الجنس والأديان

 – يمكن القول إن السلطة الممنوحة للكاهن قد آلت تدريجيا، طوال القرن التاسع عشر، مع ظهور الطبّ النفسي بداية، ثمّ ظهور علم النفس السريري، إلى الطبيب…
في الواقع، سيبدأ الطبيب الاهتمام بالأمور الجنسية وبمعالجة المنحرفين. سيجري الاهتمام أكثر فأكثر بالأمور الجنسية، ليس من جهة الحكم الديني وإنما من جهة التكاثر، والبيولوجيا، والرغبة. وهكذا خرجنا من عالم تهيمن عليه السلطة البطريركية حيث كانت تتم عمليات الزواج. وعوضا عن معالجة المسألة الأخلاقية، بمعنى الإيمان المسيحي، اهتمت البرجوازية بالجنس البيولوجي وأعادت ضخ المسألة الجنسية في قلب هذا المفهوم العلمي الجديد للجنس، المبني على قاعدة المعارف الطبية. في النصف الثاني من القرن جرى الاهتمام على وجه الخصوص بتطور الجنسية الطفلية، وبالمرأة المصابة بالهيستيريا وكذلك بالإنسان المثلي. وبكلام آخر جرى الاهتمام بالشذوذ. فالطفل يجب أن يعود إلى الحالة السويّة. لذا تمّ اختراع أجهزة تمنعه من ممارسة العادة السرية. من الواضح أن الأخلاق الطبية هي التي كانت في تواصل مع الأخلاق البرجوازية، التي كانت مسيحية وبيولوجية معاً.
وماذا فعل فرويد ؟
تعتبر النظرية الفرويدية ثورة من وجهة نظر الجنسية. فقد غيّر فرويد النظرة إلى الجنسية. ولهذا فسوف يُتّهم من قبل كل الأديان، وعلى وجه الخصوص من قبل الكاثوليكية، بأنه مُدنّس للعائلة، وناسفٌ للمجتمع، وبأنه شيطان دارويني ومهووس جنسي. لماذا؟ لأنه اعتبر أن المجتمع البرجوازي يلجم الرغبة الجنسية. وبدلا من الإشارة للشذوذ، أخذ يبرهن بأن كل الأزمات في نشأة الكائن البشري هي في البداية جنسية ومرتبطة بالرغبة. إذا كانت نساء هذا العصر مصابات بالهيستيريا، فذلك لأنهن مكبوتات، وليس لأنهن شاذّات…..كان فرويد ماديا، وقد نظر إلى الجنسية بوصفها ظاهرة نفسية وبيولوجية في الآن ذاته. لم يكن منظّرا للحرية الجنسية بأيّ ثمن، وإنّما مُخّلصا يناضل ضدّ أخلاق عصره، التي كانت في غاية البطريركية، وضدّ أغلالها المرتبطة بالممنوعات الدينية. وقد التقى حتى عام 1897، وهو العام الذي صاغ فيه نظريته الجنسية الأولى، الكثير من النساء اللواتي أدعين أنهن تعرضهن لأشكال من التعسف. وقد ظنّ في البداية أنّ العُصاب النفسي البالغ ينجم عن صدمات جنسية حقيقية، ثم لاحظ أنه إذا كانت بعض النساء قد تعرضن حقا لاضطهاد ما، فإنّ أخريات قد تخيلنه بصدق: وهكذا ابتدع مفهوم الاستيهام. لقد برهن إذاً أننا نحمل جميعاً مشاكل جنسية في الذهن وليس فقط في الجسد! وهذا بالتأكيد تخريبيٌّ بدرجة أشدّ! كما سيكون مقلقا جدا أيضا بالنسبة للحضارة أن تكتشف ما الذي يرغب فيه الأطفال حقا، حينما يعدون “نظريات” بدائية جدا حول العلاقات الجنسية والولادة. وهكذا سيثير فضيحة عام 1905 عندما أكّد أنّه من الطبيعي جدا بالنسبة لطفل أن يستمني وبأنّ لكل الأطفال جنسية غريزية. وهذا سيصبح “شذوذا”، حينما سيتحول إلى التّولّه الجنسي.

لقد ظلت الكنيسة الكاثوليكية حتى عام 1945 تدين أعمال فرويد، كما أعمال ماركس. لماذا ؟
لأنّ الشيوعية والتحليل النفسي ظلا في نظر الكنيسة عنصري تحلّل الأخلاق المسيحية: فهما نظريتان ماديتان صاغهما يهوديان معاديان للدين. وكذلك ستقوم الأنظمة الاستبدادية جميعها بإقصاء الفرويدية، بوصفها نظرية تدعو لحرية البشر. وستغيّر الكنيسة الكاثوليكية لاحقا من عقيدتها، باستقدامها خبرة الطبّ النفسي لاستجلاء بعض الميول. لأنه لم تُعد لدى الكنيسة رغبة آنذاك في استقبال منحرفين جنسيين ومثليين مكبوتين في صفوفها. فأخذت تثق منذ ذلك الحين بنظريات التحليل النفسي التي كانت تطغى عليها في ذلك الوقت نظريات فرويد. وبفضل هذا الاستقدام سيتحمس الرهبان الجيزويت والدومينكان لاستكشاف الذات. فأقروا العلاج بالتحليل النفسي ضمن تجربة معالجة الرهبان الجدد بالطب النفسي.
ألا يميل التحليل النفسي منذ حوالي العشرين عاما إلى الاقتراب في المسائل الجنسية من النزعة الأخلاقية المحافظة للكنيسة، بعد أن كان زمنا طويلا عدواً للعقائد الدينية؟
جرى التحوّل خلال عدة مراحل لدى كل فئات المحللين النفسانيين : سواء كانوا من أتباع كلاين، أو لاكان، وريثي فرويد. وقد تحولت هذه الحركة الانعتاقية، مع تأسيس جمعية المحللين النفسانيين العالمية (IPA) عام 1910 إلى كنيسة دنيوية، سنّت قواعد للعلاج وتبنت أخلاقا مستقيمة جديدة…وبعد أن هاجمت الكنائس التحليل النفسي لأسباب أخلاقية هاجمه بعنف العلمانيون الذين يرون بأنه لا وجود للحياة النفسية خارج الخلايا العصبية والآلية الذهنية. وحين يصبح الطب النفسي سلوكي النزعة، فإنه يستبعد اللاوعي، والجنسية، والتحويل، والرغبة، لصالح تصنيف ما للسلوكيات. إن السمة المميزة للسلوكيين هي مقتهم للأديان، وهم يعتبرون التحليل النفسي دينا والمحللين النفسانيين، كهنة مقنعين. وهم يحبون بعض أشكال التدين والتي لا تعتبر دينا، مثل التأمل المتعالي على سبيل المثال، بوصفه أداة تقنية.
هل لأن المحللين النفسانيين شعروا بأنهم مهدّدون تقربوا بصورة طبيعية إذاً من الكنيسة؟ 
نعم ولا. لا، لأنهم بصورة عامة ملحدون. نعم، لأنّ الصراع مع ممثلي علوم الجهاز العصبي بات مع الأسف دون جدوى، لفرط النزعة الامتثالية : فعدم الحديث إلا عن السيروتونين (مادة تولدها بعض خلايا الأمعاء وتنتقل في الدم إلى الأنسجة – م .ع )، أو عن الدارات الدماغية، يصبح أمرا مملا جداً. واليوم يتعرّض المحللون النفسانيون لخطر أن يخدموا كاحتياطيين لكل ما لا يمكن معالجته بالأدوية. وإذن، لا يعتبر هذا أمرا ممتعا من وجهة نظر التفكير النظري. وتكمن المشكلة في أن التحليل النفسي يعتبر نظرية فلسفية وبأن المرء لا يتحدث اللغة ذاتها مع العلماء، الذين فضلا عن ذلك يستنكرون هم أنفسهم الانحرافات العلمانية لدروسهم. إنّ تقارب المحللين النفسانيين مع المثل العليا للأخلاق المسيحية القديمة، الناجم عن فقر النقاشات مع العلم، كان له نتائج مأساوية. فقد تجنبوا نقاشات كبرى حول الأشكال الجديدة للجنسية. وقد رأينا المحللين النفسانيين يستندون بقوة إلى نزعة محافظة متشددة، خاصة فيما يتعلق بالمثلية الجنسية وبزواج المثليين وبالأشكال الجديدة للتبني : “لا أحد يغير نظريتنا عن الأب، لأنه يستحيل أن يربّي شخصان من الجنس ذاته طفلاً، فهو بحاجة للبابا وللماما! “وفي المقابل، فإنّ الإدراكيين -السلوكيين غير مهتمين بالسياسة، وهم يؤيدون الليبرالية المطلقة في مسألة الأخلاق، لأنهم ينكرون كلّ عمل ذي طابع رمزي. فلسفتهم العفوية، “استمتع قدر ما تستطيع” يلطفها التقدير: بأنها كابوس عصري يحول الناس إلى “أشياء”. هذا أمر لا يمكن التفكير فيه، مع التحليل النفسي الذي يرى أن الكائن البشري خاضع للقانون (بالمعنى الحقوقي والرمزي)، قانون بقدر ما يضمن حرية كل فرد، لا أن يسمح بالقدر ذاته بهمجية التمتع الغريزي اللامحدود. بيد أنّ محللين نفسانيين عديدين خلطوا هذا المفهوم للقانون بالدفاع عن نزعة تسيّد متشددة قائمة على عبادة الأب بوصفه معادلا للدولة- الأمة.
أجرت الحوار جينيفر شوارتز – مجلة Le monde des religions
   

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق