الجسد النَّسويّ.. مفخّخاً

يتوسَّل العقل التدميريّ، في صبغته العربية والإسلامية المتطرِّفة، شتّى الوسائل لتحقيق نفعيته التي تسم مجمل أشكال تداوله في الواقع اليوميّ انطلاقا من القاعدة الشهيرة “الغاية تبرّر الوسيلة”.

وتحت عناوين من قبيل “التكليف الشرعيّ”، و”ضرورات الجهاد”، و”الدفاع عن الدين والأمّة”، و”الظفر المؤزَّر بالجنَّة”، يلجأ دعاة هذا العقل إلى استنفار كلّ الموارد البشرية المتاحة، وعلى نحو سافر، من أجل تحقيق الهدف المقيت الذي ينشدونه، ومن ذلك توظيف المرأة كمورد بشريّ ناعم Soft في برامجهم القتالية، وهو التوظيف الذي أمسى مؤشّراً كارثياً في عالمنا الراهن إذ أنّه يجعل من الجسد النسويّ الناعم وسيلة لقتل البشر من جهة، وتفجير كينونته من جهة أخرى، فبدلاً من أن تكون المرأة مصدر خصب للحياة والوجود العامّ، تمسي وسيلة مجدية لتدمير الحياة البشرية ووجودها الخاص معاً.

منذ القدِم، كانت المرأة شريكاً للرجل في بناء الحياة. وكانت عضواً فاعلاً في الحركات النضالية والتحرّرية عبر مراحل عدَّة شهدها العالم الحديث، خصوصاً في عقود القرن العشرين التي صارت المرأة فيها، فضلاً عن ذلك، جزءًا من منظومة الدفاع عن قضايا التحرّر. ففي عام 1978 كانت الفتاة الفلسطينية “دلال المغربي” قد قامت بعملية فدائية ضدّ الجيش الإسرائيلي، وكانت بذلك الأنموذج النسويّ العربي المبكِّر الذي يوظِّف الجسد النسويّ في عملية فدائية، لكنّ استشهادها والتمثيل بجثّتها قد بعثا الإحباط في نفوس دعاة التحرير من توظيف المرأة ثانية في هذا المجال، في حين عدَّها بعض المحلّلين بادرة ستقود إلى محاولات تالية، وهو ما حصل بالفعل بعد سنوات، وإن تأخّرت قليلاً.

في أتّون الحرب بين الشيشان والروس، كان المشهد أكثر وضوحاً حول توظيف الجسد النسويّ في التفجيرات الانتحارية؛ ففي 28/9/2007 قالت “فريال لغاري”، الباحثة في شؤون الأمن الإرهاب، لبرنامج “صناعة الموت” الذي تبثّه “قناة العربية”، وتقدّمه الإعلامية الجريئة ريما صالحة: “عندما نتأمَّل الحالة الشيشانية، سنجد أن نسبة 42 % من عمليات التفجير الانتحاري نفّذتها نساء”. وأكَّدت أيضاً أنّه، وخلال “الفترة من 2002 ـ 2006، كانت أوّل عملية تفجير انتحاريّ قد نُفّذت بواسطة امرأة، تلك المرأة كانت في التاسعة عشر من عمرها، وكانت تلك حالة فريدة، لأنّها مثَّلت نقطة تحوُّل في عملية التفجير الانتحاريّ”. وربّما تكون تلك الفتاة من جماعات ما يعرف في الشيشان بـ”الأرامل السود”، تشبيهاً لهنّ بنوع من “إناث العناكب”.

في مطلع تسعينات القرن الماضي، وبينما كان “الأفغان العرب” يتدرّبون في معسكرات طالبان بأفغانستان، كانت مجموعات من النسوة الفلسطينيات من مدينة غزّة قد التحقن بأزواجهنّ الفلسطينيين. وهناك تمّ تجهيزهنَّ للتدريب العسكريّ؛ تدريبهنّ على بقر بطون الحيوانات وحشوها بالموادّ المتفجِّرة، ومن ثمّ تفجير تلك الحيوانات عن بُعد.

وفي هذا السياق يعتقد بعض المحلّلين أنّ قادة طالبان ما كانوا يثقون بقدرة المرأة على قتال من هذا النوع (1)، ولذلك ما كانوا يحبّذون تدريبهنّ، لكنّ اختيار النساء لعمليات قتال انتحارية ستروق لأجيال أخرى ممّن درّبتهم طالبان، ومن ذلك جيل أبو مصعب الزرقاوي، بل الزرقاوي نفسه، الذي وجد ضالّته في النسوة الانتحاريات لتحقيق مآربه الجهادية ذات الطابع التدميريّ الشامل التي جرّبها في العراق بعد انهيار نظام صدام حسين.

كانت تلك بشاعة ممجوجة لدى أولئك النسوة؛ فما كان يمكث في نفوسهنّ هو القناعة بأنهن كائنات ولدن للخلق والنماء، وأنّ مشاهد موت الكائنات بفعل ما صنعته أناملهنّ ليشي بقهر ذواتهنّ وتشويه نفوسهنَّ الرقيقة. إلا أنّ تذمرهنَّ لم يغب عن بال تلك الثلّة الضالة من فقهاء الموت في طالبان، والتي ترسم للتدريبات العسكرية أطرها الفكرية والعقائدية والأيديولوجية التبريرية، فرُحن، (أولئك النسوة) يتلقّين محاضرات في ضرورات الجهاد، والحطّ من قيمة أجسادهنَّ مقابل جماليات الجنَّة الموعودة، وما أشبه من أفكار تهدف إلى تقبُّل النسوة لفكرة الجهاد، ولطريق الموت بالانتحار.

مع ذلك، ما كانت استهانة دعاة العقل التدميري بالجسد النسوي الناعم تلقى ذلك القبول الكلّيّ لدى النسوة زوجات المجاهدين، بل كان بعضهنَّ يرفض البقاء في المعسكرات وهنَّ معزولات عن أزواجهنّ، وسط إحساس يحدوهنَّ بأن وجودهنَّ قريبات من أزوجهنَّ سيحدّ من عزائمهم الجهادية كما كان يشيع ذلك فقهاء طالبان. وعندما رجعن إلى غزّة، وبعضهنَّ ذهب إلى دول الخليج العربي بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، تكون الأمور قد هدأت، لكننا لو نظرنا إلى حالات الجهاد الإسلامي “كتائب شهداء الأقصى، وحركة الجهاد الإسلامي” (2) ضدّ الكيان الصهيوني في فلسطين لوجدنا عدداً من الانتحاريات اللواتي كنَّ مستعدّات لتفجير أجسادهنّ في أيّ موضع بإسرائيل، وكان ذلك يستمدّ مدده من تجربة النسوة الأوائل اللواتي ذهبن إلى أفغانستان من جهة، ومن تجربة الانتحاريات في الشيشان اللواتي كنَّ السبّاقات في توظيف أجسادهنّ بالعمليات الانتحارية. ما يعني أنّ ثمّة سياقات ثقافية أصبح لها تراثها لأيّ تطلُّع متطرِّف من شأنه توظيف النساء في عمليات من هذا النوع.

وكلنا يتذكَّر مجموعة الفتيات الفلسطينيات اللواتي فجَّرن أنفسهنّ في أزمان مختلفة بين عامي 2002 ـ 2004 مثل: وفاء إدريس/ 26 عاماً، ودارين محمد توفيق أبو عيشة/ 22 عاماً، وآيات الأخرس/ 18 عاماً، وعندليب طقاطقة/ 18 عاماً، ونورا جمال شهلوب/ 15 عاماً، وهبة سعيد دراغمة/ 19 عاماً، وهنادي جرادات/ 28 عاماً، وريم صالح الرياشي/ 22 عاماً، وسناء قديح/ 33 عاماً، وزينب علي عيسى أبو سالم/ 18 عاماً.

قد تكون الحالة الشيشانية ـ الروسية مقدِّمة كبرى على طريق توظيف الجسد النسويّ الناعم في تدمير وجوده ووجود الآخرين، وهو ما يعرف بالتدمير المزدوج. إلا أنّ ما جرى في العراق، منذ انهيار الدولة والنظام السياسيّ السابق في 9/نسيان/ 2003، كان نقطة تحوُّل في تاريخ تفخيخ الجسد النسويّ وتفجيره؛ فالعراق الذي فُتحت حدوده أمام الجميع في ظلّ غياب الدولة، ورعونة سياسات دول الجوار وتشفِّيها بحالة الانهيار الكلّي والشامل التي ضربت العراق من أقصاه إلى أقصاه، وضحالة المشروع الأمريكي في التغيير المأمول على هذا العراق، جعلت من هذا البلد مسرحاً مفتوحاً أمام الجميع لكي يعبث بأمنه، ويكفر بوحدته، ويمزِّق كيانه، ويبدِّد ثرواته، ويقتل شعبه على أسس عنصرية وعرقية وطائفية ومذهبية ومناطقية، وهو ما جرى بالفعل ابتداءً من شهر آب/ أغسطس 2003 حيث أوّل العمليات التفجيرية التي طالت مقرّ السفارة الأردنية بحيّ الزهور وسط العاصمة بغداد، حتى آخر عملية إجرامية كبيرة الأثر تلك التي جرت في 19/ أغسطس 2009 عندما تمَّ تفجير شاحنتين مفخّختين بمادة (C4) شديدة الانفجار أمام مقرّي وزارة الخارجية ووزارة المالية في بغداد العاصمة، بضفتيها الكرخ والرصافة، راح ضحيتها نحو 100 قتيل، وأكثر من 700 جريح بحسب إحصاءات وزارة الداخلية العراقية.

بدأ دعاة العقل التدميريّ عملياتهم الانتحارية تحت عنوان “الجهاد” ضدّ المحتل الأمريكي وأعوانه من العراقيين الذين جاءوا على متون الدبابات الأمريكية إلى العراق. وكان مصطلح “الجهاد” بديلاً عملياً عن مصطلح “النضال” ضدّ الإمبريالية الغربية هذه المرّة.

وكان تنظيم “القاعدة” التي وصلت مجموعاته إلى شمال العراق منذ عام 2001، قد قاد هذا “الجهاد” بمساعدة “جماعات عراقية” سنّية، شيعيّة، بعثية، عشائرية، مستاءة من التغيير الشامل الذي تريده الولايات المتحدة الأمريكية للعراق. وكلاهما التقت مصالحه معاً لتبدأ رحلة البحث عن تدمير العراق Destroy Of Iraq وليس تحريره من المحتلّ الأمريكي الغاصب، فعلى مدى السنوات الماضية دمَّر هؤلاء الأخضر واليابس، ولم يزرعوا وردة واحدة وسط الخراب، وكلّما كانوا يتقدَّمون خطوة في سبيل التدمير، يتراجعون خطوات نحو الإيغال أكثر في قتل الشعب العراقي، وكانوا كلما خسروا طاقاتهم البشرية يصنعون “فتاوى دينية” غريبة المنحى، تبيح توظيف كل الممكنات البشرية من أجل التخريب وإحلال الدمار بالبلاد وقلبها على رؤوس العباد، فصار العراقيون يحملون أرواحهم على أكفّهم أينما حلّوا أو ارتحلوا؛ فلا السماء تنجيهم من القذائف التي يمطرها التدميريون على رؤوسهم، ولا الأرض تصدُّ عنهم المركبات المفخّخة بداية، والدراجات النارية تاليا، والعبوات اللاصقة أخيراً، ناهيك عن الاغتيالات، وجزِّ الرقاب، وخطف أبناء العباد بعد ابتزازهم.

في مدينة “القائم” العراقية أو مدينة “تلعفر”، وفي فجر أحد أيام عام 2004 كانت إحدى الفتيات قد ربطت على خصرها النحيل “حزاماً ناسفاً”، وكان أحد أمراء تنظيم “القاعدة” في تلك المنطقة العراقية البعيدة عن العاصمة بغداد، قد ربطه لها بمساعدة إحدى نسائه أو حريمه، ووعد المنفّذة بالجنَّة، وأكَّد لها أنّ ما تفعله سيرضي الله سبحانه وتعالى، وأنّها بهذه العملية الانتحارية ستجعل العراق خالياً من المحتلين الأمريكيين الكفرة، بحسب تعبيره. فذهبت هذه الفتاة إلى نقطة الهدف، فوجدت مجموعة من الشباب العراقيين الفقراء والعزَّل والمعدمين وهم يحاولون التطوُّع في صفوف الجيش العراقي الجديد لسدّ الحاجة إلى لقمة العيش، ذهبت شطر استعلامات أحد مراكز التطوُّع العسكرية، فدخلت وهي تحثُّ الخطى بينهم لتفجِّر نفسها، وليتطاير جسمها أشلاء في الهواء، وليتحوَّل المشهد إلى كارثة كان اللحم البشريّ فيها يتطاير متفحّماً هنا وهناك، وبدت الأرواح وقد زهقت نافرة إلى مستقرّها الربّاني، وكان دعاة التدمير ومريدوه يقفون على مسافة مائتي متر من موقع الحدث، فقالوا لحظة نجاح العملية وبصوت احتفالي: “الله وأكبر.. الله وأكبر”.

يومها، ولأيام خلت، لم يعرف الناس أنّ امرأةً هي التي نفَّذت تلك العملية البشعة، لكنّ أفراداً من الجيش العراقي قالوا: “إنهم وجدوا كفّ فتاة، وأجزاء من ثوب فتاة في أرض الحدث”، فاستدلّوا على ذلك بأنّ فتاة انتحارية هي التي نفّذت هذه الجريمة، وهذا ما أكَّدته بيانات “تنظيم القاعدة” لاحقاً من أنّ “مجاهدة” قتلت مرتدِّين عراقيين كانوا يرومون العمل ضمن صفوف الجيش العراقيّ الذي يدرّبه المحتلّ الأمريكيّ الكافر!

لقد انكشفت الصورة الخاصة بلحظة الصفر في التنفيذ، وصورة ما بعد التنفيذ حيث الخراب والموت البشريّ الرخيص. ولكن ماذا عن صورة ما قبل التنفيذ؟

الأغلب أنّ هذه الفتاة هي صغيرة السنّ، لكنها قاب قوسين أو أدنى من سنّ البلوغ حسب لغة المتفقَّهة. ولنفترض أنّها فقدت زوجاً أو أخاً أو أبا أو أُمّاً في حرب تحرير العراق، أو أنّ القوات الأمريكية قتلت أحداً من ذويها. والمهمّ أننا نفترض وجود فجوة وجد دعاة العقل التدميريّ فيها مدخلاً إلى كيان هذه الفتاة. وهناك روايات تقول إنّ مثل هذه الفتاة يتزوّجها أحد من يعرف بـ “المجاهدين”، ويمضي في طريق “الجهاد” ليموت “شهيداً في سبيل الله” بحسب بلاغة هذه الجماعات، وإذا كانت لهذا الشخص زوجة فيجب أن تمضي هي الأخرى على الطريق ذاته الذي مضى فيه زوجها من ذي قبل، لغرض الظفر بـ “الشهادة” معاً، من خلال قتل وإبادة أكبر عدد من الكفّار الأمريكيين أو العراقيين المرتدّين من السائرين في دروبهم.

وهكذا، فبدلاً من أن يوفِّر دعاة العقل التدميريّ المأكل والمأوى النزيه والشريف واللائق لهذه الفتاة وهي التي ضحَّت بزوجها في سبيل “القضية”، يعمد هؤلاء إلى القضاء عليها وحرمانها من نعيم الدُّنيا من خلال تدريبات فكرية مكثَّفة من “غسيل الدماغ”، والترويض، والترغيب، وربما الترهيب، وربما حقنها بعقارات استرخاء إذا تردَّدت استعداداً لساعة التنفيذ.

لنتصوَّر الجسد النسويّ، الناعم، الرقيق، الرحيم، وقد تسوَّر بحزام من القنابل القذرة المعدِّة للتفجير، إنّهما نقيضان وقد التقيا عند خاصرة المرأة الناعمة التي تزهو يوما بحمل جنين.

إنّ الجسد النسويّ خُلق للخصب والنماء، وبثّ الجمال في الحياة الدنيا، ووجد ليخوض الجنين في ظلماته الدافئة أيامه الأُولى، أيام الخلق والتكوين، وليشهد أولى صرخات الوليد، وليمرح الطفل بملمس الجسد الأُنثويّ الناعم، ودفئه الحاني، وروائح الأمومة فيه، ووجد أيضاً ليمنح الطفل غذائه الحليبي النادر. وهكذا ولد الجسد النسويّ للخصب والنماء والوجود، وليس للقتل والتدمير والإبادة الجماعية والنفي والعدم الممقوت.

كان دعاة العقل التدميريّ الذين قادوا الإرهاب في العراق، ومنهم أبو مصعب الزرقاوي، قد وجدوا ضالّتهم في النساء كنماذج بشرية من الممكن استثمار كيانها في شحذ همم المقاتلين الذكور من جهة، وتوظيف أكبر عدد من الطاقات النسوية في عملهم التخريبيّ تحت عنوان “الجهاد” من جهة ثانية. ولذلك راحت جماعات هذا العقل تجنِّد النساء على مستويين؛ مستوى التحضير والإعداد يقمن به نسوة معينات، ومستوى التنفيذ الميداني يتم اختيار فتيات معينات له.

لا يتحرَّك دعاة العقل التدميريّ إلا وفق رؤيتهم الخاصة، فهم يختارون الفتيات من بيئة مغلقة دينياً مذهبياً واجتماعياً. وعندما ألقت القوات الأمنية العراقية في مدينة بعقوبة، بتاريخ 24 ـ 25/8/2005 على الانتحارية “رانيا إبراهيم” أو “رانيا مطلك العنبكي”، كشفت هذه الفتاة عن طرائق ومناهج تجنيدها، وعن البيئة الاجتماعية والدينية التي عاشت في كنفها. فقد كانت والدتها “سعاد الخزرجي”، وخالتها “وجدان الخزرجي”، هما اللتان هيّأتاها للعملية الانتحارية الفاشلة، أمّا والدها فقد قتل في عملية انتحارية نفّذها بمدينة “أبو صيدا” في بعقوبة قبل ذلك التاريخ، بينما يقبع أحد أخوتها في السجن ممّا اضطرّها إلى الزواج من أحد عناصر تنظيم “القاعدة” في منطقتها، وهو الذي رغّبها لخوض غمار تلك العملية الانتحارية بمساعدة والدتها وخالتها.

في نوفمبر 2005، كانت العراقية “ساجدة الريشاوي” قد استعدَّت لتفجير جسدها في أحد فنادق العاصمة الأردنية عمّان. كانت ساجدة امرأة ريفية تبيع الخضروات في أحد أسواق المناطق الغربية بالعراق. وقبل العملية الانتحارية التي طلب منها تنفيذها، كانت ساجدة قد تزوَّجت من أحد أعضاء تنظيم “القاعدة” في العراق الذي كان يقوده أبو مصعب الزرقاوي الذي خطط لهذه العملية. وكان أخوة الريشاوي الثلاثة قد شاركوا في عمليات انتحارية ليفقدوا حياتهم، ولتبقى ساجدة وحيدةً حائرةً لا تملك من المعرفة والتعليم ما يؤهّلها لاتخاذ موقف معيّن يبعدها عن طريق الموت هذا، لكنها وجدت نفسها مجبرة على المضيّ قدماً في هذا الطريق، فذهبت إلى عمّان، ورأت بأمّ عينها زوجها وقد فجَّر جسده في ذلك الفندق، في حين لم يحالفها الحظّ لتقوم بالفعل ذاته ولتفشل في العملية، ويتمّ إلقاء القبض عليها، وإحالتها إلى القضاء الأردني.

وإذا كانت العراقية ساجدة الريشاوي لم تحصل على فرصة للقيام بعملية انتحارية داخل العراق، ولتذهب إلى الأردن بحثاً عن فرصة لكنها فشلت، فإن البلجيكية “موريل ديغوك/ 38 عاماً” التي انتسبت إلى تنظيم “القاعدة” في أوروبا بعد إشهار إسلامها، حملت نفسها وذهبت إلى العراق في عام 2005. ففي نوفمبر/ تشرين الثاني من ذلك العام تجهَّزت بحزام انتحاري غطى خصرها، وذهبت برفقة أمراء من “التنظيم” إلى منطقة معينة في مدينة بعقوبة شمال بغداد بانتظار عبور دورية عسكرية أمريكية، وعندما اقتربت تلك الدورية نفّذت العملية، ولكن دون أن تقتل أي أمريكي.

كانت هذه النماذج النسوية الانتحارية مقدِّمات عملية ليتحوَّل الأمر إلى سياق وأسلوب، وتتمادى تنظيمات القتل والتخريب، ويتمادى دعاة العقل التدميري في توظيف المزيد من النسوة للقيام بعمليات انتحارية في مدن العراق، بعد أن ضاقت سبلهم في “محافظة الأنبار” التي تحرَّرت منهم بصولة من أهاليها الذين وجدوا في مساعي تنظيم “القاعدة” لتجنيد النسوة توجهاً سافراً، خصوصاً وأن أمراء التنظيم بدؤوا يضغطون على الأهالي بتزويج بناتهم القصَّر لمقاتلي التنظيم، وبعد يومين من الزواج تحال العرائس إلى عمليات انتحارية وسط شعور الأهالي أن طريقة التنظيم هذه لا تعدو أن تكون طريقة للاستهانة بالمرأة العراقية، والضحك على ذقون أبناء المجتمع العشائري في تلك المناطق.

وكلما ضاقت فرص حصول تلك التنظيمات على النسوة العراقيات والعربيات لتفخيههنَّ، نراها تلجأ إلى ما هو أكثر تعبيراً عن لا أخلاقيات رؤاهم صوب المرأة، ففي إحدى العمليات الانتحارية التي جرت في عام 2008 ببغداد، وظَّف قادة التخريب والقتل والموت إحدى الفتيات من ذوي الحاجات الخاصة، وقال اللواء عبد الكريم خلف، مدير عام العمليات في وزارة الداخلية، إنّ التفجير الذي جرى في “سوق الغزل” المكتظّ ببائعي الطيور والحيوانات المنزلية، نفّذته شابة عمرها 15 سنة وكانت مختلَّة عقلياً.

إنّ اللجوء إلى توظيف “الجسد النسوي العليل” في عمليات انتحارية تهدف إلى قتل الناس الأبرياء وقتل الفتاة المختلة عقلياً، لا يعدو أن يكون تدنيساً لكرامة هذا النوع من النسوة اللواتي هنَّ قاصرات عن العقل والإرادة والقرار؛ فأي امتهان هذا الذي يحطُّ من كرامة المرأة، وأية عقلية تدميرية تلك التي تنحدر إلى مستوى رخيص حتى ترمي بالجسد العليل إلى محارق القتل الجماعية.

لقد كان عام 2008 عاماً حافلاً بتوظيف النساء في العمليات الانتحارية، ففي وقت تقول فيه إحصاءات وبيانات الجماعات المسلحة التابعة لتنظيم “القاعدة” وأخواته بأنها جندت نحو 77 امرأة كلها حققت هدفها، قال عبد اللطيف ريان، المستشار الإعلامي لقوات التحالف في العراق: “إن عدد اللواتي نفّذن عمليات انتحارية بأحزمة ناسفة في العراق وصل إلى 49 انتحارية حتى مطلع شهر أيلول/ سبتمبر 2008، مشيراً إلى تنفيذ 27 عملية في عام 2008. إلا أنّ إحصاءات إعلامية تابعت المشهد الأمني في العراق أشارت إلى وصول عدد العمليات إلى أن أكثر من 60 عملية انتحارية حقَّقت الهدف المنشود منها في محافظات العراق مثل: الموصل، ديالى، الأنبار، كركوك، بغداد، بابل، كربلاء” (3).

يمثل هذا التكليف العدواني لجسديَّة المرأة في العالم العربي امتداداً لواقع التردي الذي أذاق المرأة العربية صوراً من القهر المجتمعي، والفقر الاقتصادي، ومن ثم القهر الأصولي الذي جاء لينقضَّ على موجودية المرأة العربية من خلال تفخيخ جسدها وتفجيره أمام الملأ، وفق منظورات أصولية متطرِّفة تهيمن على المسرح في العالم العربي والإسلامي.

{{رسول محمد رسول: كاتب وأكاديمي عراقي.}}

{{الهوامش:}}

1- أنظر مقال بيتر بيرغن وبول كروكشانك : الانتحاريات.. واجهة الإرهاب الجديد، “مقال”، جريدة الشرق الأوسط، عدد “10484”، 13 أغسطس 2007.

2- تقول بعض المصادر إن الشيخ “أحمد ياسين” ما كان يوافق على توظيف النساء في العمليات الانتحارية ضدّ جيش الاحتلال الإسرائيلي. أنظر في هذا الصدد مقال “من يقف خلف النساء الانتحاريات؟”، ترجمة: عمار كاظم محمد، عن جريدة “النيويورك تايمز”، مقال إلكتروني. أنظر موقع جريدة “المدى العراقية” الإلكتروني.

3- أنظر في هذا السبيل: سامان نوح: عراق الغد.. ظاهرة الانتحاريات في العراق نتاج تخلف وفقر أم مقاومة؟، (مقال)، موقع “www.alshahed.free – forums.org” الإلكتروني.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق