراوح بين 50 و100 دولار. حتى في الدعارة عنصرية وتمييز. (فوق الموته عصّة قبر) على ما يقول المثل الشعبي.

يتساءل المرء أين تكمن تلك العنصرية المخبوءة؟ ما الذي يجعلها تستمر في لاوعينا دون أن نحس بوجودها؟ إلى أن نفاجأ أنها تسكننا حتى نحن من يتعاطى شؤون الثقافة التي من المفترض أننا تحررنا منها؟

دائما نتساءل نحن العرب، أين الغرب من عنصرية إسرائيل؟ ولكن لنسأل أنفسنا أين أصواتنا في ذم نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا عندما كان قائما ؟ أين مواقفنا مما حصل في رواندا أو دارفور أو حتى منطقة البلقان؟ أين أصواتنا في نقد الظلم الواقع على الأقليات التي تعيش بيننا؟

كم يمتلأ تاريخنا وتراثنا بحياة الجواري والعبيد، التي مازالت حتى اللحظة تدرّس في جامعاتنا ومدارسنا؟ ألم يحن الوقت لتقديم نقد عنيف لهذا التراث، والاعتراف بأن تاريخنا مثله مثل تاريخ أية أمة أخرى يحفل بالخير والعنصرية ومعاداة الآخر، أليس علينا أولا الاعتراف بوجود الشيء كمقدمة لحلّه، من أجل تجاوز ذلك والتطلع للمستقبل، لأن تراثنا يهيمن علينا في الكثير من الأمور .

مازالت ثقافة العنف والجواري والحور العين والعبيد هي المهيمنة، وستبقى ما لم نقدّم القراءة النقدية الجذرية لهذا التراث. ويجب أيضا سن قوانين عصرية يتم بموجبها محاكمة كل من يحرّض على العنصرية أو يتعرّض لشخص ما بسبب لونه أو دينه أو عرقه .

وأخيرا لا بدّ من السؤال: أين علماء الاجتماع العرب، الذين يجب أن تشكل الأمراض الاجتماعية التي يحفل بها العالم العربي والوعي العربي مجال عملهم ؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This