الجمهوريّة: تاريخُ المفهوم وأهمُّ تجلّياتِه في الفكر والسياسة / جاد الكريم الجباعي

الجمهوريّة republic كلمة لاتينيّة الأصل مؤلّفةٌ من مقطعين: res ومعناها شيءٌ أو أمرٌ أو شأن، وpublica التي منها public في الإنكليزيّة، ومعناها حكوميٌّ أو عامٌّ أو عموميٌّ أو شعبيٌّ أو مدنيٌّ أو وطنيٌّ أو اجتماعيٌّ أو مشاع، وتعني الجمهورَ والشعب. فالدلالة اللغويّة تعني الشيءَ العامَّ أو الشأنَ العامّ، وعلى هذه الدلالة تأسّسَ المعنى الاصطلاحيّ أو الدلالةُ المفهوميّة. وقد أُطلقَ اسمُ الجمهوريّة respublica أول مرة على نظام الحكم الذي قام على أنقاض النظام الملكيّ الرومانيّ نحو عام 509 ق.م، وأطلقَ الرومانُ على ذلك العام اسمَ «عام المجد» إذ كان منعطفًا في حياتهم الاجتماعيّة والسياسيّة، أفضى إلى قيام الحكم الجمهوريّ الذي استمرّ نحو 450 سنة، وانتهى إلى نظام إمبراطوريّ نحو عام 27 ق.م.

 

ويذهب بعضُهم إلى أنّ كلمة respublica ترجمةٌ رومانيّةٌ لكلمة politeia اليونانيّة، التي تعني النظامَ بوجهٍ عامّ، ونظامَ الحكم في المدينة/الدولة بوجهٍ خاصّ، وتعني «الدولة» أيضًا، تقابلُها في الإنكليزيّة كلمةُ commonwealth، وفي الألمانيّة كلمةُ republik. إلا أنّ النموذج الرومانيّ هو النموذج الأصليّ للجمهوريّة في العصور القديمة والوسطى.

 

بدأ العصر الجمهوريّ الرومانيّ بسيطرة الأشراف (الأرستقراطيين) على مقاليد السلطة، والاستئثارِ بجميع الامتيازات السياسيّة والدينيّة والقانونيّة التي كان الملوكُ يتمتّعون بها. ولكنّ النظام الجمهوريّ لم يكتملْ إلا بعد صراعٍ طويلٍ مع العامّة الذين كانوا يطالبون بالمساواة في الحقوق المدنيّة والسياسيّة، والانعتاقِ من عبوديّة الدين، وبنصيبٍ عادلٍ من الثروة. وقد تحقّقَ لهم ذلك بموجب «اتفاقِ الجبل المقدّس» الذي نصَّ على إنشاءِ جمعيّةٍ للعامّة ومؤسّسة الترابنة الشعبيين اللتين تدافعان عن حقوق هؤلاء. كما اتّفقَ عام 451 ق.م على تدوين القوانين، فكانت الألواحُ الاثنا عشر أوّلَ مدوّنةٍ قانونيّةٍ رومانيّة، وحصلَ العوامُّ على حقِّ الزواجِ من بنات الأشراف، وحقِّ تقلُّدِ منصبِ القنصليّة، وأن يكون قنصلٌ من العوامّ إلى جانب قنصلٍ من الأشراف. فأثرى قسمٌ منهم واندمجوا في طبقة الأشراف، لتتشكّلَ طبقةٌ اجتماعيّةٌ جديدةٌ قادت عمليّةَ التوسّع في العالم الهلينيّ، وسيطرتْ على بلدان حوض المتوسّط. ثم وُضِع الدستورُ الجمهوريُّ الذي يقومُ على ثلاث دعائم هي: مناصبُ الحكّامِ ومجلسُ الشيوخ والجمعيّاتُ الشعبيّة، وهو دستورٌ مختلطٌ يجمعُ مزايا الأنظمة الأرستقراطيّة والملكيّة والديمقراطيّة. ولكنّ السلطة الفعليّة كانت لمجلس الشيوخ، الذي يضمُّ كبارَ رجال الدولة وممثّلي العائلات النبيلة. وكان الحكّام يُنتخبون من الشعبِ من بين الذين تدرّجوا في مناصب الدولة من الأدنى إلى الأعلى، بدءًا بالمناصب الماليّة ثم البلديّةِ فالقضاءِ فالقنصليّة، وقد سُمّيَ هذا التسلسلُ الوظيفيُّ «سلّمَ الأمجادِ.» وكانت هذه الوظائفُ فخريّةً يَشْغلُ كلاً منها اثنان على الأقلِّ يُنتخبان سنةً واحدة، ويتمتّعان بحقّ الاعتراض (الفيتو). وإلى جانب هذه الوظائفِ وظائفُ استثنائيّةٌ هي وظيفةُ الدكتاتور وترابنة العامّةِ ومراقبي الإحصاء والأخلاق.(1)

 

في ضوءِ ما تقدّم، يمكنُ القولُ إنّ مفهومَ الجمهوريّة مفهومٌ مركّب، يدلُّ، في الوقت نفسه، على «الدولة،» ونظامِ الحكم، والسلطةِ التي تتولّى الحكمَ ــ وهي سلطةٌ مستمدّةٌ من الشعب بطريق الانتخابِ، تمارسُها مؤسّساتٌ تشريعيّةٌ وتنفيذيّةٌ وقضائيّة، لا سلطةُ فردٍ أو أفراد. ويدلّ، من ثَمّ، على نظامٍ عامٍّ أو فضاءٍ عامّ، سياسيٍّ وقانونيٍّ وأخلاقيّ، قوامُه حكمُ القانون (الوضعيِّ)، وتَساوي المواطنين في الحقوق المدنيّة والسياسيّة، وانتخابُ الحكّام من الشعب انتخابًا صحيحًا، وتوخّي العدالة في توزيع الثروة وعواملِ الإنتاج، في إطارٍ من الحرّيّات الخاصّة والعامّة، التي يكفلُها الدستورُ والقانون.

 

توسّعَ النظامُ الجمهوريّ في الأزمنة الحديثة، بعد الثورة الفرنسيّة (1789)، فغدت معظمُ الدول جمهوريّاتٍ مختلفةَ البنى والنظمِ والمؤسّساتِ، وغلبَ على الحديثةِ منها الطابعُ الديمقراطيّ الذي بات العلامةَ الفارقةَ الرئيسة بين الدّولِ وأنظمةِ الحكمِ، بما في ذلك الجمهوريّة منها. كما نشأتْ في عالمنا المعاصر جمهوريّاتٌ ذاتُ طابعٍ شموليٍّ أو استبداديٍّ، ليس فيها من الجمهوريّة سوى الاسم، كالجمهوريّات التي نعرفُها في العالم العربيّ، ومنها الجمهوريّةُ العربيّةُ السوريّة، والجمهوريّةُ العراقيّةُ قبل سقوط نظام البعث وغيرهما. فالحال أنّ النظام الجمهوريّ لم يكن مطابقًا للنظام الديمقراطيّ في الماضي، وليس مطابقًا له في الحاضر؛ فليست جميعُ الجمهوريّات ديمقراطيّةً، ولا جميعُ الديمقراطيّات جمهوريّةً.

 

مع هذا التوسّع اندرجَ مفهومُ الجمهوريّة في الفكر السياسيِّ أو الفلسفةِ المدنيّةِ والعلومِ السياسيّة والقانونيّة. جاء في القاموس الفلسفيّ الذي وضعَه د. جميل صليبا: «الجمهوريُّ هو المنسوبُ إلى الجمهور، والجمهوريّةُ هي الدولةُ التي يكون فيها الحكمُ جمهوريّاً. ومعنى الحكم الجمهوريّ أن يكون الحكمُ بيد أشخاصٍ ينتخبُهم الشعبُ وفق نظامٍ خاصّ، وأن يكون للدولة رئيسٌ يعيّنُ بالانتخابِ لمدّةٍ محدودةٍ لا بالتوارث… والجمهوريّةُ عنوانُ كتابٍ لأفلاطون يبحثُ في شروط الدولةِ المثاليّة، أي المدينةِ الفاضلةِ التي تتحقّق فيها سعادةُ الفرد والمجتمع.» وهذا التعريف قريبٌ إلى حدٍّ بعيدٍ من التعريف الذي اعتمدَه لالاند في الموسوعة الفلسفيّة.

 

هذا المعنى المركّب لكلمة الجمهوريّة هو المعنى القديم. أما المعنى الحديث فصار يعني كلَّ نظامِ حكمٍ ليس ملكيّاً (مونارشيّاً)، إذ حلَّ مفهومُ الدولةِ State (من اليونانيّة Status) محلَّ مفهوم الجمهوريّة. ومع أنّ علمَ المصطلح أخذ يتغيّر بدءًا من القرن الخامس عشر الميلاديّ، فقد ظلَّ بعضُ الفلاسفة والكتّاب الغربيين يستعملون المصطلحَ اليونانيَّ واللاتينيّ، بحكمِ تأثّرِهم بفلاسفة اليونان والرومان؛ فقد استعملَ ماكيافلي مثلاً مصطلحَ الجمهوريّة Respublica في وصفِ المدنِ الدول غير الملكيّة التي قامت في جنوبي إيطاليا في العصور الوسطى المتأخّرة، مثل نابولي والبندقية.

 

قلّما تُذكَر الجمهوريّةُ، للدلالة على الدولة، من دون أن يُذكَرَ كتابُ أفلاطون، محاورةُ الجمهوريّة، الذي تأثّرَ به كلٌّ من الفارابي في المدينة الفاضلة، والقدّيس أوغسطين في مدينة الله، وتوماس مور في اليوتوبيا، وظلَّ تأثيرُه ساريًا في الفلسفة السياسيّة. والجمهوريّة عند أفلاطون (428 – 743 ق.م) هي الدولةُ التي تتحقّق فيها العدالةُ، فتؤدّي إلى سعادة الفرد والمجتمع. ولا تتحقّق هذه العدالةُ إلا إذا كان الحاكمُ فيلسوفًا، أيْ محبّاً للحكمة، وإلا إذا قامت كلُّ طبقة من طبقات المجتمع الثلاث (الحكّام والحرّاس والمنتجين) بالأعمال التي هيّأتها لها الطبيعةُ وعزّزتها التربيةُ، ولا تتعدّاها إلى وظائف غيرها، وقام كلُّ فردٍ بالوظيفةِ التي هيّأتها له الطبيعةُ، ولا يتعدّاها إلى وظيفةِ غيره. وتمتاز كلٌّ من هذه الطبقات بميزةٍ أخلاقيّةٍ تناسبُ وظيفتها ــ فميزةُ الحكّام الحكمةُ، وميزةُ الحرّاسِ الشجاعةُ، وميزةُ المنتجين الاعتدالُ والعفّةُ ــ لتنظيم ملذّاتهم وانفعالاتِهم والتحكّمِ بشهواتهم. فكما أنّ العدالةَ في الفرد هي ائتلافُ قوى النفس الثلاث (العاقلةِ والغضبيّة والشهوانيّة)، فإنّ العدالةَ في الدولة هي ائتلافُ طبقات المجتمع الثلاث، التي تطابقُ كلٌّ منها قوةً من قوى النفس البشريّة(2) تحت سلطة الدستور أو قانونِ الدولة، الذي أضفى عليه أفلاطون قيمةً عليا، وكان أستاذُه سقراط يعدّه أسمى من أثينا، حاميةِ المدينة (القانون فوق أثينا).

 

يلفتُ النظرَ في الجمهوريّة تفريقُ أفلاطون بين الفرد الطبيعيّ المسوقِ بحاجاته ورغباته وأهوائه، وبين المواطنِ الذي يتعلّقُ بقيم الخير والحقّ والجمال، ويضعُ المصلحةَ العامّةَ فوق مصلحته الخاصّة بما هو عضو في المدينة الدولة. وهذا التفريق لا يزال ضروريّاً حتى يومِنا لإدراكِ الفرق بين المجتمع المدنيِّ والدولة، إذ الفردُ الطبيعيُّ أساسُ الأول، والمواطنُ أساسُ الثانية. ذلك أنّ المواطنةَ citizenship، بركنيها المساواةِ والحريّةِ، هي أساسُ الدولة الوطنيّةِ الحديثة وفضيلتُها السياسيّة، وهي الأساسُ الذي تقوم عليه العموميّةُ، إذ لا وجودَ فعليّاً للعامّ إلا في الخاصّ والفرديِّ. صفةُ الوطنيّة، هنا، مستمدّةٌ من الوطن والمواطنةِ ومن علاقةِ الشعبِ بالأرض (الوطن) من جهةٍ، وبالسلطةِ العامّةِ، أي الدولةِ ومؤسّساتها، من جهةٍ أخرى.

 

والحقّ أنّ الجمهوريّة بمعناها القديم الذي يدلُّ على الدولة، بما هي مجالٌ سياسيٌّ وقانونيٌّ وأخلاقيٌّ عامّ، وعلى نظامِ الحكم والسلطةِ المنتخبةِ من الشعب، من الأفكار الأساسيّة التي ألهمتْ فلاسفةَ عصر النهضة والتنوير، ولاسيّما فلاسفةُ العقد الاجتماعيِّ الذين حرّروا السياسةَ من العلاقات الدينيّة والعائليّة والشخصيّة وامتيازات الولادة، واعتبروا الدولةَ مؤسّسةً سياسيّةً عامّةً فوق الأفراد، وفوق الملوك أنفسِهم. وبناءً على ذلك فإنّ الأفراد مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، والملوكَ في خدمة شعوبهم. هؤلاء الملوكُ إذ يضعون القوانينَ لا يضعون قوانينَ تخالفُ قوانين الطّبيعةِ التي هي قوانينُ العقل، ولا يخالفون القوانينَ التي يضعونها، ما لم يغيّروها. ومن أبرزِ مَن تناولوا الجمهوريّة بمعنى الدولة، الفيلسوفُ ورجلُ الدولة الفرنسيّ جان بودان (1530 – 1596 م)، سلفُ مونتسكيو (1689 – 1755 م). فقد وضعَ عام 1576، كتابَ الجمهوريّة (كتب الجمهوريّةِ الستة)، واصفًا الجمهوريّةَ، أي الدولةَ، بأنها «حكومةُ حقٍّ، حكومةٌ قويمة لعدد من المنازل (الأسَر)، ولِما هو مشتركٌ بينها، مع سلطة سيّدة.» وميّزَ الدولةَ من السلطة، بتأسيسِ مبدإ السيادة، منطلقًا من كون الإنسان أساسَ الدولة أو مادّتها لا موضوعَها. والجمهوريّة (الدولة) عند بودان تعني الشيءَ العامّ، والاشتراكَ السياسيَّ، لا مجردَ نظامِ حكم يعارضُ المونارشيّة، الملكيّة أو الإمبراطوريّةَ، أو الاستبداديّةَ أو الأرستقراطيّة. والاشتراكُ السّياسيُّ مؤسّسٌ على مبدإٍ ملازمٍ للاشتراك العامّ والسيادة، هو الشرعيّة، أيْ مطابقةُ الحكمِ للقيم الأخلاقيّة من عقلٍ وعدلٍ ونظامٍ بالمعنى الأرفع. ولقد صرفَ بودان همَّه إلى أصل الدولة، وإلى الشروط التي تجعل منها دولةً قويمةً متّسقةً مع مطالب العقل. وبخلاف ماكيافلي الذي نظَّر لسيادة القوّة من أجل توحيد إيطاليا، نظَّر بودان لقوّة السيادة. والسيادةُ عنده هي «قوّةُ تلاحم الجماعة السياسيّة واتّحادها، ومن دون هذه القوّة تتفكّكُ الجماعةُ وتنهار. وقوامُ السيادة هو تبادلُ الأمر والطاعة الذي تفرضُه طبيعةُ الأشياء على كلِّ مجموعةٍ بشريّةٍ تريد أن تعيش. السيادة هي القدرةُ المطلقةُ والدائمةُ لجمهوريّةٍ من الجمهوريّات. وديمومةُ السيادة هي البقاءُ الطبيعيُّ لشكلها الاجتماعيّ.» السيادةُ دائمةٌ بدوام الشعبِ الذي هو صاحبُها ومصدرُها، وثابتةٌ بثبوتِه؛ فلا تتجزّأ ولا تنتقلُ ولا تُفوَّض. مفهوم السيادة عند بودان مفهومٌ دنيويٌّ علمانيٌّ؛ «السّمةُ الأولى للسّيدِ هي القدرةُ على وضعِ قانونٍ للجميع بوجهٍ عامّ،.. بدون موافقة أعلى أو مثيل أو أقلّ من الذات»؛ وإلا فإنّه تابعٌ حقيقيٌّ.” السيّدُ لا يفرض أيَّ عقيدةٍ على رعاياه، بخلافِ مبدإ «التفويض الإلهيّ» و«الحقِّ الإلهيّ» (وبخلافِ «حاكميّة الله» و«ولاية الفقيه» عند الإسلاميين). «القانون يستطيع كسرَ الأعراف؛ العرفُ لا يستطيع مخالفةَ القانون،» والعرفُ ملتبسٌ بالشريعة الدينيّة دومًا، باستثناء بعض الأعراف السياسيّة والأخلاقيّة الحديثة. السيادة، بحسب بودان، يمكن أن تقومَ، نظريّاً، في الكثرةِ (ديمقراطيّة) أو في الأقليّة (أرستقراطيّة أو أوليغارشيّة) أو في رجلٍ واحدٍ (مونارشيّة، ملكيّة) (3)، وهي في جميع الأحوال في مصلحة الدولة المركزيّة وبلورةِ كيانِها القوميّ. السيّد هو من لا يستمدُّ سيادتَه من غيره، من البابا أو من سواه. سيّدُ بودان وأميرُ ماكيافلي علمانيّان مبدئيّاً ونهائيّاً، يستمدّان مشروعيّتهما وقوتَهما من الشعب.

 

في العام 1748 وضعَ مونتسكيو كتابَه الشهيرَ روحُ القوانين، أي المبادئُ النظريّةُ والعمليّةُ والأخلاقيّةُ والأسسُ الماديّةُ التي تقيمُ عليها أمّةٌ من الأمم اجتماعَها المدنيَّ والسياسيَّ، انطلاقًا من واقعها الطبيعيّ في الزمان والمكان. هذه المبادئ العامّة أو القوانين هي عواملُ ازدهارِها حين تتّسق مع مطالب العقل والروح، أو هي عواملُ انحطاطها حين تنأى عنهما. إنها «العلاقاتُ الضروريّةُ المشتقّةُ من طبيعة الأشياء، وهي لحمةُ النسيج الاجتماعيّ وماهيّةُ الدولة.» (القوانينُ هي روحُ الدّولةِ وماهيّتُها وجوهرُها، وهي روحُ الشّعب). وجودةُ المبادئ أو القوانين، أو سوؤها، يتعلّقان بمدى تطابقِها، أو عدمِ تطابقِها، مع العلاقات الضروريّة في جميع مجالات الحياة الاجتماعيّة. الدولُ عند مونتسكيو ديمقراطيّةٌ وأرستقراطيّةٌ واستبداديّة، ولكلٍّ منها طبيعةٌ يدلُّ عليها اسمُها ويدركُها أقلُّ الناس تعلّمًا. والقوانين يجب أن تكون متناسبةً مع طبيعة الدولة ومع مبدئها؛ فــ «فسادُ الحكومات يبدأ دائمًا تقريبًا بفساد المبادئ: ما إنْ تفسد مبادئُ الحكومة حتى تصير أفضلُ القوانين رديئةً، وتتحوّل ضدّ الدولة؛ أما حين تكون المبادئُ سليمةً فإنّ للقوانين الرديئة مفعولَ القوانين الجيّدة. قوة المبدإ تحملُ وتجرُّ كلَّ شيء.” (4)

 

الشعب، أيْ مجموعُ المواطنين الأحرار، هو مضمونُ الجمهوريّة الديمقراطيّة، وهو مَن يحدّد طبيعتَها الخاصّة. والشعب يظهرُ في هذه الدولة بوجهين متعارضين، حاكمٍ ومحكوم: حاكم، لأنه هو الذي يضع القوانينَ بوساطة ممثّليه الذين يعرف كيف ينتخبُهم؛ ومحكوم لأنه يطيع القوانين. الشعب هو السّيد، و«إرادةُ السيّد هي السيّد نفسُه؛ إذًا السّيدُ يجب أن يعملَ بنفسِه كلَّ ما يستطيعُ عملَه فعلاً، وما لا يستطيعُ فعلَه يعملُه بوساطةِ وزراءٍ أو حكّامٍ يختارُهم بنفسِه.»

 

أما مبدأُ الجمهوريّة الديمقراطيّة، وفضيلتها السّياسيّة، فيتجلّيان في المواطنة. والمواطنة الفعليّة هي المشاركة في وضع القوانين، والحرصُ على احترامها، فضلاً عن المساواة والحريّةِ والمشاركةِ في حياة الدولة (أيْ تسلّمِ الوظائف التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة). المساواةُ، هنا، مساواةٌ في الحقوق المدنيّة والسياسيّة والواجباتِ والالتزاماتِ القانونيّة، وتكافؤٌ في الفرص. والحريّة، هنا، تعني حريّةَ الفرد في توجيه حياته الوجهةَ التي يريد، وتعني حريّةَ الرأي والتعبير، وحريّةَ الفكر، وحريّةَ الاعتقاد، وحقَّ المعارضة والاختلاف، وحقَّ الثورة على الحكومة الجائرة، أو حقّ «الاستنجاد بالسماء،» وحريّةَ منظمات المجتمع المدنيّ غير الحكوميّة واستقلالها. «فسادُ هذا المبدإ، مبدإ المواطنة، شرٌّ لا يُصلحُ أبدًا. لذا فإنّ ثمة حاجةً ضروريّةً في الجمهوريّة الديمقراطيّة إلى القدرةِ الكلّيةِ للتربية كي تَطْبعَ عند الأولاد هذا التخلّي عن الذات، وهو أمرٌ شاقٌّ دومًا. هذا الحبُّ للقوانين وللوطن يتطلّبُ تفضيلاً دائمًا للمصلحة العامّة على مصلحة الذات. الدولةُ مثلُ كلِّ الأمورِ في العالمِ، لكي تُصانَ يجب أن تُحَبّ. والقوانين كذلك، لكي تطاعَ يجب أن تحب،» وأن يدركَ الذين يطيعونها أنها وُضِعَت من أجلِهم. وهذه إشارةٌ مهمّةٌ إلى وحدة الفكرِ والأخلاقِ والسياسة، بالمعنى الأرفع للسياسة، بما هي شأنٌ عام.

 

ابتداءً من أواسط القرن السادس عشر أخذ مفهومُ الدولة state، من الكلمة اللاتينيّة status، يحلُّ محلَّ مفهومِ الجمهوريّة، وظهرَ في الوثائق الرسميّة أوّل مرّةٍ نحو سنة 1540 م. واحتاج مفهومُ الدولةِ بوصفِها شيئاً عامّاً (جمهوريّة)، أو تجريدًا للمجتمعِ المدنيِّ ولكلِّ فردٍ من أفرادِه، وشكلاً سياسيّاً وقانونيّاً وأخلاقيّاً من أشكالِ الحياةِ الاجتماعيّةِ، إلى وقتٍ طويلٍ حتى تبلورَ في صيغة الدولة الليبراليّة، ثم الدولةِ الديمقراطيّة، ولم يتحقّقْ ذلك إلا بعد استقلال المجتمع السياسيِّ عن المجتمع المدنيّ، أيْ بعد تمايز مجالات الحياة الاجتماعيّة واستقلالِ كلٍّ منها استقلالاً نسبيّاً، فغدا المجتمعُ المدنيُّ والدولةُ السياسيّةُ (الوطنيّةُ) حدّين جدليّين في «كليّةٍ عينيّةٍ» لا يقومُ أحدُهما إلا بالآخر ولا ينتفي إلا بانتفائه.

 

1 – راجع الموسوعة العربيّة (دمشق: إصدار هيئة الموسوعة العربيّة، المجلد العاشر)، ص 102.

2 – راجع، د. أميرة حلمي مطر، جمهورية أفلاطون (القاهرة: الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1994).

3- راجع، جان جاك شفالييه، المؤلفات السياسيّة الكبرى، من ماكيافل إلى أيامنا، ترجمة الياس مرقص (بيروت: دار الحقيقة، 1980).

4 – عن ميشال مياي، دولة القانون، مقدمة في نقد القانون الدستوريّ (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعيّة، ولبنان: المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، ط 2، 1982)، ص 112.

المقالة منشورة في مجلة الآداب، شتاء ٢٠١٢

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق