الجنس: وفرة الإثارة وشح الأمكنة

في المدن الكبيرة، تتأرجح الأوساط الشعبية بين تأجج الرغبة الجنسية وبين قلة حظوظ إشباعها. كيف تتأجج الرغبة؟ لماذا يتعذر إشباعها؟

من بين ما يعنيه التحضر، الانتقال إلى مجال غير قبلي يتأسس على قيم جديدة تدور حول الفرد وحرياته. في هذا المجال، يتحرر الفرد من نظرة الآخرين ومن ضغط القرابة، وبالتالي تصبح معاكسة النساء أمرا ممكنا. أبعد من ذلك، يرى زيمل (Simmel) أن معاكسة النساء ظاهرة حضرية بالأساس، بمعنى أن المعاكس يتعرض لنساء في كل الأماكن العمومية قصد استهلاكهن جنسيا. إنه الرجل الذي يجرب حظه مع كل النساء، ومع أكبر عدد ممكن من النساء. لا مجال هنا لشيء اسمه الحشمة، فلا أحد يعرفه في مجال حضري يتسم بالمجهولية وبترويض النظر على عدم النظر إلى الآخرين.

مثل هذا السلوك غير ممكن في البوادي أو في المدن العربية الإسلامية التقليدية حيث تسود علاقات القرابة والجوار، وحيث يحيا الإنسان بفضل نظرة الآخرة، وحيث يموت (اجتماعيا) بسببها. ما يسهل المعاكسة في المدينة الحديثة، وجود نساء لسن بقريبات، نساء غريبات ومجهولات، إناث فقط. إناث يتميزن عن الزوجات (الفعليات أو الممكنات) وعن القريبات، إناث يشكلن موضوع المعكاسة والاصطياد بامتياز في نظر الباحثة فضيلة مرابط. مرد ذلك أن الرجل العربي لا يزال يعتبر أن المجال العمومي ملكية خاصة له، ويرى أن كل أنثى (غير محرمة) اقتحمت مجاله هذا إلا وتقبل ضمنيا أن تُعاكس. كيف يمكن لامرأة يحتك بها الرجل في حافلة النقل ويراها شبه عارية في الشاطئ أو في المسبح أن تمتنع؟ إن الاختلاط الجنسي في المدن العربية لم يسوَّ بعد، بمعنى أن نظرة الرجل إلى المرأة في المجال العمومي لا تزال نظرة جنسية بامتياز، فهي نظرة إلى الجسد فقط، نظرة تنطلق من رغبة وتعبر عنها، وليست أبدا نظرة عامل لعاملة أو مواطن لمواطنة. إن حرية الرجل العربي لا تقف حيث تبدأ حرية المرأة.

من نتائج هذا الاختلاط الجنسي غير الناضج، غير القائم على احترام حريات المرأة، إثارة جنسية تسكن نفسية الرجل العربي باستمرار. فالاختلاط الجنسي لا يستقيم إلا متى تم الانتهاء من اختزال المرأة في جسدها، أي الانتهاء من إدراكها كموضوع جنسي بالأساس.

إضافة إلى الاختلاط غير المهيأ وغير المستوعَب، لا بد من الإشارة إلى سلعنة الجنس التي تفرزها المدينة الرأسمالية. فالجنس هنا يغدو صناعة ويتحول إلى تجارة، متجاوزا حدود الجنسانية الزوجية. آليات متعددة تشحد الرغبة الجنسية، وأماكن متعددة من المدينة تثير الرغبة من خلال فرص اللقاء التي تمنحها. وقد أظهر بحث أجراه باسكون وبنطاهر في مغرب السبعينات من القرن الماضي أن 78 في المئة من شباب القرى يحلم بالهجرة إلى المدينة لأسباب جنسية. وهذه تصريحات بعض أولئك الشبان بهذا الصدد: “في المدينة، يمكن أن تجد النساء بسهولة”، “لا توجد المواخير إلا في المدينة”، “في المدينة، تخرج النساء عاريات، مرتديات أشياء قصيرة، وإذا أردت أن تجرب حظك، فذلك ممكن”.

إن المدينة الرأسمالية، تلك السوق الجنسية، تخلق باستمرار الحاجة الدائمة والقوية للاستهلاك الجنسي. والأمر لا يتعلق فقط بإشباع الرغبة الأساسية والطبيعية، بل يتعداه إلى البحث عن متع مصطنعة لأن العرض هو الذي يحدد الطلب ويفرزه. في هذا الإطار، يتحول الجنس إلى لعبة، إلى تسلية، وهو الشيء الذي يبين أن الرأسمالية، من خلال الإشهار، تتحكم في الفرد وتسيره حسب مصالحها.

صحيح أن الرأسمالية العربية التابعة لم تبلغ بعد هذا المستوى من سلعنة الجنس، لكن المدن العربية الكبيرة لا تفتأ عن إثارة الرغبات الجنسية في صفوف سكانها. ومن ثم السؤال التالي: هل بإمكان السّاكنة الحضرية أن تلبي حاجياتها الجنسية الناتجة عن تنشئة رأسمالية؟ يتعقد الأمر عند الانتباه إلى ارتفاع معدل السن عند الزواج الأول. ففي كافة الأقطار العربية تقريبا، تتمدد فترة العزوبة ليس لأن هناك إعادة نظر فكرية في نموذجي الزواج والأسرة، وإنما نظرا لأسباب مادية صرفة. هكذا، ورغم أن الزواج يظل هدفا اجتماعيا استراتيجيا، يعجز الشباب عن تحقيقه بسبب البطالة أو عدم توفر السكن. وبالتالي يعاني الشباب العربي من تمزق بين إلحاح الرغبة الجنسية (الطبيعية والمصطنعة معا) وبين استحالة تحقيقها في الإطار الشرعي الوحيد، الإطار الزوجي. أمام هذا التمزق، حلول ثلاثة ممكنة، إشباع الرغبة في إطار غير شرعي وهو ما يؤدي إلى الشعور بالذنب، الاستمساك والصوم مع الشعور بالحرمان، إسدال شبه شرعية على علاقات جنسية (زواج عرفي، زواج المسيار، زواج المتعة…) وهو ما يعرض، في بعض البلدان، إلى خطر التجريم القانوني.

يتبين من هذا التحليل أن المدينة مثيرة جنسيا من حيث طابعها الرأسمالي، لكنها محبطة بالنظر إلى القيود الدينية المفروضة على الجنس. وهي محبطة انطلاقا من رأسماليتها أيضا، بحيث أن إمكانات الحصول على سكن مستقل بالنسبة للشباب تظل ضئيلة. فحتى لو تبنى الشاب الاختيار الجنسي غير الشرعي، يطرح له سؤال “أين”؟ أين يمكن للشاب أن يشبع رغبته الجنسية؟ سؤال يبرز تناقض المدينة الرأسمالية في العالم العربي، أي عدم وظيفيتها: تأجيج الرغبة الجنسية من جهة، العجز عن توفير المكان المناسب نظرا لاعتبارات “سوقية” (قبل الاعتبارات الدينية والقانونية).

والواقع أن مشكلة المكان لا تخص الشباب الأعزب لوحده، بل تطال العلاقة الزوجية نفسها. يبين المثال المغربي أن الكثير من المساكن الحضرية ليست وظيفية جنسيا، بمعنى أنها لا تسمح بإشباع الرغبة الجنسية على أكمل وجه. لماذا؟ لأن مسلسل التحضر لم يعن سوى تقلص حجم المسكن ولم يعن تقلص حجم الأسرة. فالإحصاءات الوطنية المتتالية بينت أن الأسر الكبيرة الحجم هي الأكثر عددا وأنها في تصاعد مطرد، الشيء الذي يناقض منطق التحضر في معناه السوسيولوجي. وهكذا يتوجب التدقيق في قانون دوركهايم القائل بأن تاريخ الأسرة هو تاريخ تقلصها. في المغرب، صحيح أن معظم الأسر أسر نووية، أي تتشكل من نواة زوجية واحدة. لكن هذا لا يعني أبدا أن حجمها تقلص كما يقتضي منطق الأسرة النووية. فرغم تراجع نسبة الخصوبة المطرد، ينتفخ حجم الأسر من جراء الهجرة القروية وأزمة السكن والبطالة.

كل تلك العوامل أدت إلى العودة إلى التساكن ما بين الأجيال بل وداخل الأجيال، وهو ما يعني بتعبير أبسط ظهور عائلة نووية ممتدة، عموديا وأفقيا. وقد أدى هذا التساكن الاضطراري إلى معدل 2،3 فرد في كل غرفة. وقد أجمع علماء الاجتماع الغربيين على أن هذا المعدل يشكل عتبة نقدية، بمعنى أن الطفل يصبح في هذا السياق عصبيا وعنيفا وأن العلاقات بين الزوجين تغدو متوترة. صحيح أن مفهوم العتبة مفهوم ثقافي ويختلف من مجتمع إلى مجتمع، فما هو نقدي أو مرضي في فرنسا أو الدانمارك ليس بالضرورة نقديا أو مرضيا في العالم العربي. لذا يتوجب تشخيص العتبتين، النقدية والمرضية، الخاصتين بالعالم العربي، بل وبكل مجتمع عربي على حدة. في هذا السياق، إشارة من هول (Hall) تؤكد أن العرب يتحملون الازدحام في الأماكن العمومية ولا يطيقونه في منازلهم. وفعلا، كيف يمكن لثلاث أسر أجنبية عن بعضها البعض أن تعيش في شقة تتكون من ثلاث غرف، كل أسرة في غرفة؟ ويصل مجموع عدد الأفراد الأسر الثلاث إلى 17. فلنتصور 17 فردا يهرعون كل صباح إلى المرحاض، إنه سباق بين الأم وأبنائها، بين الأب وبناته.

إن مسألة الاكتظاظ في الغرفة الواحدة تأخذ بعدا أخطر عند ربطها بالممارسة الجنسية. كيف يتم اقتسام مجال المنزل ليلا؟ من ينام مع من؟ هل يتمكن الزوجان من الاختلاء؟ هل يسمح الاكتظاظ بحميمية زوجية كاملة؟ هنا، يتوجب التمييز مع مصابويو (Massabuau) بين النوم السوي والنوم غير السوي. المقصود بالأول نوم الزوجين في غرفة، لوحدهما أو بصحبتهما طفل صغير، أو نوم طفلين في غرفة، أو نوم راشدين من نفس الجنس في غرفة. أما النوم غير السوي فنوم زوجين وراشد في نفس الغرفة، أو نوم رجل وامرأة غير متزوجين في نفس الغرفة مثلا. وبديهي أن الاكتظاظ يحتم النوم غير السوي. بهذا الصدد، قال لنا أحد الأطفال: “داخل الغرفة، نسمع صوت السرير وهو يهتز (بفعل جماع والديَّ)”. وقال آخر: “ننام كلنا في نفس الغرفة… أبي في طرف من الغرفة، وأمي في الطرف الآخر، ونحن الأطفال بينهما… حين يتأكد أبي من أننا نمنا، يوخز أمي بواسطة قصبة طويلة حتى تأتي إليه”. وحسب مجلة روز اليوسف، فإن أكثر من مليون زوج يمارسون الجنس أمام أطفالهم بسبب ضيق المكان.

وقد توصلنا، بفضل بحثنا الميداني عن فاس (الديالمي، السكن، الجنس، الإسلام، 1995)، إلى تشخيص خمسة أنماط من النوم: 1) النمط الفردي، ويعني نوم الزوجين لوحدهما أو الفرد الواحد في غرفة، وهو النمط الذي يحافظ بامتياز على الحميمية، 2) النمط المنطقوي عندما يتوزع المجال السكني إلى ثلاث مناطق، واحدة خاصة بالزوجين لوحدهما، وأخرى خاصة بكل الذكور رغم اختلافهم الجيلي، وثالثة خاصة بكل الإناث رغم اختلافهن الجيلي، 3) النمط الثنائي الصرف، حيث ينام الزوجان في غرفة وكل الآخرين في غرفة ثانية رغم الاختلاف الجنسي والجيلي، 4) النمط الثنائي الخام، حيث ينام الزوجان ومعهما رضيع أو أطفال صغار، وكل الآخرين في غرفة ثانية رغم الاختلاف الجنسي والجيلي، 5) النمط الجمعي، حيث ينام الكل في غرفة واحدة.

وينطبق النمط الفردي على 18 في المئة من السكان، أما النمط المنطقوي فعلى 28 في المئة. يعني هذا أن 54 في المئة من السكان ينامون بشكل ثنائي أو جماعي، أي أنها تضطر لخرق الحدود الجنسية والجيلية. 16 في المئة من الأسر الفاسية تنام في غرفة واحدة. معطيات تبين تخلف البنية السفلية المسكنية عن البنية الفوقية، سواء الإسلامية (القائلة بوجوب الفصل بين الجنسين في النوم) أو الحداثية القائلة بأفضلية التفرد في الغرفة.

مما لا شك فيه أن اكتظاظ الأجساد هذا يوقظ الرغبة الجنسية مبكرا ويسهل اللواط والسحاق وزنا المحارم. إن تقلص المسافات بين الأجساد، بالإضافة إلى نمط اللباس الشبقي أكثر فأكثر، يطرح مسألة الحدود الجنسية داخل الأوساط الفقيرة في العالم العربي. كيف يمكن للأسرة أن تراعي الفصل بين الجنسين في النوم وهي تعيش في غرفة واحدة مثلا؟ في الغرفة الجامعة لكل أفراد الأسرة، لا يستطيع المراهقون القطع مع الإثارة الجنسية التي يتعرضون إليها في الشارع العام، ولا يتمكن الوالدان من خوصصة حميميتهما الجنسية. في مثل هذه الظروف الحياتية والمسكنية، يبرز الحجاب كضرورة نفسية، كآلية دفاعية تحمي الفرد من وضع مقلق وعصيب. إنه بمثابة الحائط/الغائب الفاصل بين الجنسين، إنه حائط رمزي.

من هنا يتبين أن ارتفاع الكثافة السكانية داخل المنزل يحول دون تحقيق الوظيفة الجنسية داخله. على العكس من ذلك، يتحول المسكن إلى عامل حرمان. فالكثير من الأزواج الشرعيين لا يتوفرون على غرفة نوم مستقلة، متميزة ومعزولة. الشيء الذي يبين أن الحداثة المسكنية لم تتحقق بعد، وهو ما ينعكس على ميلاد الزوج (couple) نفسه إذ يحتاج الزوج إلى حيز مكاني خاص به ليؤسس وجوده الحقيقي والعميق. في المكان غير المناسب و/أو المكتظ، يضطر الزوج إلى الوطء، إلى المضاجعة السريعة، المسروقة، شبه الآثمة.

يؤدي غياب غرفة النوم في العديد من المساكن إلى التساؤل عن درجة الإشباع الجنسي في صفوف السكان الحضريين الفقراء. صحيح أن غرفة النوم ليست عاملا محددا لوحده، لكن دورها مهم في تحقيق الإشباع الجنسي وفي تسوية الحياة الجنسية بشكل عام. فحسب رينواطر (Rainwater)، “كلما انحدر الوضع الاجتماعي، كلما انخفض الاهتمام بالجنس وتقلصت المتع الجنسية”. كيف التوفيق بين هذه الجنسانية الخاطفة وبين هوس الفحولة المميز للعرب؟ كيف يمكن لذلك الهوس أن يتحقق دون توفر الأمكنة المناسبة؟ ألا يعود المسلم الفقير إلى الفتوى القائلة بجواز إسكان الزوجات في البيت الواحد ولو دون رضاهن؟ وإلى الفتوى القائلة بحلية جمع الزوجتين في الفراش الواحد؟ ألا نعود إلى القول بضرورة تنظيم استهلاك المجال الحضري وفق أخلاق إسلامية متشددة قصد تجنيب الرجل كل إثارة جنسية غير شرعية؟ ألا يرى المسلم الفقير أن حجاب المرأة هو الحل الأنجع لكي لا يصبح الاختلاط الجنسي مصدر إثارة مقلقة؟ فرضيتنا هنا هي أن إرادة الرجوع إلى تعدد الزوجات وإلى الحجاب إرادة تعبر أيضا عن حرمان جنسي لاشعوري في صفوف الجماهير العربية الحضرية، وهو الحرمان الناتج أيضا عن الصحوة النسائية التي تحوِّل المرأة إلى فاعل جنسي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق