الجدران اللاّمرئيّة : العنصرية ضدّ السّود(18) – عن “الأخدام” والنساء : روايتان من يمن غير سعيد

“طعم أسود… رائحة سوداء” هكذا يعنون الكاتب اليمنيّ علي المقري روايته التي يتناول من خلالها شريحة اجتماعيّة لا يفاجئنا وجودها وحسب، بل يصدمنا هذا الوجود بما يحتوي على انتهاك للحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانيّة. إنّها شريحة الأخدام في اليمن، وبخلاف ما قد توحي به التسمية فالمقصود هم الزنوج تحديداً، وليس أولئك الذين يعملون في الخدمات المنزليّة أو العامّة. يقع الأخدام في القاع الاجتماعيّ؛ بتعبير أحدهم في الرواية: “نحن لسنا عبيداً. العبيد أفضل منّا بكثير، فهم أعلى منّا بدرجة. فوق العبيد هناك اليهود، وفوق اليهود أبناء الخُمس، الدواشنة من المدّاحين والمزيِّنين الحلاقين والجزّارين والحجّامين والحمّامين الخادمين في الحمّامات والدبّاغين والمقهويين والمقوّتين، وفوقهم القبائل، وفوق القبائل المشائخ، والقضاة، ثم السادة”. هي تراتبيّة مفاجئة، فالمزيّنون مثلاً منبوذون، مع وجود خرافة شائعة تقول إنّ من يتزوج بناتهم يتحوّل إلى دود!.

تنطلق الرواية من حدوث اتصال جنسي بين الراوي، الذي كان حينها في سنّ المراهقة، وبين ابنة أحد المزيّنين ليكتشف أنّه لم يتحوّل إلى دود. تحمل الفتاة وتتحمّل وزر الفعل كاملاً، أي تُرجم حتى الموت. الطريف ربّما أنّ المراهق، الشريك في الفعل، يحضر فعل الرجم، ولا تُظهر الرواية لديه ألماً أو انفعالاً بفعل القتل الذي يتمّ أمامه. يعاود المراهق فعلته مع أخت القتيلة بعد فترة قصيرة من الزمن، لكنّه هذه المرّة يقرّر الهرب معها، فيغادران باتجاه مدينة تعز، ولأنّ متن المدينة المكوّن من السادة سيرفض استقبالهما تكون غايتهما هامش المدينة، وهو “المحوى” الذي يقطنه الأخدام. فالأخدام لا يطلقون على مكان إقامتهم صفة المسكن؛ إنّه مجرّد محوى مؤقّت لأناس عابرين، وهو يتألف من عشش، حيث بُنيت كلّ عشّة بما تيسّر لهم من القمامة التي يرميها السادة.

كأنّ الرواية تقول إنّ مَن يخرج عن تقاليد طبقته يحكم على نفسه بالنفي، وبالتحوّل إلى طبقة أدنى، ولأنّ الأخدام هم الأدنى ليس لديهم ما يمنعهم من احتواء مثل هذه الحالات، بل ربّما يجدون لأنفسهم عزاء ضمنيّاً عندما يتحوّل أحد السادة إلى ما يشبههم. مع ذلك لا تبدو هذه الاعتبارات بارزة في عالم الأخدام، فهم لا يشكّلون طبقة بما تعنيه الكلمة من أعراف وتقاليد، على العكس من ذلك؛ السمة المميّزة لمجتمع الأخدام هي البدائيّة، فالراوي اللاجئ إلى “المحوى” يستيقظ في أوّل صباح له على أصوات الأطفال يردّدون بتناغم: “كس زين.. كس زين.. أحسن كس في العالم.. كس زين”. وعندما يتحرّى عن الأمر يكتشف أنّ اسم المحوى هو محوى زين، وأنّ “زين” امرأة محبوبة لأنّ أفراد المحوى كانوا يشبعون بفضل ما تكسبه بفرجها، قبل أن تموت وهي في الثلاثين. أمّا الإحساس بالأسف على موت زين فليس مردّه موتها وهي شابّة، لأنّ عمر الثلاثين هو عمر طبيعيّ في المحوى. بتعبير الرواية “لم يكونوا يرهبون الموت، حين يعلمون بوفاة رجل أو امرأة بلغا الثلاثين من عمرهما، أو أقلّ من ذلك ببضع سنوات. يعتقدون أنّها كافية لعمر الخادم، وأفضل له من بقائه وهو يتعذّب من الأمراض التي تهاجمه طوال عمره، وتصبح صعبة الاحتمال بعد سنّ الخامسة والعشرين، وأصعب بعد الثلاثين”. وبتعبير أحد الأخدام: “ننام مع أوساخنا بلا حمّام. نتبرّز ونبول في الأماكن نفسها التي نأكل فيها ويلعب فيها الأطفال. ملابسنا لا نغيّرها إلا حين تبلى من الأوساخ وتتقطّع وتسقط عن أجسادنا من ذات نفسها. حتّى إننا لو مشينا عراة في المدينة فلا أحد يأبه لنا ويكسونا. يقولون إنّ هذا أمر طبيعيّ بالنسبة إلينا كأخدام”.

مجتمع الأخدام هو مجتمع غرائزيّ بالضرورة، كونها شريحة غير مُعتَرف بأهليّتها إطلاقاً فهذا يعفيها من الضوابط الثقافيّة المؤثّرة في الآخرين. إنّه مجتمع بيولوجيّ بامتياز، حيث السعي يتركّز بمعظمه على تحصيل الحدّ الأدنى غير الكافي للحياة. لعلّ غريزة الجنس هي الترفيه، أو المتنفّس، الوحيد، مع أنّ الجنس أيضاً من مقتضيات البقاء. وعلى الرغم من وجود مؤسسة الزواج، وحالات الغيرة من الأزواج على الزوجات والعكس، إلا أنّ شيوع ممارسة الجنس خارج الزواج، والتغاضي عن ذلك، يخترقان فكرة الزواج المتعارف عليها. لا بدّ من التنويه هنا بغياب القيم الدينيّة، وإذا كان من فضيلة لهذه البدائيّة الفظّة فهي النظر إلى الأخدام كفئة لا تملك من الأهليّة ما يجعلها مكلّفة دينيّاً، الأخدام أنفسهم لا ينظرون إلى أنفسهم على أنّهم بلغوا العتبة الإنسانيّة التي تقتضي ذلك التكليف. بقي أن نشير إلى أنّ أحداث الرواية بمعظمها تدور في مطلع ثمانينيّات القرن الماضي، أي أنّها تعود إلى الأمس القريب، ما يولّد الخشية من أن التراتبيّة المذكورة في البداية ربّما لم تتزحزح كثيراً حتّى الآن.

isdar2alawan25fev

على الضفّة الأخرى في عالم السادة، وتحديداً في عالم السيّدات، نقرأ رواية “حبّ ليس إلا!” للروائيّة نادية الكوكباني، لتأخذنا إلى عالم المرأة اليمنيّة، أو بالأحرى إلى معاناة المرأة اليمنيّة، بما فيها النساء اللواتي قُيّض لهنّ العيش في بيئة هي الأكثر مدنيّة وحريّة. سيبدو التمييز بحقّ المرأة أرحم ممّا هو عليه تجاه الأخدام والمزيّنين مثلاً، وقد تتقاطع معاناة المرأة اليمنيّة مع مثيلاتها في بعض المجتمعات العربيّة، إلا أنّ ميزة الرواية هي في رصدها أعلى ما وصلته، أو تطمح إليه، المرأة اليمنيّة، ما يجعلنا طوال قراءتها نتوقّع الأسوأ؛ ذلك الذي لم يكن من شأنها التطرّق إليه.

المفارقة أنّ اسم الراوية والشخصيّة الأساسيّة في الرواية فرح؛ فرحٌ لا نكاد نلمس ظلاً له على طوال صفحاتها، بل يبقى مؤجّلاً أو مشتهى. تنتمي فرح إلى أسرة ميسورة الحال، مع وجود أب يستلهم مبادئ التقدّم التي أعلنتها الثورة اليمنيّة، لهذا لم تصطدم بما تعنيه أنوثتها في صغرها. أوّل خيبة لها كانت عند حصولها على الشهادة الثانويّة بتفوّق أتاح لها منحة دراسيّة خارج اليمن، يقرّر الأب بحسم: “ما فيش سفر للبنات وحدهن حتى لو للدراسة”. بعد ذلك تتتالى الخيبات، وجزء منها عامّ يتعلّق ببنية المجتمع التقليديّ الذي لم تفلح الثورة في تغيير قيمه، بل ذهبت إلى التعايش والتصالح معها؛ مثلاً شقيق الراوية الشابّ يُقتل على يد مجموعة من قطّاع الطرق، ولا ينكشف أمر العصابة إلا بعد قتلها ابن أحد الوزراء، ثم يضطرّ الوزير إلى المصالحة مع ذوي القاتل والتنازل عن حقّه، لأن العصابة يقودها ابن لشيخ قبيلة.

أن تتوسّل امرأة شرقيّة الحبّ في محيط غير مؤاتٍ لها، “حبّ ليس إلا”، فهذا بحدّ ذاته ليس حدثاً. الأهمّ هي الرومانسيّة الاضطراريّة التي من شأنها إخفاء الرغبات الطبيعيّة لفتاة في العشرين من عمرها، فالراوية تعيش قصّة حبّ مع أستاذها في قسم الفلسفة في الجامعة، وتلتقي به في حديقة منزله لقاءً يخلو من التواصل الجسديّ باستثناء بعض الملامسات العارضة، مثلاً أثناء تناول فنجان الشاي من يد الآخر. هكذا يتكشّف اللقاء عن أستاذ يبادر أدنى قدر من المبادرة، وفتاة سلبيّة تماماً، فينعدم التواصل الذي يجعل العشق عشقاً باستثناء العناق الذي يحصل بينهما لحظة يسافر الأستاذ على وعد بالعودة!. وجه الغرابة الآخر هو أنّ هذه اللقاءات لا تسفر عن تعارف شخصيّ عميق، فالأستاذ لا يعود، والراوية تتزوّج رجلاً آخر، ولا تكتشف إلا متأخّرة جدّاً أنّ الأستاذ متزوّج لذا فضّل الابتعاد عنها.

تتزوّج فرح رجلاً تتوسّم بتحقيق الاستقلاليّة والحريّة من خلاله، بسبب سفراته المتعدّدة وتعامله مع بشر من جنسيّات مختلفة، فيُسفر الزوج عن رجل يفتضّ عذريّتها بقسوة ليتأكّد من شكوكه تجاه عذريّة المتعلّمات، وتكون الليلة الأولى بداية لسلسة من القهر الذي تتحمّله، ولا تطلب الطلاق خشية ممّا تعانيه المرأة المطلَّقة. في الواقع بقي التحصيل العلميّ للراوية بمنأى عن التأثير الفعّال في ظروفها، وعلى الرغم من حصولها على الماجستير في الفلسفة إلا أنّها قبلت بالزواج وهي في السابعة والعشرين خوفاً من المجتمع الذي بات ينظر إليها كعانس، وعلى قسوة زواجها استبعدت الطلاق ما يشي بأنّ مصير المطلّقة أسوأ من قهر أيّ زوج. يتدخّل القدر بموت الزوج، فتحصل فرح على قدر من الحريّة الناجمة عن التعاطف الأسريّ معها، وتعود إلى متابعة دراستها لتلتقي بالحبيب الأوّل وهي تناقش رسالة الدكتوراه في القاهرة. يصارحها بأنّه متزوج وبأنّه أخفى عنها الأمر سابقاً، لكننا لا نلمس لديها ذلك الانفعال الذي تولّده الخديعة، بل بدت أقرب إلى الاستكانة والتسليم بذرائعه!.

هي رواية لا تمثّل نساء اليمن تماماً، لأنّها تمثّل شريحة منهنّ أتاحت لها الظروف بعضاً من الحريّة، ولنا أن نتخيّل إذن ما تعانيه غالبية النساء. في الواقع إنّ كتابة هذه الرواية بحدّ ذاتها فيها نوع من المغامرة، فالرواية تشي بسيَرية ما، سواء من حيث تطابق العمر أو تشابه مستوى التحصيل العلمي بين الراوية والروائيّة، ولعلّ هذا ما دفع بالكاتبة إلى المباعدة بينها وبين الراوية في لفتة جميلة، إذ تشير الراوية إلى تطابق بين حالتها وحالة بطل قصة “مزحة” للكاتبة نادية الكوكباني.

ليس مستغرباً أن تثير رواية نادية الكوكباني استياء الأوساط التقليديّة اليمنيّة، فهؤلاء التقليديّون سبق لهم تكفير الكاتب علي المقري بسبب أشعار له عُدّت بمثابة مسّ بالذات الإلهيّة. وفي مثل هكذا ظروف قد تفرض الاعتبارات الاجتماعيّة نفسها على الكاتب، فيتغلّب الهمّ الاجتماعيّ على دوافع التجريب والمغامرة الفنيّة، وهذا ما يتبدّى في روايتي علي المقري ونادية الكوكباني اللذين أخذا على عاتقهما كشف خبايا مجتمعهما أوّلاً، ليقدّما لنا صورة عن يَمن لا ندري إن كان سعيداً حقّاً في زمن ما، أم أنّ هذه الصفة مجرّد مفارقة مُرّة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق