الجريمة ومداها الهشاشة البشريّة ومداها

بينما كنت ألاعب الطّفلة الرّضيعة “عائشة” وأتأمّل بشغف دهشة الحياة الوليدة في مرحها، كان التّلفزيون التّونسيّ يبثّ مشاهد إحدى مسيرات المساندة للشّعب الفلسطينيّ. صور وخطب منتقاة بعناية قطعتها فجأة لحظة فريدة لطفل تونسيّ يمسك بيد أمّه وباليد الأخرى يحمل صورة طفل فلسطينيّ قتيل. بلا كلمات أو شعارات انخرط الطّفل في نشيج ألم مرّ. بكائيّة متواصلة لجسد هشّ مندهش من قسوة الجريمة الباردة. بكائيّة ذكّرتني لوهلة بما عبّر عنه “جون جنغ” ممثّل مفوّضيّة الأمم المتّحدة لشؤون اللاّجئين في فلسطين حين قال : ” لقد بلغنا مرحلة تبدو فيها اللاّانسانيّة جليّة للعيان وصادمة من حيث طبيعة الجراح وقسوتها ومداها”.

فليست الجريمة في حدّ ذاتها هي موضوع حرقة الطّفل ودهشته المرتاعة بل هو مداها وطبيعتها. إنّها قدرة آلة الدّمار على أن تنزع عن الأطفال طبيعتهم الإنسانية وتقدّمهم قرابين لمفاهيمها الخاصّة حول “الدّفاع المقدّس عن النّفس” و”مقاومة الإرهاب” و”محاربة الشرّ المطلق”. فالطّفل في غزّة لم يعد ذلك الكائن المنتمي إلى سجلّ إنسانيّ تغنّت به الأشعار الرّومانسيّة والمقولات الأخلاقيّة الدّينيّة والعقلانيّة والنّظريّات التّربويّة والاجتماعيّة والنّفسيّة الحديثة ومبادئ الاتّفاقيّة الدّوليّة لحقوق الطّفل، بل هو الطّفل المشبوه والمنتمي بالضّرورة إلى “الأب الإرهابيّ” و”الأمّ” الإرهابية و”الشّعب الإرهابيّ” . إنّ نزع بشريّة الكائن البشريّ هي التي تسمح بتدمير الإنسان في غزّة وهي آليّة العنف ذاتها التي سمحت للاّاٍنسانيّ أن يحدث في مذابح العقود الأخيرة: في روندا والكوسوفو وأفغانستان والعراق ودارفور ولبنان.

الحرب على الأطفال في غزّة اليوم، وفي أماكن أخرى في الماضي القريب والبعيد، وتجنيدهم في لعبة آلة المصالح هي حرب على نضارة التّاريخ وعلى ما يمكن أن يسمح في يوم من الأيّام بالعمل على إنتاج الأحلام والمشاريع والنّضارة.

الجريمة لا تكمن فقط في عمليّة القتل المنفعل أو البارد والمنظّم، بل تكمن كذلك في أن تُشيح بوجهك عن الضّحيّة. أن تقتُل بدون حرب تتواجه فيها قوى العنف بخططها وأيديولوجياتها وقوانينها، بل أن تقتل من عليائك مستمدّا شرعيّة تدمير الآخر وكينونيّته الإنسانية من وهم تفوّقك الحضاريّ والتّكنولوجيّ على الآخر “المتوحّش” الذّي يتباعد حضوره لدى مالك القوّة كمنافس أو غريم.

إنّ استهداف المدنييّن بهذه الطّريقة المدهشة في قسوتها لا يهدف فقط إلى هزيمة الآخر عسكريّا بل إلى تدمير المجتمع. فالحصار الاقتصاديّ وتفكيك البنى السّياسيّة وتدمير البنية التّحتيّة واستهداف مؤسّسات اللّجوء والتّعليم والصّحّة يصبح قابلا للتّبرير حين تنزع عن الإنسان في غزّة صفة تساويه في الإنسانيّة مع القاتل ومن يسانده. إنّها العمليّة العسكريّة القائمة على رمزيّة جوهريّة تتمثّل في وجود مراتب غير متساوية في المنزلة الإنسانيّة بين شعوب العالم.

وإذا نزلنا بالضحيّة إلى أسفل مراتب الإنسانيّة ودمّرنا مجتمعها فاٍنّه يمكن أن نصفّي مشروعها الأساسيّ وهو الحقّ في تقرير المصير. فالمعادلة تتحوّل، في رؤى القاتل، بفعل هذا التّدمير للإنسان والمجتمع من مواجهة شعب له مطلب أساسيّ هو التّخلّص من الاستعمار وتقرير المصير إلى التّعامل مع جزر من الكائنات الغريبة المعزولة التي تبحث عن البقاء.

واستهداف الإنسان الفلسطينيّ ومجتمعه هو استهداف كذلك للخطاب السّياسيّ والأخلاقيّ والقانونيّ الذي يمكن أن يقترح رؤيته للعالم ومشروعه والذي يمكن أن يحميه من إغراء اليأس وحباله. فالحقّ في تقرير المصير الذي قام بدور جوهريّ في المشاريع والحوارات السّياسيّة والقانونيّة في فلسطين وفي عديد بقاع العالم في العقود الأخيرة وأثّر في الخطاب الدّوليّ حول حقوق الإنسان وفي تنظيم الدّول، هو ضحيّة أساسيّة أخرى لما يحصل أمام أنظار العالم.

وأمام جريمة قتل الفلسطينيّ ومجتمعه ومشروعه هناك جرائم أخرى من التّناحر السّياسيّ بين الفرقاء الفلسطينييّن وتغليب لغة المواجهة العاطفيّة على لغة المشروع الأخلاقيّ والسّياسيّ والقانونيّ ومحاولات استعمال الجسد الفلسطينيّ الجريح أداة لمصالح غائمة تتنازع حولها بلدان عربيّة وأجنبيّة من خلال بعض المفاوضات ومن خلال إعادة توزيع مصالح إستراتيجيّة يغيّب منها النّاس ومن خلال توتّر عاطفيّ محموم لمحطّات تلفزيونيّة وفيلق من المثقّفين والخبراء استبدلوا الفكر السّياسيّ والأخلاقيّ والقانونيّ بالانتصار للغة البريق الإعلاميّ والمصالح الآنيّة.

هل أصبح عالمنا اقلّ إنسانية أمام قتل الإنسان وطفولته في غزّة أم أنّا أمام مشكلة هشاشة إنسانيّة وعدم قدرة على الاقتراح؟ اٍنّه السّؤال ذاته الذي طرحناه في العقود الأخيرة أمام هول مشاهد الدّمار في أماكن أخرى قريبة منّا أو بعيدة.

لقد تعمّقت الهوّة أكثر فأكثر بين المعالجة العنيفة والأمنيّة للقضايا والمطالبات الملحّة بعالم أكثر إنسانيّة من خلال المظاهرات الحاشدة والمواقف والبيانات. وفي كلتا الحالتين هناك أزمة حلول ومقترحات إنسانيّة تجعل من العنف في حياتنا الوسيلة الأسهل لحلّ صراعاتنا ومشاكلنا.

فالحكومات المعولمة تعيش أزمة اقتراح حلول لمشاكل الأزمات الاقتصاديّة والسّياسيّة والاجتماعيّة والأمنيّة بشكل يضع مشروعيّتها الدّيمقراطيّة وغير الدّيمقراطيّة موضع سؤال. بل إنّ المعالجة الأمنيّة والعنيفة للقضايا الدّاخليّة والخارجيّة قد نزع عن عديد الحكومات آخر إمكانيّات الشّرعيّة. وحتّى البحث عن تكتّلات إقليميّة ودوليّة لمعالجة هذه القضايا قد أصبح غائما ومستعصيا على الإدراك.

أمّا القوى المناهضة لهذا التوجّه الأمنيّ والمصلحيّ المتوحّش فهي غارقة في إكراهات عديدة لعلّ من أهمّها عدم قدرة المجتمع المدنيّ على التّحوّل إلى قوّة اقتراح.
إٍنّها الهشاشة الإنسانيّة التي لم تعد عاجزة عن اقتراح حلول للمشاكل السّياسيّة والقانونيّة والأخلاقيّة فحسب، بل أصبحت عاجزة كذلك عن إدارة المصلحة. ولنا في الأزمة الماليّة العالميّة الأخيرة مثال على عمق الأزمة.

لقد عاد العديدون إلى التّبشير بمقولة قديمة/جديدة متجدّدة هي أنّ الحرب والعنف يمثّلان أحيانا حلولا للمشاكل حين تصطدم الأخلاق والسّياسة والقانون بحدودها وتتحوّل إلى رومانسيّة أو يقع استعمالها لتبرير اللاّاٍنسانيّ. فهل ستطلع من هشاشتنا المؤلمة رؤى أخرى لاقتراح حلول وأمثلة لعوالم أقلّ افتتانا بالجريمة؟

أليس وقف قتل الفلسطينيّ واستباحة إنسانيّته وتمكينه من حقّه في تقرير المصير هو أحد أهمّ المطالب التي تتوقّف عليها أخلاقيّة عالمنا وهي سبيلنا لإعادة التّفكير في رؤيتنا الأخلاقيّة لأنفسنا؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق