الجرائم الدولية

على مدار وجود المجتمع الدولي تظهر بين حين وآخر طفرات تدفع التطوّر نحو لحظات فارقة في عمره وعمر الفاعلين المؤثّرين فيه، ويُعدُّ بزوغ الأفكار والمفاهيم المرتبطة بتجريم أفعال بذاتها في الأعراف والمواثيق الدولية من التطوّرات المهمّة في تاريخ البشرية؛ من جهة إيجاد روادع تحاول حماية البعد الإنساني في العلاقات بين الفاعلين الدوليين على اختلافاتهم، وفي هذا الصدد تبرز أهمية المنظومة المرتبطة بـ”الجرائم الدولية” التي تتجاذبها العلاقة بين الأبعاد القانونية والسياسية والإنسانية.

وغالبا ما يقصد بالجرائم الدولية كلّ مخالفة للقانون الدوليّ تقع بفعل أو ترك من فرد يتمتع بالحرية في اختيار أفعاله، إضرارا بالأفراد أو المجتمع الدولي بناء على طلب الدولة أو تشجيعها أو رضاها في الغالب، ويكون من الممكن مجازاته جنائيا عنها طبقا لأحكام ذلك القانون. أو هي كما يعتبر البعض مخالفة دولية خطيرة للقانون تهدّد وجود وبقاء جماعات بشرية بعينها، وكذلك السلام والأمن والعلاقات الودّية بين الشعوب، الأمر الذي قد يترتّب عليه ليس فقط الالتزام بالتعويض عن الضرر الناتج وإزالة آثاره، بل وفرض العقوبات الفردية أو الجماعية على الدولة الجانية.

وهناك مجموعة من المحدّدات الإجرائية التي يُعدّ وجودها أساسيا للدلالة على حدوث الجرائم الدولية، ومن أهمّ تلك المحدّدات:

انتهاك أو مخالفة لقواعد القانون الدولي، لاسيما فيما يتعلّق بقوانين الحرب وأعرافها.
المساس بالمصالح أو القيم التي تهمّ المجتمع الدوليّ ككلّ، أيّا كانت الصورة التي يتّخذها ذلك المساس.
الجسامة، حيث لا بدّ من أن تنطوي الجريمة الدولية على أفعال ذات جسامة أو خطورة خاصّة.
مسئولية الفرد جنائيا عنها، بمعنى أن تنسب المسئولية الجنائية عن ارتكاب تلك الجريمة إلى الشخص الطبيعي (سواء بصفته الشخصية أو باعتباره ممثلا للدولة) الذي قام بتنفيذ تلك الجريمة.

وبصفة عامّة، يمكن تقسيم الجرائم الدولية إلى نوعين أساسيين هما:

الأوّل: الجرائم العادية التي ترتكب في عدّة دول، ويشترك فيها أفراد من جنسيات مختلفة (كتهريب المخدرات، الاتّجار في الرقيق…. وغيرها).

الثاني: يشمل الجرائم التي تمسّ قواعد النظام القانوني الدوليّ، لاسيما فيما يتعلّق بحقوق الإنسان والإنسانية بشكل عامّ، وهى تضمّ: جرائم الحرب War crimes، جرائم إبادة الجنس Genocide، الجرائم ضدّ الإنسانية Crimes against humanity. كما تضاف إليها أنواع أخرى مثل الجرائم ضدّ السلام Crimes against peace، وجريمة العدوان Aggression….، وغيرها.

وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أنّ الفقه القانوني الدولي لا يعرف وجودا لقائمة جامعة مانعة للجرائم الدولية، والشاهد على ذلك أنّ الوثائق الدولية التي اهتمّت بتناول وتعداد هذا النوع من الجرائم حرصت دائما على تأكيد أنّ هذا التعداد لا يعني عدم وجود جرائم أخرى لم ترد فيها. وفيما يلي محاولة لإلقاء الضوء على التطوّرات التي لحقت بمفاهيم أهمّ الجرائم المندرجة في إطار النوعية الثانية التي تشكّل مساسا بقواعد القانون الدولي الإنساني والحقوق الرئيسية للإنسان، وهى:

{{أوّلا: جرائم الحرب:}}

هي “كل فعل (أو امتناع عن فعل) صادر عن شخص طبيعيّ، مدنيّ أو عسكريّ، ينتمي لأحد طرفي الصراع ضدّ أشخاص أو ممتلكات أفراد العدوّ العامّة أو الخاصّة إبان فترة الحرب أو النزاع المسلّح، مع كون هذه الأفعال تشكل انتهاكا لقوانين وأعراف الحرب المذكورة في اتفاقيات لاهاي 1899و1907، واتفاقيات جنيف 1949، فضلا عن البروتوكولين الإضافيين الملحقين بها عام 1977، وما يستجدّ من اتفاقيات ومعاهدات وأعراف دولية في هذا الصدد”.

ويمكن من خلال القراءة المتعمقة في فقه وتعريفات جرائم الحرب القول بأنّ:

كلّ انتهاك لقواعد وقوانين وأعراف الحرب (أي القانون الدولي الإنساني) يعتبر جريمة حرب.
جرائم الحرب -بناء على ذلك- ليست محصورة في عدد بذاته من الجرائم.
جرائم الحرب يمكن أن تقع في إطار الصراعات المسلحة ذات الطبيعة الدولية، أو حتى خلال الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة التي تحدث على الصعيد الداخلي في أي من دول العالم. ويرتبط ذلك بعنصر أساسي هو أن يترتب على ارتكاب هذه الجريمة ضرر ما، إما لمنشآت الدولة أو لأحد الأفراد التابعين لها.
ارتباط جرائم الحرب بانتهاك قوانين وأعراف الحرب يجعل من تحديد قاعدة القانون التي تمّ انتهاكها أمرا لازما لتحديد الأركان الأساسية في الفعل الذي يشكّل ارتكابه جريمة الحرب، ولا يحتاج الأمر مجهودا كبيرا إذا كانت القاعدة التي تمّ انتهاكها قاعدة من القواعد المكتوبة في القانون الدولي حيث يكون من السهل تحديد أبعاد القاعدة القانونية التي تمّ انتهاكها ومن ثمّ تحديد أركان الجريمة…أمّا إذا كانت القاعدة عرفية أو تدخل في إطار القانون العرفي أو أعراف الحرب، فلا بدّ من بذل الكثير من الجهد للتثبت من مدى توافر شروط ارتكاب الفعل المجرم بموجب القاعدة العرفية.
القانون الدولي الإنساني لا يضع عقوبة لكلّ جريمة حرب، بل يترك هذه المهمّة للتشريعات المحلية في إطار جهودها لقمع انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

{{ثانيا: جرائم إبادة الجنس:}}

رغم حداثة مفهوم إبادة الجنس”Genocide”، فإنّ الظاهرة نفسها ليست جديدة، حيث ارتبط ظهورها بحروب الغزو التي غالبا ما كانت تشهد حدوث عديد المذابح ضدّ الطرف المهزوم. وقد كان القرن العشرون غنيّا بالأحداث والفظائع التي تعدّ تجسيدا حيّا لتلك الظاهرة، الأمر الذي دفع فقهاء القانون الدولي والمعنيين بحقوق الإنسان قبيل منتصف هذا القرن نحو تكثيف جهودهم بهدف وضع الخطوط العامّة لمفهوم “إبادة الجنس”، ومن ثمّ دفع المجتمع الدوليّ نحو تجريمه ومعاقبة مرتكبيه، متأثّرين في ذلك باثنين من أهمّ نماذج عمليات إبادة الجنس التي شهدها العصر الحديث، وهما: العمليات الموجهة ضدّ الأرمن في الإمبراطورية العثمانية بين عامي 15-1916، وعمليات الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الغجر واليهود في أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية.

وفي هذا الإطار كان للفقيه البولندي اليهودي “رفائيل ليمكن” دور بارز في صياغة هذا المفهوم، وذلك من خلال كتابه “حكم المحور في أوروبا المحتلة” الذي صدر في عام 1944. وقد قام فكر “ليمكن” على اعتبار أنّ جرائم إبادة الجنس ليست جرائم حرب بل هي جرائم موجّهة ضدّ الإنسانية جمعاء.

وقد مارس ليمكن (الذي كان يعمل مستشارا لوزارة الحرب الأمريكية) والمقتنعون بفكره ضغوطا متواصلة ومكثّفة على المجتمع الدولي، أسفرت في نهايتها على تبنّي الجمعية العامّة للأمم المتحدة لاصطلاح إبادة الجنس معرفة إيّاه بأنه: “إنكار حقّ الوجود لجماعات بشرية بأكملها”، وأصدرت في عام 1946 القرار رقم 96/1 الذي اُعتبرت بموجبه إبادة الجنس جريمة دولية لتعارضها مع روح الأمم المتحدة وأهدافها. وفي عام 1948 أقرّت الجمعية العامة وبموجب القرار 260 اتفاقية منع جريمة إبادة الجنس والعقاب على اقترافها، سواء وقعت في زمن السلم أو في زمن الحرب.

وقد عدّدت هذه الاتفاقية الأفعال التي يشكّل ارتكابها بنيّة التدمير الكلّي أو الجزئيّ لجماعة عرقية معيّنة “جريمة إبادة جنس”. ووفقا للتعريف الذي وضعته الأمم المتحدة في هذه الاتفاقية فإن جريمة إبادة الجنس تتكوّن من عدة أركان محورية هي:

1-فعل جنائي.

2-تعمد التدمير الكلّي أو الجزئي.

3-جماعة إثنية أو قومية أو دينية.

إلا أن هذا التعريف يعتوره عديد المثالب، أبرزها خلوّ التعريف من أيّ إشارة إلى الجماعات السياسية، حيث لم يعتبر أنّ ارتكاب الأعمال التي جرّمت بموجب الاتفاقية في حقّ أيّ من الجماعات السياسية من قبيل جرائم الإبادة الجماعية أو إبادة الجنس، متبنّيا بذلك الرؤية السوفيتية القائمة على اعتبار أنّ الجماعة السياسية ليست ذات خصائص ثابتة أو ليست جماعة متجانسة، لاسيما وأنّها تعتمد على إرادة أفرادها في البقاء معا، ومن ثمّ فهي قابلة للتغيير. وقد اعتبر كثير من الخبراء في ذلك الوقت أنّ استبعاد الجماعات السياسية من نطاق تعريف جرائم الإبادة الجماعية يعدّ بمثابة ضوء أخضر للحكومات المختلفة للقضاء على الجماعات أو العناصر السياسية المختلفة إذا ما حاولت الإطاحة بها أو منافستها في الحكم.

وفي الإطار ذاته يخلو مفهوم جرائم إبادة الجنس كما تبنّته الأمم المتحدة ممّا يطلق عليه “الإبادة الثقافية” بمعنى التدمير الفعليّ والمتعمّد لثقافة جماعة إنسانية بعينها.

من ناحية أخرى يشترط التعريف ذاته أن تكون أفعال الإبادة قد اقترفت عمدا، وهو ما يثير صعوبات جمّة، لاسيما وأن إثبات القصد الجنائي بشكل قطعي يعدّ أمرا صعبا للغاية، ومن ثمّ فهو يتيح للدول مخرجا سهلا للتنصّل من مسئوليتها عن ارتكاب مثل هذه الجرائم، وهذا ما حدث بالفعل عندما تمكّنت حكومة البرازيل من الإفلات من الجرائم التي ارتكبتها في حقّ بعض السكان الأصليين في عام 1969 بدعوى عدم توافر القصد العمدي، وتكرر الأمر ذاته مع حكومة الباراجواي عقب المذابح التي ارتكبتها في حق إحدى الجماعات المحلية في عام 1974.

{{ثالثا:الجرائم ضدّ الإنسانية:}}

كان الظهور الأوّل لمفهوم الجرائم ضدّ الإنسانية “Crimes Against Humanity” في محاكمة مجرمي الحرب من النازيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية (والمعروفة بمحاكمات نورمبرج) في عام 1945، حيث نصّ النظام الأساسي لتلك المحكمة على اختصاصها بالنظر في مسئولية الأفراد عن الجرائم ضدّ السلم وجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية.

ومنذ نشأته، كان هذا المفهوم محلّ بحث ونقاشات مستمرة، لاسيما وأنّه حظي بعناية واهتمام العديد من المؤسسات والهيئات؛ مثل لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، فضلا عن عدد من المنظمات غير الحكومية والعديد من الجهات الأكاديمية المتخصصة.

ورغم ذلك لم يتم التوصل لاتفاق حول المفهوم العام للجرائم ضدّ الإنسانية، وهذا ما فسّره البعض في ضوء ما يثيره هذا المفهوم من حساسيات سياسية، وأحيانا دينية، جعلته محلّ خلاف مستمرّ بين المعنيين بهذا الشأن، كما عرقلت توصّل مندوبي الدول المختلفة في المحافل الدولية للاتفاق حول الخطوط العريضة التي تحدّد أبعاد هذا المصطلح وحدوده.

وبصفة عامّة، تتّجه قواعد القانون الدولي الإنساني نحو وضع تعريف للجرائم ضدّ الإنسانية ينصرف إلى اشتمال الأفعال التي تضمّ قتل المدنيين أو إبادتهم أو تهجيرهم، أو أيّ أعمال غير إنسانية توجّه ضدّهم سواء قبل الحرب أو خلالها، وكذلك أفعال الاضطهاد المبنية على أسس دينية أو سياسية أو عنصرية. ومن ثمّ تتقاطع الجرائم ضدّ الإنسانية في جانب كبير منها مع كلّ من جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية، فمن ناحية أولى تلتقي الجرائم ضدّ الإنسانية مع جرائم الحرب التي ترتكب ضدّ قوانين الحرب المعروفة، مثل الاغتيالات وسوء معاملة المدنيين في الأراضي المحتلة، أو قتل الأسرى أو معاملتهم على نحو قاس أو نهب الأموال العامة أو الخاصة وتدمير المدن. ومن ناحية ثانية، تشترك مع جرائم إبادة الجنس لاسيما فيما يتعلق بقتل أفراد جماعة وطنية ما، أو إلحاق أضرار مادية أو معنوية بأفرادها، النقل القسري لأفرادها …وغيرها.

ومع الاعتراف بتداخل الحدود الفاصلة بين الجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم إبادة الجنس (حيث من الممكن أن ينتمي ذات الفعل إلى كل من الفئات الثلاث في الوقت ذاته)، لا يزال من الممكن التمييز ما بين الأنواع الثلاثة، وذلك بناء على الأركان المكونة لكل نوع من الجرائم، فعلى سبيل المثال لكي ينتمي ارتكاب جريمة قتل إلى طائفة جرائم الحرب من اللازم أن يتم في إطار نزاع مسلح، أما انتماؤه لطائفة الجرائم ضدّ الإنسانية فيستوجب أن يُرتكب في إطار هجوم منظم ضدّ جماعة معينة من السكان، ومن ثم يمكن القول إنّ الركن المعنوي لجريمة القتل كجريمة حرب يستوجب وجود النية لقتل شخص ما أو عدة أشخاص. أما ذلك الركن في الجرائم ضدّ الإنسانية فلا يكتفي بالنية لقتل شخص ما بل يجب أن ترتبط بكون الرغبة في قتل ذلك الشخص جزءا من عملية هجوم واسعة النطاق ومنظمة موجهة ضدّ جماعة معينة من السكان المدنيين. ويعدّ الركن المادي في جرائم إبادة الجنس أكثر تحديدا إذ يجب أن تكون الرغبة في القتل جزءا من الرغبة في التدمير الكلى أو الجزئي لجماعة ما وذلك على أسس عنصرية.

ومن ناحية أخرى تنحصر الجرائم ضدّ الإنسانية في تطبيقها في الأعمال العدائية الموجهة ضدّ السكان المدنيين، وذلك على عكس جرائم الحرب التي غالبا ما تكون موجّهة ضدّ أفراد القوات المسلحة (كالقتل والمعاملة السيئة لأسرى الحرب أو استخدام الغازات والأسلحة السامة خلال المعركة).

أمّا جوهر جرائم إبادة الجنس أو الإبادة الجماعية، فليس التدمير الفعلي لجماعة معينة بقدر ما هو وجود نيّة التدمير الكلّي أو الجزئي لتلك الجماعة، ويترتّب على ذلك نتيجتان في غاية الأهمية، هما:

أوّلا: أنّه إذا ما تمّ تدمير جماعة ما والقضاء عليها بالفعل، ولكن دون إثبات وجود نية مسبقة لتدميرها والقضاء عليها، لا يمكن الإدعاء بارتكاب جريمة إبادة جنس أو الإبادة الجماعية.
ثانيا: أنّ ارتكاب جريمة قتل ضدّ شخص واحد فقط يمكن أن تصنّف كجريمة إبادة جنس أو جريمة إبادة جماعية، إذا ما ثبت أنها تمّت في إطار مجموعة من الأفعال تهدف إلى القضاء على، أو تدمير، الجماعة التي ينتمي إليها ذلك الشخص.

ووفقا لمشروع القانون الذي أعدّته لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة عام 1996 بشأن الجرائم ضدّ أمن وسلام البشرية، فإن درجة الخطورة هي التي تحدّد الخطوط الفاصلة ما بين الأنواع المختلفة من الجرائم في هذا الإطار، وتعدّ درجة الخطورة انعكاسا للظروف التي ارتكبت فيها الجريمة.

ففي حالة جرائم الحرب لا بدّ أن ترتكب تلك الجرائم خلال صراعات أو نزاعات مسلحة، أما الجرائم ضدّ الإنسانية فمن الممكن أن ترتكب في وقت السلم أو الحرب، إلا أنها لا بدّ أن تكون جزءا من عملية منهجية منظمة للقضاء على جماعة إنسانية بعينها، الأمر الذي يعنى أنّ الجرائم ضدّ الإنسانية من غير الممكن أن تكون عمليات عنف معزولة أو عشوائية. أي أنّ الطابع المنهجيّ المنظّم للجريمة يعدّ جزءا أساسيا في حالة الجرائم ضدّ الإنسانية، إلا أنه لا يزيد عن كونه شرطا إضافيا في جرائم الحرب، فجريمة الحرب قد تتمّ (ولكن ليس من اللازم أن تتم) في إطار ممارسات منظمة واسعة النطاق، وعندما يحدث ذلك تصبح تلك الجرائم أشدّ أو أكثر خطورة ممّا لو ارتكبت بشكل غير منظّم. وتزيد خطورة هذا النوعية من الجرائم إذا ما كانت موجهة ضدّ إحدى الجماعات الإنسانية على أساس تمييزيّ.

ويمكن القول إنّ الجرائم الدولية لا تزال من الموضوعات الخلافية في القانون الدولي، حيث لا يزال من الصعب تحقّق ما يمكن تسميته بالاتّفاق الكامل على أنواع الجرائم الدولية، فكما سبقت الإشارة لا توجد قائمة جامعة مانعة لهذه النوعية من الجرائم، ولا يزال المجتمع الدولي يشهد خلافا بين فقهاء القانون الدولي حول بعض الجرائم التي تندرج في إطار الجرائم الدولية لاسيما جريمة العدوان (التي لم تنجح جهود وضع تعريف لها في مؤتمر روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية الذي عقد في عام 1998، رغم الاعتراف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية الدائمة بالنظر في محاكمة مرتكبيها). بل لا يزال هناك بعض الخلافات حول تحديد الأفعال التي تشكل الأنواع المختلفة للجرائم الدولية، بل وحول ترسيم الحدود الفاصلة ما بين هذه الأنواع من الجرائم.

الأمر الذي يؤكد أنّ عملية تعريف المفاهيم والجرائم الدولية تخضع في جانب كبير منها للعوامل والتفاعلات السياسية والاعتبارات المصلحية، وهذه تحكم التفاعلات ما بين الدول المختلفة في المحافل والمؤتمرات الدولية، التي عادة ما يتمّ خلالها وضع التعريفات والاتفاق على الخطوط العريضة التي تشكّل الأركان التي تقوم عليها الأنواع المختلفة للجرائم الدولية.

ومن ثم يصبح العامل الحاسم في تحديد الأفعال التي يستوجب ارتكابها إعمال النظام الجنائي الدولي، هو ما تمّ الاتفاق عليه بالفعل في هذا الإطار ما بين الدول المختلفة من قواعد وأسس قانونية يجب الالتزام بها، بحيث يعدّ الخروج عليها ارتكابا للجرائم الدولية على نحو يجب معه اللجوء لإعمال النظام الجنائي الدولي…، وعليه يصبح من الممكن القول إنّ الأمر مرهون في النهاية بمجموعة القواعد والأعراف القانونية التي تم الاتفاق على أنّها تشكّل الإطار القانوني المنظم للجرائم الدولية، وعلى أنه يمكن الاحتكام إليها للوقوف على ارتكاب الجرائم الدولية من عدمه ومن ثم محاسبة مرتكبيها.

{{ الإطار القانوني:}}

يمكن إجمال أهمّ المواثيق الدولية التي تحدد أبعاد الجرائم الدولية وترسي أسس معاقبة مرتكبيها في:

مجموعة الأعراف الدولية التي تكون القانون الدولي الإنساني، لاسيما تلك الخاصة بتقرير الحماية الإنسانية لكل أفراد البشر وتحرّم تعرّضهم لأيّ هجمات، وهذه الأعراف استقرّت منذ وضعت اتفاقيات لاهاي لسنتي 1899و 1907 وكذلك اتفاقيات جنيف لعام 1949.
قانون مجلس الحلفاء رقم 10 بشأن معاقبة الأشخاص المرتكبين لجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية الصادر في 6/12/1945 والذي طبقته المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرج.
ميثاق المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى الصادر في 29/4/1946 الذي طبقته المحكمة في محاكمة مجرمي الحرب في طوكيو.
برتوكول جنيف الدولي الأوّل الذي تمّ إلحاقه باتفاقيات جنيف والذي يرسى قاعدة حماية المدنيين في زمن المنازعات المسلحة الدولية، والذي تمّ التوقيع عليه من الدول الأعضاء في اتفاقيات جنيف في عام 1977.
مشروع قانون الجرائم ضدّ أمن وسلامة الإنسانية الصادر بوثيقة الأمم المتحدة رقم أ/2693 لسنة 1954، ومشروع قانون الجرائم ضدّ أمن وسلامة الإنسانية والذي وضعته لجنة القانون الدولي في جلستها رقم 46 والصادر بوثيقة الأمم المتحدة رقم أ/46/ 10 في عام 1991.
قانون المحكمة الدولية لمحاكمة الأشخاص المسئولين عن الانتهاكات الجسيمة للقوانين الإنسانية والتي تم ارتكابها في يوجوسلافيا السابقة والصادر في 25/5/1993 بوثيقة الأمم المتحدة رقم 827 لسنة 1993.
قرار مجلس الأمن رقم 955 لسنة 1994 والذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا في 8 نوفمبر 1994 بموجب وثيقة الأمم المتحدة رقم 955 لسنة 1994.
مشروع قانون الجرائم التي تم ارتكابها ضدّ أمن وسلامة البشري الذي أعدته لجنة القانون الدولي، والذي ورد بوثيقة الأمم المتحدة رقم 32 لسنة 1996.

{{هيمنة البعد السياسي:}}

يمكن من خلال استقراء عملية صياغة تعريفات أنواع الجرائم الدولية ووضع الأسس والقواعد القانونية للمعاقبة على ارتكابها، التأكّد من أنها كانت خاضعة في جانب كبير منها للاعتبارات السياسية العالمية، المرتبطة بتوازن القوى بين الدول والتكتلات السياسية المختلفة، عبر المراحل والحقب المتعاقبة للقرن العشرين الذي شهد جلّ جهود تعريف تلك النوعية من الجرائم والمحاسبة على ارتكابها.

فكما سبقت الإشارة، جاء تعريف جرائم الإبادة الجماعية نتاجا لعمل المفكر اليهودي رفائيل ليمكن، وقد أدّت الجهود والضغوط التي مارسها ليمكن ومؤيّدوه على مستوى المجتمع الدولي إلى تبنّي الجمعية العامة للأمم المتحدة لاصطلاح إبادة الجنس معرفة إيّاه بأنّه: “إنكار حقّ الوجود لجماعات بشرية بأكملها”، واستمرارا لجهودها في هذا الإطار أصدرت الأمم المتحدة في عام 1946 القرار رقم 96/1 الذي اعتبرت بموجبه إبادة الجنس جريمة دولية لتعارضها مع روح الأمم المتحدة وأهدافها. وفي عام 1948 أقرّت الجمعية العامة وبموجب القرار 260/3 اتفاقية منع جريمة إبادة الجنس والعقاب على اقترافها، سواء وقعت في زمن السلم أو في زمن الحرب.

من ناحية أخرى يتّسم التعريف الذي وضعته الأمم المتحدة في هذا الإطار بالخلوّ من أيّ إشارة إلى الجماعات السياسية، حيث لم يعتبر أنّ ارتكاب الأعمال التي جرّمت بموجب الاتفاقية في حقّ أيّ من الجماعات السياسية، من قبيل جرائم الإبادة الجماعية أو إبادة الجنس، متبنّيا بذلك الرؤية السوفيتية القائمة على اعتبار أنّ الجماعة السياسية ليست ذات خصائص ثابتة أو ليست جماعة متجانسة، لاسيما وأنها تعتمد على إرادة أفرادها في البقاء معا ومن ثم فهي قابلة للتغيير.

كما أن آليات تفعيل اتفاقية الإبادة ورد عليها عديد القيود العملية، وهي تعكس في جانب كبير منها رؤى عدد من الدول وتحفظاتها، فقد أقرّت الاتفاقية آليات أربع لمعاقبة مرتكبي هذه النوعية من الجرائم هي:

المحاكمة أمام محاكم الدولة التي ارتكبت تلك الجرائم على إقليمها.
اللجوء إلى محكمة جنائية دولية تنشأ بغرض النظر في تلك الجرائم.
اللجوء إلى بعض فروع ومؤسسات الأمم المتحدة المؤهلة لتقوم بتبني الإجراءات المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.
اللجوء الفردي إلى محكمة العدل الدولية، إلا أن هذه المحكمة لا يمكنها سوى شجب و إدانة الدولة المسئولة عن ارتكاب تلك الجرائم، كما إنها لا تملك حق إدانتها من خلال إجراءات عقابية. فضلا عن أن عددا كبيرا من الدول الاشتراكية -آنذاك- عند توقيعها اتفاقية إبادة الجنس أضافت تحفظا رفضت من خلاله حق الدول الأخرى منفردة رفع الأمر إلى المحكمة.
وكلها آليات تعكس في مجملها حرص مختلف دول العالم على عدم المساس بسيادتها أيا كانت الظروف.

على صعيد آخر، كان للتطبيقات العملية لفكرة محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية (والتي تجسدت على أرض الواقع من خلال إنشاء محاكم دولية في أعقاب عدد من الصراعات) دور كبير في توضيح أبعاد تعريفات العديد من الجرائم الدولية، فضلا عن دورها في إرساء بعض أهم قواعد محاسبة مرتكبيها، إلا أنه لم يتم تناولها في هذه الإطار لأسباب منهجية تتعلق بتقسيم الدراسة، حيث سيجرى تخصيص فصل كامل لتناولها وبحث آثارها على الصعيدين العملي والنظري.

فعلى سبيل المثال لم تصبح جرائم الحرب وجرائم إبادة الجنس خاضعة للاختصاص العالمي لمؤسسات النظام الجنائي الدولي إلا في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وعقد محاكمات مرتكبي هذه الجرائم في ألمانيا واليابان (محكمتي نورمبرج وطوكيو)، حيث ترتب علي تلك إنشاء هاتين المحكمتين، وما تم خلالهما من مناقشات قانونية، وما أصدرتاه من أحكام، أن أصبح خضوع العقاب على ارتكاب تلك الجرائم (خاصة جرائم إبادة الجنس أو الإبادة الجماعية) لسلطة المحاكم ذات الاختصاص العالمي من المبادئ المعترف بها والمقررة في القانون الدولي العام.

وأخيرا تجدر الإشارة إلى أنّ جريمة العدوان تعدّ من أهم صور الجرائم الدولية، لاسيما تلك التي تمسّ الحقوق الأساسية للإنسان، وقد نما في الآونة الأخيرة توجّه قويّ نحو معاقبة مرتكبيها، حتى أنها أصبحت واحدة من الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن الظروف والملابسات السياسية كانت سببا رئيسيا في عدم وصول فقهاء القانون الدولي والخبراء المعنيين بهذا المجال إلى اتفاق حول ملامح تعريف واضح لهذه النوعية من الجرائم، التي لا تزال تثير العديد من مظاهر الجدل، بحيث يحظى هذا التعريف بقبول دول العالم المختلفة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق