الجماعة الحوثية المقاتلة في صعدة / وضاح شرارة

لعل حسين بدر الدين الحوثي ـ أحد الأخوة الأربعة، ومتصدر اخوته، وقائد الانعطاف بالشباب المؤمن الى حركة جهادية على صنعاء ودولتها، وفقيه هذا الانعطاف وقتيل «حرب صعدة» الأولى في 2004 لعله مرآة انقلاب الجماعة الزيدية بصعدة من حال يعاصر معظمها الانقلاب الجمهوري وذيوله وتلابيبه المتأخرة، الى حال تعاصر ما دخل فيه اليمن، ومن ورائه جزيرة العرب وحوض الخليج شرقاً والقرن الإفريقي غرباً، وما صار إليه. فحسين الحوثي هو مبتدئ «الفرقة» الحوثية وصاحب استوائها فرقة وداعيتها الأول، وعبدالملك بدر الدين الحوثي، قائد الحروب الخمس التالية، الى آذار 2010، هو خالف أخيه على الفرقة و «السائر على خط (إمامه)». وقد يكون ابتداء الفرقة الحوثية وانشقاقها أو انعطافها خلاف فريقي «الشباب المؤمن» على سياسة المنتدى «التثقيفية»، أي على العقائد والإمامة. ومدار الخلاف، على ما مر، وهو على الترجح بين «الانفتاح» الجمهوري، والانخراط في حياة سياسية يمنية عامة ومشتركة، وبين «استهلاك الموضوع الثقافي والفكري والتركيز على القضايا التقليدية القديمة»، على قول محمد عزان. وفي القلب من القضايا مسألة الإمامة الزيدية واشتراط النسب، من غير إغفال ركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخروج على الحاكم الفاسد أو الظالم.

 

[التأويل والصرخة

وبدا حسين الحوثي، في عين عزان، «تقليدياً»، على معنى محمول على مسألة النسب الإمامي ومشتق من المسألة. وقد يسوغ النعت توسل الحوثي الابن، شأن أبيه العلامة والمرجع، بالمصطلح الفقهي المتعارف والمألوف. ولكن النعت يغفل عن دور المصطلح الفقهي الجديد. فـ «التقليديون» المفترضون أو المزعومون جزء من قيادة شبابية وجماهيرية أهلية بعيدة من أطر التقليد السابقة ومراتبه ودوائره. وليس معنى التقليد الزيدي «الصعدوي»، في التسعينات وأوائل العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، هو معناه في مطارحات الشيخ أو السيد المؤيدي وأحمد بن محمد الشامي وبدر الدين الحوثي وغيرهم مثلهم. والانكفاء على «التقليد» في الظرف الجديد هو ثمرة نازع الى بناء قاعدة سياسية واجتماعية وجغرافية بصعدة تقوم مقام «قاعدة» حرب الشعب في المصطلح الماوي الصيني، و «البؤرة» في مصطلح الحرب غير النظامية الكاستروية الغيفارية، ومقام «المهجر» وملجأ المكفّرين والمفاصِلين المجاهدين في مصطلح الجهادية الجديدة. وليست المقارنة توحيداً ولا إنكاراً لما بين المصطلحات من فروق عميقة. فهي تنبه الى روابط الانكفاء الأهلي الظاهر، المحلي والمذهبي، بعوامل جديدة ومختلفة، وإلى «حداثة» الشكل السياسي والاجتماعي الناجم عن هذه الروابط. وتأريخ مراحل الاختلاف في صف «الشباب المؤمن»، ثم انفصال أفرقائه واستقلال بعضهم عن بعضهم الآخر، قرينة على ملابسة «التقليد» المزعوم معاني جديدة بعيدة من معانيه التقليدية.

فاقتصرت المرحلة الأولى (الى 1999 على وجه التقريب) على خلاف على التمثيل القيادي، وعلى بعض مضمون التدريس في الدورات التثقيفية الصيفية. واقتُرح «توسع في المراكز» (محمد عزان) علاجاً للخلاف. واتسعت شقة الخلاف في العام 2000 غداة عودة حسين الحوثي من السودان حيث حصل شهادة جامعية في «علوم الدين» (والسودان يومها، معقل حركة حسن الترابي واختباره وحزبه، «دولة إسلامية» يتولى ركن القوة فيها الجيش وكبار ضباطه الانقلابيون وهو ملجأ أسامة بن لادن وكارلوس الفينزويلي المقاتل تحت لواء وديع حداد… والحق ان الكلام على دراسة حسين الحوثي في السودان عار من أضعف إشارة الى مشاربه ومنازعه في ذلك الوقت). فالتوجه على «المذهب السني»، والأصح على مجتمعات المسلمين السنة، بالنقد لم ينتهج النهج «التاريخي» المعروف، جامع «المثالب» من وجه والفضائل والمكارم من وجه آخر، ومعارض هذه بتلك ومقدم الفاضل على المفضول في أحسن الأحوال. وهذا ما كان علماء الزيدية لا يغالون فيه ولا يبالغون، على خلاف بعض الفرق الإمامية.

فنحا حسين الحوثي نحواً عملياً أساسياً حربياً) ومعاصراً، ونعى على «أهل السنة عامة» انهم «لا يخيفون اليهود»، على قوله في «دروس (5) من هدي القرآن الكريم». وهو حمل الكتاب على «صرخة في وجه المستكبرين»، ونصب حرب المستضعفين والمستكبرين مرجع الدين والاعتقاد والتأويل العام والأول، وحمل التدين او الإسلام على الحرب هذه. وعلى هذا، أخرج من إدانته «أهل السنة عامة» بعض أعلامهم، مثل محمد بن عبدالوهاب وابن تيمية والشيخ الزنداني من المعاصرين، ومن كان بينهم وبين الشيعة الإثني عشرية، بالعراق وجزيرة العرب، حروب وقتال وخلاف. وذريعته الى هذا أن هؤلاء «يخيفون اليهود». و «الخوف» الذي ينوه به المدرّس المتصدي للفتوى والتعليم والمحاضرة وهو لم يدرس على علماء المذهب ولم يجزه هؤلاء يوْقعه من يمدحهم به اليوم، وليس في القرن السابع للهجرة (والثالث عشر الميلادي) والحادي عشر (الثامن عشر الميلادي). وهم يتشاركون إيقاع الخوف في «اليهود»، وهؤلاء يكنون عن «المستكبرين» عموماً، مع إيران الخمينية. ويخلّص الحوثي الابن ايران الخمينية المقاتلة من التشيع الإثني عشري، ويفك التشيع الإثني عشري منها. ويستبقي من رابطة إيران بالتشيع نهوضها الى قتال «الاستكبار» باسم الإسلام وكتابه.

ويحمل حسين الحوثي مقالته («صرخته») في التأويل والقتال، وهما واحد على ما يرى ويقول، على مذهب في قراءة الكتاب، وفي الدين كله من بعد. فيجرد قراءته الكتاب من غير شرط الإلمام باللغة العربية، لغة التنزيل، ويطّرح ما حرص العلماء الزيديون، منذ أولهم ومبتدئ الدعوة صاحب «الرسالة في الصفوة»، على الاعتناء به، وطلب ما يشبه الاختصاص به، وهو الفقه. ونسبوا الى إمامهم علماً بالفقه قدمه على أبي حنيفة، ابي الفقه الحنفي. ونسبوا إليه «كلاماً» في الصفات سبق إليه، على قولهم، المعتزلة. ومقالتهم في العدل قرينة على دعواهم. وعلى الضد من هذا الوجه من تراث الزيدية ذهب صاحب الفرقة الجديدة، وقارئ الكتاب ومؤوله من غير واسطة غير المعرفة بالعربية، الى ان علم أصول الفقه «فن يضرب القرآن ضربة قاضية، يضرب القرآن ضربة شديدة، يضرب فطرتك، يضرب توجهك نحو القرآن…». فيستعيد مباشر القراءة والفهم بنفسه و «فطرته» تقليداً عامياً وثورياً خارجياً تعود تظاهراته الأولى الى صدر تاريخ الإسلام، ثم الى بعض انتفاضات الحواضر العراقية في صدر الحكم العباسي. فحسين بدر الدين الحوثي درّس، في 2002 و2003. و «من هدي القرآن» (على مثال سيد قطب وتفسيره «من وحي القرآن»؟)، أن «القرآن… هو أعظم نعمة من الله علينا». ويقتضي الإقرار بهذا التخلية بينه وبين «عمله فينا» من غير وسيط أو «عوائق». فكل ما يحجز بين «النعمة» وبين «الفطرة» يحول دون «الاهتداء» و «الفهم». وهذان ليسا في الذهن اولاً، وطريقهما ليست طريق العلم أو العلوم، وإنما هما «فعل»، أو هما الفعل «الحي» الوحيد. فتوسيط علوم العلماء وحروفهم، ومناقشاتهم «التاريخية»، وهيئاتهم، يؤدي الى «قتل (القرآن)»، على قول الشارح الجديد والجسور والمحرض بكلمات وعبارات يعلم حق العلم وقعها العميق والثخين في نفوس من يحاضر فيهم. وقتل النعمة العظيمة، أو الأعظم، أدى لا محالة الى قتل النفس، «وأصبحنا أمة ميتة».

[السلطان الظالم القريب

وإحياء الأمة امة واحدة لا يكون إلا من طريق إحياء فهمها القرآن فهماً فطرياً، واطراح ما يحول بين الفطرة المطبوعة وبين قبول النعمة الإلهية من غير وساطة. وهذه المقالة في الطريقة، أو في النهج، تفترض مضمونها ومعناها أو معانيها افتراضاً ملزماً. فيترتب عليها «تحكيم (القرآن) فيما اختلفت الأمة فيه»، على قول محمد بدر الدين الحوثي، أخي حسين وشارحه، وتوحيدها تالياً. والمحكِّمون أو المحكّمة الجدد يستبقون تداول الرأي وما قد يخلص إليه التداول. فيقولون ان «توحد الأمة لا يكون إلا على منهج علمي وهو الجهاد في سبيل الله ضد المستكبرين في الأرض…» (محمد الحوثي)، وهم اليهود و «امريكا» معهم. وبعث الدعوة، أو استئنافها على حقيقتها العملية الجهادية و «السياسية» الصادقة والراهنة، يبعث على قتال «المستكبرين» والمشركين، استكباراً واعتداداً، بالله. ودمج الحوثي الدعوة القرآنية والجهادية في «أصل» الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الزيدي)، وأوّله أمراً بالخروج على «السلطان» الظالم ونهياً عن طاعته وإجراء أحكامه. والسلطان القريب، على التأويل القطعي والإجمالي هذا، هو «الأخوة» في «الشباب المؤمن»، والشركاء في المنتدى. وهم أنصار عزان وأصحابه. فغداة عودة حسين الحوثي من رحلته السودانية بنحو السنتين، أي في 2001، انفجر الخلاف، وطوى حسين صفحة المنتدى السابق، وأعلن استعادته، وحاصر المتمسكين به، وهاجم أنصاره، أنصار المنتدى «القديم». واستولوا على مراكز في خولان (7 من 9) وهمدان والحجة ومدان، وغيرها ربما. وكان سلاح الفتوى جزءاً من الشقاق والحصار. فذهب أهل الفرقة الحوثية الى إهدار دم بعض مخالفيهم، وطعنوا في اعتقادهم. و «الأخوة» السابقون حققوا انحيازهم الى السلطان الظالم، ومخالفتهم المؤمنين المجاهدين، فقبلوا مال صنعاء القليل الذي جزى «انتماءهم للداخل» و «لليمن» (على قول محمد غزان).

فالحرب الأهلية «العامة» بين الفرقة الحوثية، وهي انفصلت تدريجاً عن جسم الزيديين المشترك وجماعاتهم (على قدر ما بقي للزيديين جسم مشترك)، وبين «الجمهورية» الصنعانية والعسكرية القبلية، بدأت في صفوف اهل صعدة الزيديين، وفي صفوف شبانهم ونخبهم المنخرطين سابقاً في حزب الحق، ثم في منتدى الشباب المؤمن، والمتحلقين في مدارس علمائهم وحلقاتهم. ودعوة حسين الحوثي، ومشايعيه، الى «الجهاد» والخروج على «المستكبرين» القريبين الأهليين والبعيدين الإقليميين والدوليين وقتالهم، وتأويله الكتاب في ضوء الخروج الجهادي العام هذا، وتصديه للتدريس والاجتهاد والفتوى من غير إجازة إلا من نفسه هذه كلها خطوات على طريق كبكبة الجماعة الحوثية وجمعها ورصها، والخروج بها الى قتال الأقربين، وهم «جمهوريو» صعدة وصنعاء الزيديون. فنازع هؤلاء الى كسر الطرق الإمامي التقليدي، على خطي سابقين «كبار» علماءً وأعياناً وعامة متعلمين، أنكره المعارضون الحوثيون باسم التقليد، في مرحلة أولى أو فصل أول. ولكن «تقليدهم» بعيد من التقليد التقليدي او الرجعي، على المعنى الحرفي، و «التاريخي».

فذريعة بعث الأصول الأولى هي خروج على المعنى الأول، أي ابتداء جديد وانقطاع من نسب متصل وإيجاب نسب مستأنف «يتحدر» من الأصل على معنى قاطع: القرآن أو النعمة الإلهية الأعظم-. وهذا ما تردد روح الله خميني، سليل هيئة علمائية راسخة وتقليد إمامي وفارسي عريق، في القول به، وترجح بعض مريديه بين جهره وبين الكناية عنه. وحمل هذه المنازع، في مرحلتها الأولى، على «تقديس الموروث، والكف عن التحديث والانفتاح، وعد ذلك خطراً مفسداً لأتباع المذهب»، على ما يقول فيها احمد محمد الدغشي (ص 54 من كتابه)، يقف عند ظاهرها وحرفها، وهما ليسا من غير معنى. ولكن معنى التقديس والكف والعد هذه لا يدرك إلا من طريق تعيين من يتوجه عليهم النقد والسجال، وهم جناح «الشباب المؤمن» القريب من رئيس الجمهورية، والمستأنف تجديد العلامة مجد الدين المؤيدي وعلماء بيان 1991، الخ. الى تجديد ثوري أعمق وأبعد غوراً بكثير من المساومة الجمهورية والإمامية المضطربة والمقيدة بالتقاليد السياسية (شكل الحكم) والاجتماعية (المراتب القبلية) والثقافية (العقائد وتناقلها) المحلية.

وقاد التجديدُ الثوري حسين الحوثي، ومن بعده أخاه عبدالملك، الى إنشاء حركة جهادية وخلاصية، أهلية وانفصالية، ضعيفة الشبه بإرهاصات التجديد الزيدي على خطى المؤيدي وبدرالدين الحوثي (الأول). وهي أشبه بالجماعات التي خرجت من الجمعيات الإخوانية، وأنكرت على حركاتها الأم مهادنة «العدوين» القريب والبعيد، و (أشبه) بالحركات المحلية والوطنية المتفرعة عن الخمينية وبعض أجهزة دولتها مثل الحرس الثوري والكتل الوقفية الكبيرة ومراجع التقليد، على فرق ما بين هذه وتلك. ودار الإنشاء العملي هذا على ثلاث مسائل هي «حركة الشعار»، والأحكام في حق يهود صعدة، وإحياء بعض الشعائر الإمامية (عيد الغدير) بصعدة.

[«حركة الشعار»

وما يسميه عبدالملك الحوثي، اليوم أي غداة الحرب السادسة التي لم تضع أوزارها في شتاء 2009 2010، «حركة الشعار»، محل الحركة الحوثية، هو صيغة مباشرة وأسبوعية، وقد تكون يومية، لبعض مشاعر الحج الى الأرض الحرام. وكان روح الله خميني دعا في ذروة الحرب العراقية والإيرانية حين بدا ان قوات طهران توشك أن تمنى بهزيمة قاسية وباهظة بين يدي تحالف غربي وعربي إسلامي سني وأن الاستنهاض على الاستكبار لم يصدع التحالف هذا ولم يستمل العرب السنة الى ترجمة البراءة من الشيطان في الحج لعناً على اليهود وأميركا – ألحق خميني والحرس الثوري اللعان، والدعوة بالموت، بالصلاة. فلا يفصل اللعان من الحمد إلا الخروج من المسجد الى الطريق. فيهتف المتظاهرون بـ: «الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام». والهتاف بـ «الشعار»، وهذا على نحو البراءة في صيغتها الخمينية التي لم تعمر وانتهت الى كارثة مقتل مئات الحجيج الإيرانيين في موسم 1987 في العام الأخير والمستميت من حرب العراق وإيران، هو مرآة إرادة استيلاء على «الإسلام» والمسلمين من طريق نصب طهران وطبقتها المعممة والحرسية الحاكمة محل الإسلام كله، وتوحيد المصالح المختلفة والمتنافرة في مصلحة واحدة يتولى الفصل فيها مدرس قم. وجمع خميني، في سنتين، صيغة البراءة وإعلان يوم القدس وفتوى إهدار دم سلمان رشدي، معاً. وأدخل في ولايته ووصايته توحيد المسلمين على محاربة الغرب، ومشايعته هو على قيادته السياسة الفلسطينية. ويصم الجهاز الخميني المتحفظين عن الاستيلاء والتوحيد القسريين بالخروج من «حزب الله» إلى «حزب الشيطان» الأميركي (الصليبي) واليهودي.

ويروي محمد أحمد الدغشي (ص109- 111) أن حسين الحوثي هتف بشعاره في 17/1/2002 بقاعة مدرسة الإمام الهادي بمران صعدة، في حشد من الأنصار والمريدين. وقدم لهتافه، أو «صرختـ(ه) في وجه المستكبرين»، بالسؤال: «إذا قلنا نحن مستعدون ان نعمل شيئاً فما هي الإجابة عن من يقول: ماذا نعمل؟». وأجاب: «أقول لكم أيها الأخوة: اصرخوا… شرف عظيم لو نطلقها نحن الآن في هذه القاعة، فتكون هذه المدرسة، وتكونون أنتم أول من صرخ هذه الصرخة… ليس في هذا المكان وحده… وستجدون من يصرخ معكم… وهو أضعف الإيمان أن نعمل هكذا في اجتماعاتنا، بعد صلاة الجمعة، وستعرفون انها صرخة مؤثرة، كيف سينطلق المنافقون هنا وهناك والمرجفون هناك وهناك، ليخوفونكم…». ويرفق الخطيب بادرته بشرح سرعان ما ينتبه قارئه الى محاكاته محاكاة دقيقة مزيجاً من خطابتي المعممين الإماميين الإثني عشريين، والخمينيين على نحوين مختلفين، محمد حسين فضل الله وحسن نصر الله. والشرح التعليمي يشبه درساً في الخطابة السياسية. فهو يقرب الى أفهام جمهوره، غداة بلوغ انتفاضة الأقصى ذروتها وشهرين على ابتداء الحملة الأميركية على طالبان كابول بأفغانستان، رداً على 11 أيلول 2001 و «غزوتي نيويورك وواشنطن»، كيف يسع الأنصار والمريدين الحوثيين، و «الحلفاء» المحليين مثل الشيخ الزنداني، تحويل الجهر بكلام مثل هذا، في أعقاب الصلاة، وبأماكن مثل المساجد الجامعة، في المدن الكبيرة وعلى مرأى من الإعلام الإقليمي والدولي ومسمع منه فعلاً سياسياً مباشراً، وانخراطاً في جبهة عالمية عريضة وواحدة. ولا يتستر الخطيب على سياسة الاستدراج والاستعداء التي تضمرها «الصرخة». وهو يعوّل على استدراجها في سبيل تحويلها من كلام، والكلام «أضعف الإيمان»، الى فعل «مؤثر».

وواسطة التحويل الكيميائي المحتسَب أمران متصلان: الأول هو شيوع الشعار وفشوه في أماكن أخرى وفي من يتلقفونه ويرددونه ويحتذون على أصحابه الأوائل، وهم الحشد المنفعل بمدرسة الإمام الهادي بمران، والثاني هو استثارة شيوعه وترديده في الاجتماعات، وبعد صلاة الجمعة في المساجد الكبيرة، تخويف «المنافقين» و «المرجفين» أصحابَ الشعار. ومآل الأمرين، إذا وقعا وحصلا، إثارة نزاع أهلي يشق اليمنيين أو أهل صعدة على أضعف تقدير، ويقسمهم حزبين وعصبيتين: حزب الشعار وحزب «المنافقين» (على ما يرجو صاحبه الحوثي). ويزج الخطيب في الحزب هذا الحكم وأحلافه الوطنية والإقليمية والدولية من غير تمييز، ويصح زعمه ان القول (الشعار أو الصرخة) فعل (سياسي). ويغفل حسين بدر الدين الحوثي التنبيه على مترتبات انقلاب القول فعلاً وهي النزاع الأهلي، واحتمال إفضائه الى حرب أهلية بالسلاح. فهو يقصر تحريضه على التلويح بانتشار الشعار، وتوقع ارتفاعه علماً على حركة سياسية جماهيرية. ولكنه، من وجه آخر، يطمئن الجمهور الى ان الشعار لن يجر عليه «(الضرب) بالصاروخ». ويحتج لرأيه المطمئن بحجج تشبِّه على الجمهور وتدلس عليه: «هم لا يضربونك (بصاروخ)، كم يكلف الصاروخ؟… هم حكماء وليسوا بلداء…». ويشبه ضرب أهل صعدة، أو غيرهم من اهل اليمن المناوئين الولايات المتحدة (كناية عن ميلهم الى صدام حسين أو الى بن لادن أو الى سياسة طهران الإقليمية…)، بالصاروخ بضرب إيران بأسلحة نووية، مغضياً عن الفرق العظيم، وساعياً في الإقناع والتطمين الرخيصين و «التعليمين»، على خطى «أستاذيه» اللبنانيين.

ويخلص الخطيب المدرِّس من المقارنة الخطابية الى نصب مخاطبيه وجمهوره حاكماً في رد العدو الأميركي، وربما الإقليمي والوطني، على حركات المعارضة و «المقاومة» المتفرقة، وفيها أو منها «حركة الشعار» الحوثية نفسها، فالعدو، على ما يرى الخطيب الحوثي (الخميني في هذا المعرض)، لا يضرب من يقاومونه ويقومون عليه «إلا بعد ان (يرى) الناسَ من حول (نصير الشعار) قد أصبحوا مشتاقين ان يرو(ه) يُضرب». وعليه، فقوة أنصار الشعار مصدرها الأول هو تحلق «الناس» حولهم، وتألبهم إليهم. فما على «الناس» إلا الانضواء تحت لواء أصحاب الشعار، وترديده وراءهم، وجهر عزمهم على حمايتهم من «الضرب»، وترك الخوف منه. ومن الطريق اليسيرة هذه، وعلى شرط التمسك والاعتصام بها، يؤدي الجمهور المسلم ما عليه من دَيْن الى دِينه وأهله وإخوة إيمانه، ويعطِّل ولاء السلطات والدول وجماعات «النفاق» و «الإرجاف» للعدو ويرد كيدهم، ويحمي الجمهورُ الأمة ونفسه من «الضرب» المخوف.

وتقصد الحجة، وهي خط احتجاج، الى إبقاء مراحل «العمل» السياسي كلها، من ترديد الشعار الى توحيد الأمة حوله وردعها عدوها «الحكيم» وانتصارها عليه، في دائرة القول الفعل الأول. وهي دائرة ذاتية وإرادية، أو هي دائرة العزائم، على قول فقهاء الشافعية (على الخصوص). وقصر السياسة الإحيائية على دائرة العزيمة والإرادة، في مرحلة الدعوة او التحريض الأولى، يتوسل به خطباء الخمينية الى غايات متماسكة. فهم يردون على الذين يتذرعون بالفرق الكبير بين كفتي القوة ووسائلها الى النصح بالتخلي عن «الصراع» ومقاومة «الغرب» المدجج بالسلاح. وهم يلقون بالتبعة عن الضعف والقعود على المخالفين من أنصار السلطات، ويقفون السياسة والعمل السياسي على لحمة «الأمة» وإجماعها وراءهم، وينكرون جواز الخلاف على المسائل الأخرى كلها. ويفتون بفقه حرب عام يعود إليهم وحدهم العلم به، والفتوى تالياً. فجواب «ضرب» العدو إذا حصل وحين يحصل على رغم «الحكمة» المفترضة (وهي تنقلب حمقاً وذهولاً وغباء وارتباكاً، على قول الإيرانيين وراء محمود أحمدي نجاد والقيادات الحرسية)- هو الالتحام والإجماع المتعاظمان، ونفي الخلاف وتحريمه، والتسليم بفقه الحرب وبعلمه لـ «علمائه» المعصومين. فوراء هذا السور العظيم حقاً يسع الجماعة المتكبكبة وكردوسها المرصوص الاستدراج الى حروب لا تحصى فصولها ولا قتلاها، من غير ترتب تبعة على المستدرجين إليها.

وقد يكون هذا تعليل مديح عبدالملك الحوثي، خالف أخيه حسين على قيادة الحركة الحوثية المسلحة، «الشعار»، والتزامه فرضاً أو فريضة، والكلام المطنب في «فلسفة الشعار». وأدى التزام الشعار، ورفعه علماً على الحركة الحوثية في مساجد المدن اليمنية، الى سيرورة «تحقيق ذاتي« وآلي متوقعة، توقعها صاحب الشعار، وعوَّل عليها. فترديد «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود»، بين مطلع «الله أكبر» وختام «النصر للإسلام»، أي حمل «قتل» أميركا واليهود على إله الإسلام وحربه، غداة 11 أيلول 2001، أثار قلق سفير الولايات المتحدة بصنعاء، وهو لا يزال يذكر بديهة مآل «الموت لأمريكا» في إيران الخمينية، البلد الذي يأتم حسين الحوثي بسياسة قيادته، على معنى روح نهج السياسة هذه، فوق ما يأتم بإماميته الإثني عشرية أو بجعفريته (وللإمامية هذه أنصار ومريدون في اليمن، وصعدة على التخصيص). وأثار الشعار الذي عمد أنصار حسين بدر الدين الحوثي إلى كتابته على جدران العاصمة اليمنية، قلق السلطات الوطنية وتحفظها. فهو ينيط «الإسلام»، والتوحيد، بـ «الجهاد» وبالحرب على «الغرب» الأميركي واليهودي. وهو يدين إدانة جادة، من غير تستر ولا تورية، روابط اليمن (أو أي بلد إسلامي آخر) الخارجية عموماً. فالشطر الأعظم من الروابط والعلاقات الخارجية على أنواعها، وجهه الى اميركا، على رغم استواء العالم «عالم ما بعد أميركا»، على قول ليال فِرْغسون وفريد زكريا في الفصل الديبلوماسي والعسكري والاقتصادي الدولي الذي كانت حرب العراق فاتحته. واليمن، شأن بلدان عربية خليجية أو افريقية قريبة، في قلب دائرة إقليمية متشابكة ومضطربة ومتنازعة، على باب طرق نفطية وبحرية قارية وحيوية. وبين «الدعاء» بالموت على اميركا والهتاف به وبين الإعداد لعمل عسكري قاتل (على ما حصل فعلاً في ميناء عدن حيث كانت البارجة «كول» راسية، قبل سنة وبعض السنة من إعلان الشعار وحركته) الفرق طفيف، والخطوة يسيرة وفي متناول متربصين كثر.

وحين ردت السفارة الأميركية المتوجسة على كتابات الجدران، وهتاف المساجد والاجتماعات، بإظهار الخشية، وطلبت معالجة التحريض العملي والمتفجر والقريب من النفاذ في المادة المشتعلة، أعلن حسين الحوثي، وأنصاره معه، ابتهاجهم بصدق توقعهم. وعلى مثال تحريضي ودعوي خميني مجرَّب، قارنوا بين خفة الاستفزاز الظاهرة (يُردد الشعار في نصف دقيقة بعد صلاة الجمعة أو ثلاث مرات في الأسبوع، ومن غير حشد تظاهرة، على قول «صاحب» الشعار متفاخراً)، وبين ثقل الرد الأميركي واليمني (الخشية من تحول الصراع بين اميركا والعالم دينياً، على قول السفير الأميركي، والكشف عن «حقيقة شعارات الأمريكان حول الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان»، بحسب الحوثي، واقتصاص صنعاء من بعض مرددي الشعار بالسجن ثلاث أعوام، على قوله كذلك).

ويترجح رأي الرجل بين التهوين الظاهر ومتصنع السذاجة من شأن كلمات قليلة تقال على عجل وبين تعظيم وقع الكلمات هذه، وانتظار ثمرات القمع المفرط والمحتسب الذي تستفز إليه، وينفخ بدوره في أشرعة «حركة الشعار» ويضوي إليها المتظلمين والخارجين على القمع «اليهودي».

[التشيع السلطاني والمسلح

وفي فصول الحوادث اللاحقة والبارزة، مثل التمهيد لجولة الحرب الأولى بصعدة وحولها في 2004، روى صاحب الحركة الحوثية المسلحة أن الرئيس اليمني، علي عبدالله صالح، طلب إليه قبل انفجار الحرب بشهرين الإقلاع عن ترديد الشعار وتركه. وتباهى، على أثير إذاعة لندن العربية، بأنه لم يستجب، وأنكر على الرسالة الرئاسية «الوعد والوعيد». واحتج على صاحب الطلب بأن الشعار ليس ابن اليوم، ويعود (في منتصف 2004) الى أوائل 2002. ويتفق التأريخ مع بلوغ الانتفاضة الفلسطينية الثانية ذروتها الدامية، وتواتر عملياتها الانتحارية عشية مهاجمة أرييل شارون، رئيس الحكومة الإسرائيلية، أراضي السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، واحتلالها من جديد، ثم غداة الاحتلال. والاحتجاج بالقِدَم يريد إبطال تذرع الدولة بنتائج متراكمة ترتبت على القِدَم. فما لم تقمعه الدولة حال تظاهره، وخروجه الى العلن (وقمع «الله أكبر، الموت لليهود…» بينما العمليات الفلسطينية والاغتيالات الإسرائيلية تدمي مواضع لا تحصى من فلسطين وإسرائيل، لكان استقبل بإنكار يفوق الإنكار اللاحق بذريعة القِدَم)، يحمله حسين الحوثي، وقبله حمله دعاة آخرون مثله، على حق ثابت لا رجوع فيه. وقال عبدالملك الحوثي، أن «الشعار هو السبب المباشر في التداعيات اللاحقة»، ويعني الحرب الثانية. وسوغ الشعار بما كان أخوه سوغه به من نصرة المظلومين المسلمين، ورد الحرب عليهم، وقتال عدوهم، وجمع صفهم وتوحيده، والحؤول دون تسلل العدو «الصليبي» الى جماعتهم وآحادهم. ونسبه الى فرض إلهي وقرآني مباشر لا تسوغ معه طاعة الدولة. وأفتى والد الحوثيين، المرجع بدر الدين، بوجوب الشعار، وبمساواته الجهاد في الفرض. وخلص الى بسط ما أضمره ابنه: «فما خالف ذلك (أي من تعلل بشق الشعار صف المصلين) فهو المشاق، وصلاته فيها شك (و) عليه ان يترك الشقاق، ويرفع الشعار».

ومن طريق الشعار، و «حركته»، خرجت الفرقة الحوثية المسلحة، والجماعة الزيدية بصعدة، من الجمهورية اليمنية «الواحدة»، وانتحت ناحية جغرافية وسياسية أهلية وتعبوية اجتماعية على حدة منها، وزادت عاملاً جديداً ومبتكراً على عوامل تصدعها وتشرذمها. فحركة الشعار جمعت عامة الجماعة، على معنى عوامها وأهل الضعف منها، في كتلة مرصوصة، نواتها «طبقة» الشباب ومقدموها بعض شبان الأسر الشريفة. وهؤلاء تصدوا، من خارج المراتب، للفتوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخروج على «الإمام» الظالم، المحلي والوطني والإقليمي والدولي معاً وجميعاً، بواسطة الشعار وتأويله الأصولي المذهبي، وبالسيف والبندقية والعبوة الناسفة والإعلام وشق صف الجيش الحكومي، وتعبئة الجوار المذهبي بالاستمالة والإكراه، وبالحرب نفسها. واضطلعت إرادة اصطناع الحركة، وولادة نفسها بنفسها ومن نفسها (من قيادتها وإرادة قيادتها ورغبتها)، بدور راجح في صناعتها. وليس معنى الاصطناع، أو الصناعة، الضرب صفحاً عن الوقائع وموجباتها، وغشيانها من غير سابق أواصر ووشائج بها، بل (معناه) التعويل الإرادي والمتعمد والمغامر على «إضمارات» الوقائع غير الظاهرة. ولعل هذا ما اكتسبه حسين الحوثي في رحلاته «الدراسية» التي حملته من اليمن الى السودان ولبنان وإيران (1994 1999)، وربما إلى أوروبا حيث يقيم على الأرجح احد إخوته، يحيى، ويتولى شطراً من الإعلام الحوثي. فهو استخرج من الخمينية نواة عملية سياسية حاسمة لا شك في ان «حركة الشعار» تمثيل مدرسي أو تعليمي عليها. فجمع الاعتقاد المحافظ والحرفي، أو «إيمان عجائز نيسابور» على قول الماتريدي، وعبأ الجماعة على الاعتقاد المتزمت (الزيدي) هذا، الى تأويل محدث، عملي وتحريضي، لا ضابط له من أصل أو قياس. ويكتب أحمد محمد الدغشي في هذا فيقول: «وسوغ (حسين الحوثي) إعجابه بإيران والخميني ونصر الله أو حزب الله بأنه متعلق بجانب الإرادة والحركة والقدرة على التغيير، وليس بمذهبهم العقدي والفقهي…» (ص80 من المصدر نفسه).

وبعد إنشاء حركة الشعار، أو في أثناء الفصول العملية الأخيرة من إنشائها، عشية انفجار الجولة الأولى من جولاتها المتسلسلة (في 2004)، عمد الحوثيون، وهم صاروا أهل الحل والربط بصعدة واستولوا على مقاليد الأمر هناك، الى طرد سبع أسر يهودية، تعد 45 شخصاً، من بيوتها بالحيد وغرير، بآل سالم من مديرية كتاف في المحافظة. والتهمة التي ألصقتها الفرقة الحوثية المسلحة والمتسلطة على الديرة الزيدية باليهود، وهم يهود الشعار «… الموت لليهود…»، هي «قيامهم بأعمال تخدم الصهيونية التي تسعى جاهدة لإفساد الناس وتجريدهم من مبادئهم وقيمهم وأخلاقهم وبث الرذيلة»، على ما كُتب في رسالة الطرد والترحيل التي أبلغها «أمراء» المحافظة الى رعاياهم المغضوب عليهم. وعلل أحد مساعدي عبدالملك الحوثي الإجراء بانتهاك يهوديين بلديين السنن القبلية والدينية، وبيعهما أفلاماً جنسية وإباحية من الأهالي، واتجارهما بالخمور. وزعم ان «الشباب المؤمن»، أي قيادة الفرقة المنظمة، اقتصروا على إنفاذ رأي اجمع عليه «مشايخ آل سالم وعقالها ووجهاؤها»، وإجماعهم هو «عين الصواب». والحزب المسلح، على هذا، ليس إلا ذراع الجماعة الأهلية «العائلية»، على قول لبناني. وغداة 2006، عمد الحزب الحوثي، متذرعاً بإقامة يهود آل سالم مجلس عزاء على نفس واحد منهم كان ترك اليمن الى إسرائيل، وانخرط في جيشها، وقاتل في صيف 2006 بلبنان وقتل هناك، الى القضاء في عموم اليهود، جماعة ومعتقداً، بـ «الفساد»: «الإفساد هو دين اليهود». وعلى نحو ينحوه «نهج» حسين الحوثي الأصولي والمذهبي في التأويل والفهم، ينكر المتصدي للفتوى والفقه إحجام أهل السنة عن تصنيف اليهود والنصارى «درجة ثانية (وليس) كمشركين كما نصنفهم، يعتبرون أنهم فوق الكافرين». ويرى الشارح المفسّر ان إنزال «اهل الكتاب وضعية أحسن» يسوغ «أن أعيش في ظل الكفر الصريح». ويلوم «العَرَب» على شركتهم في «كل فساد جار من قبل اليهود في الدنيا كلها… حتى تمكن اليهود من أن يسيطروا في العالم ويفسدوا العالم، ثم يهيمنوا على المسلمين…» (ملزمة لا عذر للجميع امام الله، نقلاً عن الدغشي، ص 67). فيؤلف المفسّر بين «أصل» الحكم القرآني الإلهي في اليهود منذ الأزل وبين حكم الانتصار لإخوته المجاهدين في آخر حروبهم، في حكم واحد، أزلي وظرفي معاً، ويحمل التأليف هذا على الجماعة المقاتلة، الآن وهنا، وعلى كتلتها.

والاحتفال بعيد الغدير مدماك آخر رصّته الجماعة الحوثية المقاتلة في جدارها، وعولت عليه وتعول في إخراج زيود صعدة من الجماعة اليمنية الوطنية المترنحة، ومحاربتها بهم وبعصبيتهم. وجعل آل الحوثي، بدر الدين وأولاده، الاحتفال التقليدي والقديم، وكانت آيته «البَرَع» أو الرقص الشعبي والأهازيج والزغاريد والقصائد والرماية» (الدغشي، ص 102)، استعراضاً عسكرياً وسلطانياً حاشداً «مليونياً»، ومشهداً (على قول الإماميين الإثني عشريين في «إحياء» عاشوراء ومسيراتها) يمثّل على مهاجمة الجماعة المتكتلة «عدوها»، وانتصارها عليه. فتتقاطر الجموع العائلية والمسلحة من انحاء البلاد الزيدية الى جبل المخروق بالجمرات، الى الشمال الشرقي من صعدة، وتصوب على «صدر الجبل»، وترميه بالرصاص، وترديه. فيكني الجبل عن معاوية بن ابي سفيان الأموي، وعن سلطانه وملكه «العضود» (وبعض متكلمي فرق الشيعة، قبل استقرار الغلبة المتأخرة للتشيع الإيراني، شأن هشام بن الحكم، مثل على «عظمة» الخالق بالجبل). ورميه بالنار في احتفال عائلي، يحضره الأولاد ويشاركون فيه، يكني عن قتل صاحب السلطان، ويثأر لـ «موكب السبي» غداة العاشر من المحرم ومقتل حسين بن علي بن ابي طالب وبعض ولده. ويشترط عبدالملك في عهود الهدنة بينه وبين صنعاء النص الصريح على بند يقر لجماعته أو فرقته «حقاً مكفولاً»، على قوله، في «إقامة وممارسة شعائرنا ومناسباتنا الدينية التي يطلق عليها عيد الغدير أو يوم الغدير». ويقول في المشهد أنه «يقدم رؤية تحتاج إليها الأمة لمواجهة ولاية الغرب على ابناء العالم الإسلامي». وهذا على شاكلة ما ذهب إليه خميني في عاشوراء والحج، وعمل به اللبنانيون والعراقيون (الشيعة) غداة 1982 بلبنان و2003 بالعراق. وسبقهم إليه فدائيو خميني في شوارع طهران وخورمشهر وجزر مجنون بالأهوار. وتبعث إقامة الشعائر وإحياؤها على هذا النحو مسألة نسب الإمام، رأس النظام السياسي «الشرعي» بحسب الزيدية. فيرجع الحوثي الأصغر من الطعن في فكرة المهدي وأداء سهم الخمس الى «ابناء فاطمة» (وسلكهم العلمائي) و«جعفرة» الأخوات (على ما سمى حسين الحوثي نكاح المتعة متهكماً ومنكراً) ومن الاستخفاف بولاية الفقيه، يرجع من هذا الى مقالة نسبية و «تاريخية» تقليدية حادة. ويستأنف إرساء العصبية الزيدية على نواة صلبة هي صنو فكرة الميراث والاصطفاء المباشر وتعالي السلطان عن الرأي والمداولة والاقتسام والاقتراع. فتنطوي الفرقة الزيدية المقاتلة، و«المهاجرة» الى بلادها، على كتلتها ومجتمع حربها و«مقاومتها»، وتلد نفسها من نفسها بإزاء عدوها المميت، وبإزاء موتها هي في لجة انقلاب العالم على أركانه المتحدرة من الخلق ومن الواحد نفسه، وفي أرحام حروب متناسلة لا إلى غاية.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

 


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق