الجريمة

إلى أيسر: شقيقي المقتولِ عمداً في ليلةٍ من شتاء العام1997

لا تَحضُر الغربانُ إلى موقع الجريمة إلاّ بعد الشروق

لتنشرَ سوادَها حجَّةً رنّانةً ضدَّ بياضِ هذه الكذبة الأزلية المسمّاةِ بـِ(الصباح).

لتُلْقِيَ – مستعينةً بوسائل الإيضاح المتوفرة في مختبرِ العراء من شمسٍ وصمتٍ وأظافرَ وترابٍ مدمّى- درسَها الخالدَ الرتيب .

لتستطيع أنْ تَأملَ – إذا وَجدتْ في الضحيّة بقيَّةَ رَمَق- أن يلبّيَ نعيقَها اللجوج َأحدٌ ما في الجوار: تَسَرَّبَ إلى منامه دخانُ حريق، أوشوَّشتْ صَلاتَه شروخٌ في الجدران، أو عَكَّرتْ فنجانَه الأوّلَ بقعةُ دم.

سيكون على مجرمِ العتمةِ إذن أن يُمضيَ الليلَ في انتظارها مستضيئاً باللهب النافر مِن حدقتي الضحية(وهو ما صار نادرَ الحدوث بعد فضيحةِ قابيل)، أو أن يدسَّ سلاحَه في كفِّ القتيل، يغسلَ يديه في أقرب بئر، ويتوارى..قامة ً تسحلها الأيام بين كهوف الحُمّى، وروحاً تُمَوِّهُ عواءَها بنشيج النَدَم.

ويبقى الطعينُ طافياً على صقيع اليأس.

كلّما أَفْلَتَ مِن دوّامةِ غيبوبةٍ، انهالت على رأسه مطارقُ الصحو.

أنَّةً أنّةً إلى أن تقتنعَ البرِّيَّةُ الظمأى أنّ هذا الجسدَ لم يُخلَق للتكفير عن خيانات الغيوم.

خَلجةً خلجةً إلى أن ينزاحَ حذاءُ السماء القاتمُ عن خدِّ الأرض.

قطرةً قطرةً ليَشهدَ الراقدون في الكواليس الدافئة- إذا تفقَّدوا المنصَّةَ غداً- ماذا أنجَز مُخرِجُ هذا الزمهرير.

أيّة خلفيّةٍ تشكَّلت أمسِ سوداً يَكتم خريرَ الفرات، غباراً يهشِّم مصابيحَ الأزقة، صفيراً يذرو بين القناطر مواقدَ السكارى.

تمهيداً لأيِّ مشهد ٍ مواكَبةً لأيةِ خطى تَواصَلَ منذ الغروب حتى السَّحَر زعيقُ العجلاتِ على الإسفلت، رنينُ الأقفال في الأقبية، وخبطُ الأجنحةِ على الشبابيك.

أمامَ مَن كانت الريحُ تتلو همهماتِ المُلَقِّن العجوز،

خلف مَن كانت تنشد دورَ الجوقةِ النائحة.

بعد أيِّة صرخةٍ تراشَقت البروقُ بالسهام،لأية انحناءةٍ زخَّتْ تصفيقاتُ الرعود.

على أيِّ ختام- حين تناهتْ من البعيد أبواقُ بناتِ آوى- أغمضت الأعالي وأُسْدِلَتْ ستائرُ المطر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق