“الحارس”: فصول من رواية تصدر قريبا للكاتب عزت القمحاوي (2 من 2)

لكي تحاصر القيادة التداعيات السيئة قررت حركة ترقيات جديدة في جميع الفرق شملت الضباط الذين أبدوا مستويات أعلى من الثبات في مواجهة التدهور المتواصل. وكان نصيب رائد الشجاعة نجمة جديدة حطت على كتفه. وسُمي نائباً لقائد الفرسان.

بدأ حفل الترفيع العام بالنشيد الرئاسي، الذي عُزف للمرة الأولى بتوزيع جديد أعده قائد عام موسيقى الحرس، بصرامة قرّبته من نفير الحرب. ثم بدأت استعراضات اللياقة للفرق المختلفة بكامل التسليح والدروع، قبل أن تصطف كل فرقة في شكل موكب نجح ضباطه في صد ثلاث محاولات وهمية للهجوم، مرة من شرفات القيادة، ومرة من مستوى الموكب، ومرة من نفق ينفتح فجأة وسط الركب الذي يتحول بليونة جسد ثعبان من السهم إلى القلعة المفتوحة إلى الدائرة.

تولى القائد العام مهمة مصافحة الضباط وتعليق الرتب الجديدة على أكتافهم. ثم تقدم بخطو واهن نحو الميكروفون، وضجت ساحة الفرسان بالتصفيق عندما بدأ كلمته بنقل تحية السيد الرئيس لأبنائه الحراس الذين يتعلق مستقبل البلاد بيقظتهم. كانت كلمة حماسية، ذكَّر فيها بأمجاد الحراسة على مر العصور، واحتدم صوته بشكل لايتناسب أبداً مع وهنه البادي، وألهب الأكف بالتصفيق مرات ومرات.

واختتم الحفل، مثلما بدأ، بالنشيد قبل أن يتقدم الركب إلى مطعم القيادة على إيقاع طبل مرح وبطيء بما يتناسب مع الخطو الواهن للقائد العام الذي بدا شديد النحافة، يعوم داخل ردائه الواسع.

وجد حارس الشجاعة نفسه على المائدة التي ضمت القيادات. تذكر يومه الأول، عندما استقبله قائد الفرسان للترحيب، في تقليد لم يتكرر مع حارس آخر. أخذ يتأمل وجه قائده، لايمكن أن يكون ذات القائد الذي استقبله في المرة الأولى ملازماً جديداً في فرقة الفرسان، كم قائداً تناوبوا على هذا المنصب حتى صار هو نائباً للقائد؟ حاول أن يخمن الدرجة التي كان عليها هذا القائد عندما كان هو ملازماً. أخذ يتفرس الوجوه الأخرى حول المائدة. اليوم يجلس بينهم عن استحقاق، يحاول أن يتبين الفرق في العمر بينه وبين القادة، قائده وقادة الفرق الأخرى الذين يميزهم من شاراتهم، كلهم في ذات السن تقريباً؛ سن التماسك الهش تحت صلابة الزي الرسمي، والشعر الأبيض بلون الثلج. هل يصغرهم حقاً أم أن هذا الشعور بالرثاء للآخرين ليس سوى محاولة لجلب الاطمئنان إلى نفسه.

القائد العام الذي أخذ يصد بهزة من يده المرتعشة جنود الخدمة كلما تقدموا منه بطبق جديد، يمتلك فيما يبدو شهية جيدة للحديث. بدأ بالإشادة بسلاح الفرسان؛ أصل الحراسة ومنبع تقاليدها.

ـ أرجو ألا يغضب السادة الضباط الآخرون، لكن هذه هي الحقيقة.

هو إذن فارس قديم. وإن كان في وهنه لايشبه الفرسان إلا بقدر ما يشبه فرس العربة جواد السباق. ولكن ما يهم؟ وما حاجته إلى الساعد من يمتلك أذن الرئيس وقلبه؟!

” قلت لفخامته، سألني سيادته، رويت لفخامته هذه النكتة بينما كنا نتمشى في حديقة القصر” أخذ القائد يتدفق بلا أدنى حذر، بل إن دروب الحديث الزلقة أخذته إلى منعطفات وعرة:” قالت لي السيدة ” وكان القادة يصغون بانتباه لم يمنعهم من مواصلة البلع.

فكر حارس الشجاعة أن الرجل الذي يواصل الكلام أمامه الآن ربما كان هو ذاته قائد الفرسان الذي استقبله وعامله بحنو في يومه الأول، وها هو اليوم قائد عام، بل واحد من العائلة؛ فهولا يمكن أن يتقول أو يدعي على الرئيس وأسرته ما لم يحدث.

–الرئيس موجود إذن.

همس لنفسه، بصوت يكاد يكون مسموعاً، ليطارد إلى أطراف عقله الوساوس التي ترسبت من همسات الضباط في سهراتهم، ومنها أن الرئيس رحل منذ زمن طويل، وأن السيدة تتكتم الخبر، وأن من يخرج في المواكب ليس سوى أحد البدلاء السبعة الذين لهم نفس ملامحه، ومنها أن قواه وهنت وأصبح يقضي في قصوره البعيدة أكثر مما يعيش بقصر الحكم، وعندما يعود إلى المدينة يفضل المواكب الجوية في طلعاته القليلة، مما جعل من فرق الحراسة الأرضية شيئاً من الماضي، لاتمضي إلا لمجرد الاستعراض والإيهام بوجود الرئيس.

فكر مقدم الشجاعة أن مسئولياته نائباً جديداً للقائد تحتم عليه أن يصدر أمره الأول لنفسه بالانضباط الذاتي، قبل أن يأمر ضباط الفرقة بذلك. طارد كل الخواطر السيئة إلى أطراف رأسه، وأخذ يتطلع إلى القائد العام، ليحاول تخمين السن التي سيحتل هو فيها هذا المنصب، وسرعان ما هزمه القنوط، منتفشاً في رأسه:

ـ ماذا يفيد إذا صرت قائداً للحرس بهذا الوهن؟

زحف رهاب الشيخوخة على بدنه كجيش من نمل، لكنه تمكن من إيقاف تقدمه، مواصلاً الاستماع إلى حديث القائد.
وبينما أخذ قادة الفرق الذين فرغوا من الطعام يشعلون السيجارة من الأخرى، كان حارس الشجاعة يشعل الفكرة من الأخرى، ويستولد الغبطة من رحم المخاوف. وفي القاعة التي امتلأت بالدخان، ومالت فيها الرؤوس تحت ثقل الدسم، استرد تشبثه بحلمه.

–ليس غير الاختراع!

استعاد لمسة اليد المهتزة التي علّقت رتبته الجديدة. تصور يد الرئيس التي ستمتد ذات يوم قريب لتنصبه قائداً عاماً أو حارساً واحداً أحداً. تذكر اللحظة التي ولدت بها فكرته أمام التليفزيون مروراً بأحلامه العديدة والأفكار التي تراكمت في ذهنه حتى الآن. ولم يخرجه من تأملاته إلا قيام القائد العام وانسحاب الآخرين وراءه، فسار كالمنوم بين الساعين نحو الثكنات.

راضياً دخل إلى جناح نائب القائد الذي صار له من هذه اللحظة. ولم يشرع في تأمله حتى جاءه استدعاء من القائد.

–أفندم.

قال وضرب الأرض بقدمه، تنبيهاً لقائده أكثر منها تحية. أخرج القائد عود الثقاب من أذنه، وأخذ يتأمل العصارة الشمعية العالقة به من دون أن ينظر إلى نائبه الواقف أمامه في الوضع انتباه، لكنه فجأة ألقى بعود الثقاب في سلة المهملات، وسحب قدمه من فوق المكتب متخذاً هيئة صارمة.

–هل تتصور أن ترقيتك نائباً متخطياً الضباط الأقدم كان عبثاً.

–أعرف أن العبث غير وارد هنا مطلقاً؟

–إذن تستمع إلى ما أقوله.

–تمام يا فندم.

–انس ما تفكر به.

انتفض حارس الشجاعة تحت لسعة المفاجأة. أشار القائد إليه ليجلس، وأخذ يتفحصه بنظرة يتساوى فيها الود مع الحسم.

–هل تصورت أنك يمكن أن تحلم ذات ليلة ولا تدري القيادة بحلمك؟!

–انتظرت حتى أتيقن من إمكانية النجاح.

–أي نجاح ؟! ما تحلم به نفذه السحرة منذ آلاف السنين.

نظر حارس الشجاعة مستغرباً ولم ينبس. قام القائد عن كرسيه، ودار حتى صار بمواجهة نائبه الذي بدا ممتقعاً أكثر وأكثر، وجلس على المقعد المقابل، وهمس بصوت لايكاد يسمع.

–كان بمقدورهم تسيير السحاب، وإخفاء الشمس، وتمويه الماء لتضليل الجيوش الغازية وإغراقها. ولا تزال أعمالهم باقية إلى اليوم، جزءاً مخفياً من منظومة الحراسة.

–باقية بأي معنى؟

–بأي معنى؟! وماذا تظن الأنفاق التي تفتح تلقائياً لتبتلع المركبات؟! وما الذي يديم الجو المعتدل فوق القصر، ومن الذي يخفيه عند اللزوم؟!

–وماذا يتبقى لنا إذن؟!

–يتبقى أننا كل شيء، في الظاهر على الأقل، لأن السيد الرئيس يفضل أن يعيش بالقوة، حتى لو كانت الحيلة نائمة في الأعماق.

أخذ نائب القائد يهز رأسه علامة الفهم، لكن كل ما كان يهمه في تلك اللحظة هو مقاومة الإحباط.

–هل أستحق شارة الشجاعة، على حلم تأخر آلاف السنين؟!

القائد الذي قرأ التساؤل في رأس نائبه قال مواسياً.

–كلنا، حلمنا مثلك أحلاماً محلومة من قبل، وأخرى مستحيلة.

واصل النائب هز رأسه صامتاً، لكنه لم يكد ينجح في طرد خيبة الأمل إلى أطراف عقله حتى عادت إلى مهاجمته كقطيع من الذئاب الشرسة.

{{26}}

أخذ يستطلع ما حوله بشغف لايشبه إلا شغف أيامه الأولى، باحثاً عن أسباب للبهجة طالما أهملها: الانتقال من الغرفة المفردة إلى جناحه الجديد المجاور لجناح القائد، زوجان من الجنود يتناوبان على خدمته طوال النهار والليل بدلاً من جندي الخدمة الليلي، استمرار رفقة حصانه الأزرق، وهذه ميزة ليست بالقليلة؛ فلم يعد لديه من الجلد ما يكفي للتعرف على جواد جديد، رغم أن علاقته به لم تتعد حدود التفاهم الحذر.

دوره في التدريبات اقتصر على الإشراف من بعيد، وفي طابور التمام صار آخر من يصل مع القائد أو بدلاً منه لتسلم القيادة والقيام بالمراسم النهائية. أصبح بوسعه أن يتحرك في المواكب بالحدود القصوى من كبرياء الضابط، متخففاً من دروعه، مشرعاً صدره في خيلاء من يطلب النزال، فقد صار الشخص الثاني، متأكداً من أنه قطع الخطوة الأوسع لكي يصبح مرئياً من الرئيس، حتى من دون الاختراع الذي صار عليه أن يتعايش مع نسيانه.

–خسارة حلم واحد كخسارة معركة، لاتعني خسارة الحرب.

أخذ يعزي نفسه. لكن المشكلة أنه لم يكن بوسعه دفن حلمه، من دون أن تعلق بردائه رائحة أحلام أخرى كانت قد ماتت من قبل.

كان مستلقياً يقرأ وقائع أيامه الماضية في بياض السقف، عندما ومضت أمامه صورة البنت السمينة التي أحبها، فخفق قلبه بضربة طبلة وحيدة، ونبض ما بين فخذيه نبضة خاطفة. أغمض عينيه مستدعياً تسبيلة جفنيها تحت حاجبيها المقرونين لحظة الذروة، طارداً فكرة طنت كذبابة في رأسه: ماذا لو هاجمتها الصقور، كيف يكون شكل الجفنين الرحبين فوق الفراغ الخالي من الجوهرتين اللوزيتين؟

ذب الخاطر الكئيب، وبالغ في الإغماض، مندهشاً من دقة استحضارها حتى ليستطيع أن يرسمها، من دون أن يتذكر اسمها! حاول أن يخمن عدد أطفالها، شكل علاقتها بزوجها، وما عساها تفعل في هذه اللحظة؛ تمارس الحب أم تقف بكوب من الشاي على رأس ابنها الساهر على مذاكرته؟ انتبه إلى أن صورة الأم الساهرة لم تكن اجتهاداً لخياله المتعب، بل استدعاءً لصورة أمه هو في روبها المنزلي وعصبة رأسها التي اعتادت أن تحاصر بها الصداع عندما كانت تسهر إلى جواره.

أحس برأسه محتقناً بضغط زائد في الدم يكاد يفجر عينيه، أخذ يدلكه، يعتصر رأسه نزولاً إلى الشرايين في قفاه، ثم تعود أصابعه إلى جبهته يدلكها برفق ثم يعبث بحاجبيه وأعلى أنفه وجفنيه. لم يحصل على خدر النعاس الذي سرعان ما كان يصل إليه تحت أصابع أمه، ولا على انتعاش النشوة تحت أصابع خطيبته. كم عاماً مرت على آخر مرة تلقى فيها هذه المداعبات؟ لم يمنحه ظلام عينيه المغلقتين تحت تدليك أصابعه جواباً شافياً، وما منح رأسه الراحة.

أغمض عينيه فتتابعت الصور في ومضات تضيء بطن جفنيه: تلاصقهما في الشرفة، تلاعقهما أمام التليفزيون، اختفاؤهما على سلم العمارة لحظات توديعه. البنت التي جعلته يتنازل عن قناعاته الجسدية، ويعشق لحمها الوافر الحنون. أخذ يفتش في ذاكرته ثم هتف بالاسم بغبطة من أنقذ ضحية كانت تشده إلى الهاوية.

–نوال!

فتح عينيه، من دون أن يتوقف تدفق الذكريات، أحس بالأسى، عندما تذكر وعيده الذي كان يصيبها بذعر متدلل “خمسة أطفال على الأقل”. لم يكن يريد أن يدفع إلى العالم بطفل مستوحش مثله، لكنه لم يأت بالخمسة ولا بالواحد، ربما أنجبتهم نوال.

قام إلى المرآة، حدق في الهالات السوداء تحت عينيه، في الشعيرات البيضاء التي خالطت سواد شاربه وفوديه. أدرك أن الوقت الذي كان من الممكن أن يستأنف فيه حياة أخرى قد مضى.

–لكن أحداً لم يفرض عليك هذه الحياة.

قال معنِّفاً المقدم الآخر، متيقناً من أن ذلك المهزوم ليس هو، لكنه شخص يشبهه يسكن المرآة التي تحتفظ بصورة أول مقدم تطلع فيها. عاد ليحدق في عمق المرآة، لم يكن حصانه هناك، وهذا عيب الجناح الخاص الذي تقع غرفة النوم إلى الداخل منه، بعيدة عن إطلالة الجواد. أحس برغبة عنيدة في رؤيته، فارتدى ملابسه وانطلق. لم يكد يضع قدمه على عتبة الجناح حتى انطلق حصانه في حمحمة ملتاعة. عبر الساحة باتجاهه، منتعشاً بالرائحة التي تهب كثيفة من قوس الاسطبل.
بعيداً عن الإشباع العاطفي، كان التناغم بين الفارس وحصانه مطلوباً أكثر من أي وقت مضى، وخاصة عندما يتعلق الأمر بقائد أو نائب للقائد وحصانه في وضع استثنائي.

لم تعد مهمة الحرس تقتصر فقط على تأمين الرئيس من أعين تتلصص خلف ستائر النوافذ، أو أعين تلتمع بالضيق وراء عجلات القيادة؛ بل من احتمال تواطؤ الشرطة العادية التي تنتشر في الشوارع ليل نهار. لم يكن هناك ما يؤكد هذا الاحتمال أو ينفيه، لكن العبارات البذيئة التي تكتب على الحوائط صارت تتكاثر بخطوط متقنة توحي باطمئنان كاتبيها. لوحات الشوارع والمنشآت تتغير في الليل إلى أخرى ساخرة، حتى “سوق الرخاء” التي أمر الرئيس ببنائها على أجمل الطرز المعمارية المتوارثة، بالقباب العالية ونوافذ الزجاج الملون، لتجمع تحت سقفها بضائع من كل خيرات البلاد، تعرضت للنهب قبل أن يفتتحها الرئيس، واستبدلت لافتتها المضيئة بلافتة أخرى بالحجم ذاته تحمل اسم “سيرك الجوع”.

واجهت القيادة تلك التحولات بتشكيلات جديدة أطلقت عليها “كتائب المحو” نُصبت خيامها إلى جوار ثكنات كتائب الشعب، تجوب الشوارع عند الفجر، تطمس الكتابات الليلة وتعيد صباغة الجدران، وترد اللافتات ولوحات الشوارع إلى أصولها، قبل أن تنتشر فرق الشعب بالأعلام المرفرفة وتصطف على جانبي الطريق، تنتظر المواكب الثمانين، الأرضية والجوية لتلوح بالأعلام وتهتف للرئيس.

ويوماً بعد يوم، كان على فرقة الفرسان أن تطور من أدائها. ولم يستمتع حارس الأمل بمزايا الفراغ النسبي الذي توفر له بعد أن أن صار نائباً للقائد حتى وجد نفسه مضطراً، ليس فقط إلى التفكير بفص واحد من مخه، بل بالنوم بعين واحدة.
القائد الذي تكاثفت عليه آلام المفاصل ومظاهر الاكتئاب ترك الحمل عليه شيئاً فشيئاً، في وقت لم تعد فيه مهمة القيادة تقتصر على مراقبة ما يتحرك، بل الساكن أيضاً.

كان من الضروري التأكد من أن فرق “المحو” لم تنس عبارة أو اسماً من الأسماء المدسوسة، حتى لايتسلل هذا الاسم إلى عيون الضابط، ليهمسوا به في سهراتهم، أو يتسبب في الفوضى، عندما يصدر الأمر بالتوجه إلى شارع لم يعد موجوداً بالنسبة لضباط التصق بذاكرتهم الاسم التهكمي.

ليس هنالك سوى العمل والمزيد منه. وحتى قبل أن تصدر القيادة العامة للحرس أمراً بمنع السهر نهائياً، وقبل أن تعززه بقطع الكهرباء عن الثكنات طوال الليل، نأى حارس الشجاعة عن الاختلاط بالضباط، مقتصراً على سهرات متباعدة كئيبة مع القائد.

الصيف صار وقته الأقسى.. الفصل الذي ارتبط بالملل صار أكثر إملالاً تحت وطأة ضيق تنفس برره لنفسه بزيادة الرطوبة والدخان الذي يتعرض له أثناء المواكب المتزايدة؛ على الرغم من إخلاء الشوارع قبل الموكب بساعات حتى تختفي أنفاس الرعية وعوادم سياراتها من هواء المدينة.

شرع في تطوير قدرة الحفاظ على التوازن الضروري تحت ضغط الملل الصيفي انتظاراً لحيوية الشتاء. وقد أخذ الفصلان يتمددان ليأكلا بينهما ربيعاً وخريفاً فقدا شخصيتيهما وأخذت أيامهما القصيرة تتذبذب بين الحر الشديد والبرد القارس في خبط عشواء.

لم يعد يتبقى من الربيع سوى ميلاد الأوراق في الأشجار موسمية الخضرة، فيما يبدو نوعاً من الانضباط العسكري أكثر من كونه استجابة لتغيرات مناخية. ولم يعد هنالك من مظاهر الخريف سوى سحابة الدخان التي تزداد سواداً عاماً بعد عام، وفرقة خدمة الشجر التي تظهر مع أول ورقة تسقط وتختفي مع اكتمال عري الأشجار.

صار مغرماً بالشتاء؛ ليله أرحب، وجدرانه المصنوعة من الظلمة والبرد صلبة إلى درجة توفر العزلة الكافية والأمان لهواجس الضعف التي يخشى افتضاحها في ليالي الصيف المكشوفة؛ فعلى الرغم من توغل البياض برأسه لم يكن يريد أن يعترف بأنه يتقدم في السن، وأن هذا السير باتجاه الهِرم هو تحديداً ما ينخر عزيمته كسوسة لعينة.

كان الليل الشتوي المستور يبالغ في كرمه أحياناً، فيتحول من نصير إلى عدو، عندما تتمدد طمأنينته، وتغريه فرصة الانفراد بنفسه، فتدفعه إلى إزاحة الرماد عن جمر الخوف والحزن المخفي. يتذكر إخفاق مشروعه لتطوير منظومة الحراسة، فيتطور إحباطه إلى الشك في ضرورة هذه الوظيفة من أساسها؛ يفكر في جدوى خروج الرئيس، في حاجته إلى اتخاذ كل هذه التدابير من أجل السير في الشوارع، ولأي هدف إذا كان بإمكانه أن يحصل على مايريد من غير أن يتحرك أو يراه أحد؟ لكنه كان يطارد هذه الأفكار حتى التخوم الأخيرة لفصي المخ. ويعود من حملته قابضاً على رقبة إحباطه، حتى يهمد مختنقاً، وما أن يطوحه بعيداً حتى يعود ليهاجمه بشراسة.

–المنصب ليس إلا تأكيداً إضافياً على التوغل في السن.

همس لنفسه متسائلاً عن الجدوى؛ فخارج حدود المعسكر لايوجد في كل هذا العالم الصاخب من يعنيه أن ضابطاً متميزاً يحمل شارة الشجاعة صار نائب قائد فرقة الفرسان. الوحيد الذي كان يهمه ذلك مات من دون أن يرى حتى حفل تخرجه ملازماً مستجداً. الرائد الذي دفع به إلى الدنيا، وإلى هذا النوع من الحياة، الوحيد الذي كان بمقدوره أن يفرح لأن ابنه تقدم عليه درجة، وصار مقدماً في حراسة الرئيس.

حاول أن يستجمع الملامح. قام إلى المرآة يتأمل وجهه، بحثاً عن شبه يربطه بالوجه الذي طاف أمامه غائماً كلوحة تأثيرية. حاول أن يتبين لون الشعر في صورة الطيف الذي يقف بينه وبين صورته في المرآة.

–هل عاش حتى صار شعره بهذا البياض.

قال بينما كان يجذب خصلة من شعره ويقربها من المرآة. فتح الباب وأمر أحد الجنديين باستدعاء الحلاق.

–لاأستطيع حضور طابور الصباح بشعر في هذا الطول.

قال، بينما كانت أصابعه تواصل الإمساك بالخصلة وإفلاتها من جديد.

وليس هناك ما يلزم ضابطاً بتبرير قراره أمام جندي، هو في الحقيقة خادم، لكنه وجد نفسه ينطق بهذه الإضافة غير الضرورية رداً على الدهشة في عيني الجندي الذي ضرب الأرض بقدمه رافعاً يده بالتحية:

–عُلم يا فندم.

هتف الجندي وانطلق راكضاً، بينما واصل رائد الشجاعة التحديق بشعره في المرآة. لم يكن طول الشعر هاجسه الحقيقي في هذه الساعة المتأخرة من الليل، بل الرغبة في لمسة من يد، أية يد.

{{27}}

من المؤكد أن ذلك حدث. صحيح أن درجة حرارته كانت تقارب الأربعين. ويتنفس بصعوبة شديدة. ومن شأن حالة كهذه أن تنتج عنها خيالات. لكنه رأى القائد حقيقة. كان جالساً بجوار فراشه. وطلب منه العمل بجد أكبر، وقال له إنه يعده لوراثة قيادة الفرقة.

–إن بقيت عاماً فلن أبقى الثاني، وأنت ترى أنني قد شرعت في هذه الخطوة.

هذا التصريح الذي ينتظره أي ضابط لم يكن في وقته تماماً، فلم يكن ما يعانيه حارس الشجاعة نزلة برد عادية كنوبات عديدة مر بها في حياته. كان ضيق التنفس الذي يعانيه يتطابق كلياً مع أعراض وباء اجتاح البلاد مؤخراً. وكان ما يبحث عنه في تلك اللحظة ميتة أقل ألماً. الاختناق من أسوأ الطرق التي يمكن أن يفقد بها المرء حياته هذا ما أحسه في لحظات اشتداد ضيق التنفس التي أجبرته مراراً على فتح فمه عن آخره يتلقط الهواء كسمكة خرجت إلى البر. حياته تمر على أبواب عقله المجهد كصور على سطح مرآة قديمة غائمة، وكان مستمتعاً بالعرض، مع ذلك وجد في نفسه بقية من إرادة نحى بها مخاوف الموت إلى أطراف دماغه المجهد، وأخذ يستمع إلى القائد بكل اهتمام كما لو كان راغباً في الميراث حقاً، فلا يزال هناك أمل في أن يكون ما يعانيه انفلوانزا تكالبت على جسده الذي لم يعد شاباً على أية حال. وإذا رد بحمق فإنه يبدد تعب عشرين عاماً من الخدمة في فرقة الفرسان من دون أن يدون اسمه في السجل الذي لايتسع إلا للقادة.

–لكن ذلك غير مضمون.

رد النائب بصعوبة، هامساً بدرجة من الحياد، لكن ما أفلتته شفتاه الجافتان أغضب القائد الذي كان ينتظر رداً آخر، قاله النائب جاداً مرات سابقة. وكان صادقاً؛ فهو لا يريد للقائد أن يغادر مكانه إلا قائداً عاماً للحرس، لكنه تعلم كيف يكون أكثر واقعية وامتثالا لأحكام الزمن، فصار يقولها بدافع اللياقة. وكان هذا أكثر من مُرضٍ للعقيد الذي لم يكن الخوف من حفل تسليم القيادة بأقل من خوفه من الموت.

ما عناه النائب بـ “غير مضمون” ليس الضيق بوجود قائده أو افتقاد الأمل في إزاحته، لكنه أدرك أن الاختيار ليس بيد الرئيس المسن وحده إن كان مايزال حياً؛ السيدة لها رأيها، والأولاد، والخدم الذين يستقلون العربة الرئاسية للتسوق، وليس مدرب الكلاب في القصر ببعيد عن تقييم المرشح لمنصب كهذا.

وعند التفكير بأمر الخلافة في قيادة الفرقة التي يعتز بها الرئيس أكثر من غيرها، ينبغي الخوف من لحظات الضعف التي قد يكون نظر فيها إلى العربة الرئاسية أو غيّر من مقياس زاوية النظر المكلف بها ذات يوم، أو أن يكون كح بطريقة قد تفهم خطأ بصيغة تهكمية. كل هذه المحاذير جعلت النائب يعيش متوائماً مع موقعه، متدفئاً بشارة الشجاعة على صدره سعيداً بأنه حتى اليوم تجنب المصير الغامض بين يدي الكتيبة الخفية.

–لمَ تستبعد ذلك، ليس هناك من هو أحق منك.

قال القائد بتسامح وهو ينظر في عيني نائبه الذي غاص في صمته، من دون أن يدري هل كان يكلمه حقيقة أم يناجي نفسه أم يخاطب شخصاً لامرئياً. وللحظة أحس بأن المحتضر هو لا نائبه المتعرق في فراشه. حدق في الوجه المصفر بذهول من ينظر في مرآة وقحة لاتعرف اللطف أو المجاملة. وفكر أنه حتى الآن لم يوجد النظام الذي يمنع الموت من اختراق سياج الحراسة. لو توصل أحدهم إلى هذه الإمكانية، هل يمكن أن يعلن اختراعه أو يجعله متاحاً؟ عندما يحدث هذا فسوف يعيش الرئيس إلى الأبد من دون أدنى أمل لأحد من بعده، ويتجمد ضباط الحراسة في أماكنهم، بلا أمل في الترقي. وليس من معنى لهذا سوى تجمد الحياة؛ أي الموت في المحل من غير حاجة إلى من يقبض الأرواح.

مط شفتيه ممتعضاً، ماسحاً بعينيه فضاء الغرفة. ومد يده يجفف العرق على جبهة نائبه.

–ما رأيك بجولة على نقاط الحراسة الآن؟

يعرف القائد أن يومين من الانقطاع عن الميدان يمكن أن يفاقما حالة نائبه، ويصبحا هما نفسهما مصدر العلة، وسبباً في تدهور لا يبرأ منه. ولذا ألقى باقتراحه كي يعيد النائب إلى حيويته.

–ليتني أستطيع.

خرج الرد واهناً من صدر المقدم مباشرة. وأحس القائد بحالة الوهن نفسها تتسلل إليه، مع سيل من العرق البارد على عنقه؛ فهب واقفاً. ولم يدع فرصة أخرى للتراجع، محولاً العرض إلى أمر قيادي لايرد.

–سأعود بعد عشر دقائق.

وضغط جرس استدعاء الخدمة في الجناح، فدخل على الفور جنديا خدمة النائب، دقا الأرض بقدميهما ورفعا يدين بالتحية، وأفسحا للقائد الذي أمرهما بمساعدة نائبه على تغيير ملابسه.

عندما عاد القائد كان النائب جاهزاً في بدلته وقد علق مسدسه في خصره، ونظارة الرؤية الليلية في رقبته، وعلى جيب سترته شارة الشجاعة مثل نابض كهربائي يدفع بموجات من الصحو إلى بدنه الواهن، وإن كانت خيوط العرق البارد تنزلق على عموده الفقري. جرب المشي لخطوات لكنه تداعى فوق أول كرسي بالاستقبال.

ابتسم القائد مغتبطاً بكونه استطاع أن يخمن بالضبط حدود قدرة نائبه، ولم يقترح عليه الجولة من دون استعداد يناسب وهنه. أشار إلى أحد الجنديين فخرج مستدعياً جنوداً أربعة كانوا ينتظرون في الخارج بمحفة، استلقى النائب عليها، ودثروه ببطانية. تقدم القائد وخلفه حمل الجنود محفة نائبه الذي أخذ شهيقاً عميقاً متلذذاً برائحة الاسطبلات التي تهب عليهم رغم سكون الهواء.

أمام أول برج مراقبة على السور توقف الموكب. كانت هناك رافعة من تلك التي تستخدم في نقل بالات التبن والبرسيم المجفف وجوالات الشعير للجياد. تسلق العقيد السلم، وعندما وصل إلى القمة كان الجنود قد وضعوا محفة النائب على الرافعة التي بدأت بالتحرك لأعلى حتى صارت في محاذاة عتبة البرج. تخلص النائب من الغطاء بوهن، واستدعى كل طاقته وقام متشبثاً بيد القائد الممدودة إليه.

وضعا نظارتي الرؤية على عيونهما. وقفا ينظران من إحدى الكوى. تذكر النائب ليلته الأولى في الحراسة الليلية. تداعت المشاهد على رأسه صافية كذكريات الطفولة: الملاءات المهتزة فوق أشباح، لاعبو الورق، ومشاهدو التليفزيون، وحلقات الثرثرة، وصبي الطائرة الورقية الذي أثار ذعره وعرضه للمحنة الأولى في خدمته. الآن لاشيء من هذا يمكن أن يُرى على الأسطح ذاتها. لاشيء بالمرة سوى النفايات التي كانت هناك دائماً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق