الجدران اللاّمرئيّة: العنصريّة ضدّ السّود(14): أمّي لا تفضّل لي امرأة خلاسيّة

على عادة الأمّهات؛ يؤرّق أمّي بقائي عازباً، وتعود إلى طرق موضوع الزواج بين الحين والآخر، وأعدها كلَّ مرّة بالامتثال لرغبتها. في إحدى المرّات أشرتُ إلى مذيعة خلاسيّة قائلاً: عندما أعثر على امرأة كهذه سأتزوجّها. ومع أنّ الحديث بدأ من باب الدعابة إلا أنّه اتّخذ منحى جدّيّاً مع استنكار أمّي منّي أن أُعجب بامرأة غير جميلة كالمذيعة المذكورة، رحت أفنّد لها مواطن الجمال في وجه المذيعة، وكانت توافقني الرأي، لكنّها بقيت غير مقتنعة بأنّ مثل هذه الخلاسيّة يمكن لها أن تكون جميلة، لذا أنهت النقاش بما يعبّر عن قناعاتها، وعن سلوكها أيضاًً: الشكل ليس مهمّاً، المهمّ هو التفاهم.

أسوق المثال السابق، وفي جعبة الكثيرين منّا ما يشابهه، للدلالة على عمق المسبقات الثقافيّة التمييزيّة، حتّى لدى أشخاص لا يمارسون سلوكاً تمييزيّاً، بل ربّما كانوا أقرب إلى التعاطف مع المهمَّشين ومناصرتهم، ومثل هؤلاء الأشخاص لا نستطيع محاكمتهم أخلاقيّاً لأنّهم لا يتبنّون أيديولوجيّات عنصريّة، وإن كانوا يتمثّلون في لاوعيهم ثقافة تمييزيّة موروثة ومحدثة في آن واحد. لنعترف في هذا الصدد بأنّ عنصريّتنا مركّبة؛ من جانب لها موروثها، ومن جانب آخر تتماهى مع عنصريّة الأقوى وهو الغرب طبعاً. لا يكفي مثلاً، على أهميّة الحدث، أن ينتخب الأمريكان رئيساً من أصول أفريقيّة لكي نقول إنّ الثقافة الأمريكية تخلّصت من شوائبها العنصريّة، ولو كان الأمر كذلك لما نوّهنا بانتخاب رئيس أسود، ولمرّ الأمر بلا انتباه.

لنعد إلى معايير الجمال المهيمنة؛ أليست جزءاً هامّاً من الثقافة؟ ماذا لو تفحّصنا قائمة عارضات الأزياء الشهيرات “السوبر موديل”؟ كم زنجيّة أو خلاسيّة سنعثر عليها في القائمة؟ ألم تكن نعومي كامبل استثناءً؟ لنأخذ أيضاً قائمة ملكات الجمال؛ أهناك من يتذكّر انتخاب ملكة جمال زنجيّة؟ لا أعتقد أنّ هذا قد حدث حتى الآن. لنستذكر نجمات هوليود الشهيرات، أتوجد بينهنّ فنّانة زنجيّة؟ أيضاً ستكون الإجابة بالنفي. أما على الصعيد الإعلاميّ فتكاد أوبرا وينفري أن تكون ظاهرة لا مثيل لها. وأخيراً أليست المعطيات السابقة جزءاً من ثقافتنا أيضاً؟ أم أنّ هناك من يتوهّم وجود ثقافة عربيّة أو إسلاميّة خالصة وبمنأى عن تأثيرات الآخر؟!

ليس من شأن الأسئلة السابقة أن تحمّل الغرب وزر عنصريّتنا كاملاً، لكنّ هذا لا يعفينا من تفحّص المؤثّرات الثقافيّة مجتمعةً، بما فيها استلابنا الثقافيّ أمام الغرب، مع تأخّرنا الدائم في تلقّي المؤثّرات، وأحياناً المؤثّرات التي يكون الغرب قد تجاوزها فعلاً، أو بصدد مراجعتها. ولعل ما يدلّنا على عمق الاستلاب التشديد المتواصل على مفهوم الهويّة، فلو لم تكن الهويّة بمفهوم العصبويين مهدَّدة لما كان التشديد على صونها من الآخر. أن يكون الغرب قد تخلّص قانونيّاً من تبعات العنصريّة والتمييز فهذا شأن يخصّ المواطن الغربيّ، وقد تتأخّر تأثيراته في الوصول إلينا، أما الظواهر الثقافيّة الغربيّة المعمَّمة، أي تلك التي يتلقّاها عموم الناس عبر الإعلام، فلا تزال تحت هيمنة النموذج الأبيض، ولم ترتقِ بعد إلى عتبة القوانين المعمول بها في بعض الدول الغربيّة.

يساعدنا في عنصريّتنا أنّنا، سكّان المتوسط، أقوام تقع بين حدّي الأسود والأبيض؛ فمن جهة يساورنا نوع من الاستعلاء تجاه الجنوب الأسود، وهو استعلاء كان يجد مبرّرات حضاريّة إلى عهد قريب، ومن جهة أخرى نسعى إلى تمثّل الأكثر بياضاً، أو الأشقر، وهذه عقدة نقص تاريخيّة لدينا تجاه الشمال/الغرب المتفوّق حضاريّاً منذ قرون. نحن أبناء الشمال والجنوب معاً، وهذا المركّب يسهّل علينا تعريف ذواتنا بالانحياز إلى الجهة الأقوى، ويعفينا من تبعات موقع المهمَّش الفعليّ. معركتنا المستمرّة ما تزال هي إثبات الذات، وما تزال في طور إثباتها كمقلوب عن الآخر ومتعالٍ عليه، فلم نصل إلى الذات الناضجة التي ترى نفسها في تكاملها مع الآخر. كأنّ الجغرافيا بدورها تفاضليّة، فيتمايز منها من هو أبعد شمالاً؛ تمايز نراه في أوربا ذاتها، وفي البلد نفسه أحياناً كما يميّز طليان الشمال الثريّ أنفسهم من طليان الجنوب الفقير. في هذا السياق أستذكر إيطاليّة عرفتها قبل سنوات، سألتها بسبب سمرة بشرتها عمّا إذا كانت من الجنوب، فبدت مستاءة من سؤالي وأجابت بترفّع إنّها من الشمال، قلت لها إنني بالمقارنة معها من جنوب الجنوب، فاعتذرت منّي بشدّة وقالت إنني لست معنيّاً بكلامها لأنني لست إيطاليّاً!

ممّا يبعث على الدهشة، ويستدعي التأمل، أنّ ثقافتنا تزخر بمديح السُمرة والعيون السوداء، بينما تتّجه الممارسة الفعليّة إلى تفضيل الأكثر بياضاً والعيون الزرقاء متى أتيح ذلك. أغانينا بغالبيّتها تتغزّل بالحبيبة السمراء، وأشعارنا كذلك، وعند محكّ الاختيار يذهب البحث إلى البيضاء أو الشقراء إن أمكن، فكيف يستقيم التغنّي بنموذج جماليّ ما وتفضيل نموذج آخر عليه في الوقت نفسه؟ ثم إنّ الممارسة التمييزيّة في مجتمعاتنا، بسبب افتقارها إلى الزنوجة، تتمّ بحدّة أقلّ، لكنّها ليست بلا آثار عميقة أو مستديمة خاصّة على صعيد المعايير الجماليّة المطلوبة من المرأة. تستطيع المرأة السمراء في مجتمعاتنا أن تدندن لنفسها بكلّ الأغاني التي تتغزّل بسمرتها، وأن تتمتّع بهذه الثقة أمام المرآة، لكنّها في مواجهة الواقع ستجد نفسها مقصيّة لصالح الأكثر بياضاً، وعليها أن تبذل جهداً مضاعفاً لتثبت أنّها على قدم المساواة مع قرينتها البيضاء المحظوظة. بل عليها أن تحاول باستمرار أن تصبح أكثر بياضاً، ولنا في كميّة المستحضرات التي تُستهلك من أجل تبييض البشرة معيارٌ على مكابدة أولئك النسوة. وإذا استدللنا بالملاحظة العيانيّة سنجد نسبة أكبر من النساء البيض اللواتي اكتفين بما وهبته إيّاهنّ الطبيعة، ولم يبذلن الجهد الذي تبذله نظيراتهنّ السمراوات، وهذا لا ينسحب على العناية بالجسد تحديداً، وإنما يمتدّ ليشمل مناحي مختلفة بما فيها التحصيل العلميّ أحياناً. لقد أدّى هذا حتّى إلى ظلم البيضاوات، إذ باتت شريحة من المجتمع تنظر إليهنّ بنمطيّة على أنّهن أقلّ ذكاء أو مقدرة، أو على أنّهن مجرد شكل فارغ من المحتوى.

ربّما كانت عقدة النقص الحضاريّة تدفعنا إلى تمثّل الأسوأ قي موروثنا، والأسوأ في الثقافة العالميّة المعاصرة؛ موقع الضعف الذي نستقرّ فيه الآن يدفعنا إلى توسّل الماضي الإمبراطوريّ الإسلاميّ، بكلّ ما فيه من قهر لشعوب أخرى، بما في ذلك ظاهرة الرقيق والجواري والخصيان التي تزخر بها كتب العصر الإمبراطوريّ الذهبيّ. يلاقي هذا التوق ما نشهده من نرجسيّة للغرب وتمركزه حول ذاته، وكأنّ الغرب تسيّد موقعاً نحن الأولى به، لذا يكون تعارضنا مع الغرب صراعاً على الأحقّيّة، وفي الوقت الذي نشجب فيه النموذج الغربيّ فإنّ أسوأ ما في هذا النموذج يغلّ في وعينا، بل يحظى بالتقدير. قبل سنوات اكتسحت دمية باربي العالم، صارت باربي هي النموذج الذي يجدر بالمرأة أن تصل إليه، ومن المفارقات أنّ الإيرانيين صنعوا دمية مضادّة، بمواصفات إسلاميّة طبعاً، لكنّ أحداً لم يكترث بهذه الدمية المحجّبة، بقيت باربي إلى أن استنزفت زمنها كأيّة موضة أخرى، وخسر الإسلاميّون تلك المنازلة الجماليّة حتّى في ديارهم.

إن تفحّص موقع المأزوم لا يعني بأيّة حال أن نلتمس لأنفسنا الأعذار، مثلما لا تعني الإشارة إلى الشوائب العنصريّة في الثقافة الغربيّة عزاءً لنا نحن الأكثر تخلّفاً، والحقّ إننا نحكم على أنفسنا بالتخلّف إن لم نواكب الجهد الذي بدأه الغرب منذ نصف قرن في مراجعة وتفنيد المركزيّة الأوربيّة. صحيح أنّ هذا الجهد لم يؤت ثماره تماماً، وهذا أدعى إلى ملاقاته بالمزيد من التكامل الحضاريّ، حينها قد يكون من حسن حظنا أننا لسنا بيضاً تماماً، وأننا لا نسعى إلى أن نصبح كذلك. لعلّ الجغرافيا وضعتنا في موقع تلك الخلاسيّة التي أعود فأعبّر عن إعجابي بها، وأروع ما فيها أنها تجاوزت نقاء الأسود والأبيض.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق