“الحارس”: فصول من رواية تصدر قريبا للكاتب عزت القمحاوي (1 من 2)

“الحارس”، رواية جديدة للأديب المصري عزت القمحاوي تصدر قريبا عن دار العين في القاهرة وتنفرد “الأوان” بنشر خمسة فصول منها. إلى جانب عمله في الصحافة كمدير تحرير لأسبوعية أخبار الأدب، أصدر الكاتب مجموعة أعمال هي: “حدث في بلاد التراب والطين” (قصص 1999)، “مدينة اللذة” (رواية 1997) “مواقيت البهجة” (قصص 2000)، “الأيك” (نصوص 2002)، “غرفة ترى النيل” (رواية 2004).
—-

{{23}}

بغتة انطفأت الشمس!

وللمرة الأولى بعد كل هذه السنوات يدرك حكمة إضاءة أعمدة الشوارع نهاراً أثناء عبور المواكب الرئاسية، وإضاءة أنوار المعسكر بصفة مستمرة.. على مدى كل هذه السنوات كانت أضواء الأعمدة المختنقة تحت أشعة الشمس تعبر أفق عينيه كجمرة غافية لاتترمد ولا تشتعل، بينما يطن في أذنيه الصوت الأجش لذلك اللواء الذي لم يعد يتذكر اسمه الآن، وإن كانت عبارته تتردد مضخمة في سماعات قاعة المحاضرات بالكلية: “من أجل مستويات الأمان الأعلى يجب أن نتصرف على أن الشمس قد تنطفيء فجأة”.

لم يكن الظلام من النوع الواقعي؛ بل مصمتاً مثل ظلام الكوابيس. بدأ ذلك أثناء طابور التمام المسائي، قبل موعد الغروب بساعة، غيمة كثيفة واحدة غطت سماء المدينة من غير أن تتحرك أو تسمح لشعاع من الشمس بالنفاذ. مصابيح الأعمدة على الأسوار وبطول نطاق الحراسة تكاد تُرى مثل هوة صغيرة حمراء وسط كهف.

في اللحظات الأولى التي لاحت فيها العتمة لم يبق واضحاً من الأجساد إلا أزواج العيون تلمع في آخر ضوء قبل أن تنطمر هي الأخرى تحت فيضان الظلام. ولم يعد هناك شيء سوى همهمات معلقة في الفراغ، مع دبيب الأقدام المتدافعة بلا نظام نحو الثكنات.

لا أثر للقمر أو لنجمة واحدة في السماء، ولابصيص أمل في تبديد هذه الكآبة. وكان من السهل الإنصات لنحيب الضباط الصغار، بينما تأتي من جهة الاسطبلات حمحمة الخيل ونواح الجند مثل ترجيعات كورس حزين.

تعليمات الطواريء حملها شفاهة إلى غرف الضباط جند يدبون معتمدين على عصيهم كعميان، يجسون الجدران بحثاً عن الأبواب، وعندما يهتدون إلى باب أحدهم يتلون عليه التعليمات متلجلجين، يجيئون ويذهبون من دون أن يؤدوا التحية العسكرية. والضباط الذين وجدوا أنفسهم على مسافة خطوة واحدة من نهاية العالم تساهلوا في هذا الحق الذي تضمنه اللوائح والأعراف العسكرية منذ بداية التاريخ، من دون أن يتمكنوا من الإمساك بكلمة واحدة سليمة بين ركام الكلمات التي تتدافع مهشمة من أفواه الجند المذعورين.

–لن أحصل على الأمان كما في هذه الليلة.

لاينبغي الادعاء بأن ضابطاً يمكن أن يكون محصناً ضد الخوف من الموت لمجرد أنه يحمل شارة الشجاعة، لكنه أزاح مخاوفه بعيداً مقدراً أن احتمالات الهلاك تتساوى مع احتمالات النجاة. وفي الحالة الأولى ليس هناك من فرق بين أن يستقبل قيامته على سريره أو بينما يدب في غابة، أما إذا كان الإظلام مجرد ظاهرة طبيعية خلقت ذعرها بسبب الجهل بها فإنه سيكون قد ضيع فرصة نادرة لتنفيذ رحلة قطعها مئات المرات في أحلامه. ليس هناك من أحد يمكن أن يستوقف أحداً الليلة.

فتح درج الكومودينو وسحب مسدسه، تمنطق به، ثم التقط نظارة الرؤية الليلية. وضعها على عينيه ناظراً باتجاه الباب فلم ير شيئاً. أعادها إلى مكانها وغادر الغرفة بخبرة قدميه متحرياً السير منتصب القامة، بخطى لايوهنها الظلام أو الخوف.
ـ حتى لو كانت هذه نهاية العالم، سأرحل كضابط.

لم يكن يتذكر كلمة السر التي حملها إليه في الظلام صوت تلجلج بها بين كلمات كثيرة. ولم يكن لذلك أية أهمية.
الحراس غير المرئيين نشروا شباكاً يستوقفون بها أي هدف يتحرك. اصطادوه أكثر من مرة. وكانوا يهذون بأحرف مقطعة الأوصال فيفترض أنهم يطلبون منه كلمة السر، ويجيبهم بهذيان مماثل يعتبرونه الجواب الصحيح فيرخون الشباك ليعبر من نطاق الفرسان ويسرى إلى نطاق المدرعات، فالمدفعية، قبل أن يولي وجهه عكس السور الخارجي ويتوغل باتجاه القصر.
إما أن الشمس بدأت تشرق من جديد، أو أنه يحلم، أو أن عينيه استدعتا في الظلام الكثيف صورة الغابة كما رآها في الأحلام؛ فقد بدأت أشجار التيليو والكستناء في الظهور التدريجي. والمنحدرات التي تدرب عليها في ظلام نومه يقطعها الآن بكل همة على الرغم من آلام كاحليه، واقتراب قدميه من الالتواء أكثر من مرة في منعطفات خطرة، لكنه حافظ على توازنه، وواصل اختيار الانعطافة الصحيحة دائماً حتى وجد نفسه في مواجهة اللافتة الإرشادية المضيئة “المكتبة بعد عشرين متراً”.

على الرغم من اضطرابه تصرف كضابط. لم ينحن للعبور من الفتحة الضيقة للكهف، بل جلس وزحف على مقعدته. معتمداً على ذراعه اليمنى، وباليسرى اتقى الضوء الباهر القادم من عمق لامتناه.

بعد المنحدر المرصوف بأحجار البازلت المتناسقة، كان بوسعه أن يقوم وينفض التراب عن مؤخرته ويتقدم منتصب القامة.

–أخيراً!

فاجأه الصوت الطاعن ففزع، واتخذت أطرافه قراراً فورياً بالفرار، لكن عقله أدرك الاستحالة، وأطلق الكوابح التي ثبتته في مكانه لحظات قبل أن يتقدم ليرى الشخص المختفي في كرسيه الضخم ولاتبدو منه سوى رأسه الثلجي الشعر. توقف عن الضرب على مفاتيح كمبيوتر أمامه، واستدار حتى صار في مواجهة الضابط، يتأمله بهزة من رأسه، وكأنه تأكد من حُسن توقعه.

–أخيراً وصلت؟

قال الشيخ بينما أخذت يده تعبث بفأرة الكمبيوتر.

–وهل تعرف ما أريد؟

رد ضابط الشجاعة بثبات أدهشه اكتشافه في نفسه.

–أكثر مما تعرفه أنت.

أشار إليه ليجلس على إحدى الحشيتين المجاورتين لمكتبه. وعاد متعالياً ومخفياً وراء شاشة الكمبيوتر. أخذ الرائد يعطس بتأثير الرائحة الكثيفة للجلد المدبوغ والعثة. وبدأ يستعيد قدرة عينيه المعشيتين على الرؤية.

بدا المدخل رأس مثلث تتفرع ممرات لامتناهية تتقابل فيها الرفوف الهرمية، حيث تتراص الرقاع الجلدية والمجلدات الضخمة الحائلة اللون على الرفوف الأدنى، وكلما اتجهت لأعلى تأخذ الرفوف في الضيق، وتدق مجلداتها التي تنتهي برف شاهق أخير للأقراص المدمجة على ارتفاع شاهق تحت السقف المزين بالنجوم.

كف الشيخ عن الضرب على مفاتيح الكمبيوتر، ورفع رأسه فبدا وجهه الطاعن بعينيه الصقريتين تخترقان الضابط الذي تحير في العثور على بداية جديدة لاستئناف الحوار.

–كيف تحيا هنا وحيداً يا عماه.

–إلى هذا الحد أعشاك الضوء؟!

قال الشيخ، بينما أشار بإصبعه إلى البعيد. حاول رائد الشجاعة تتبع إشاراته قبل أن ترتد عيناه متوسلتين. قرأ الشيخ حيرته، وقال في نبرة عتاب:

–جئت تبحث عن اللامرئي بعين كليلة!

عاد الضابط إلى التدقيق في الأفق اللانهائي، ولم ير شيئا. تململ محرجاً في جلسته. أدار الشيخ شاشة الكمبيوتر حتى أصبحت مرئية من كليهما. واستدعى مخططاً يشبه متاهات ألعاب الطفولة. أخذ الشيخ في تحريك مؤشر الكمبيوتر.

–نحن هنا.

كانت مئات الممرات، تنطلق متشعبة لتلتقي مع ممرات أخرى تتجمع أطرافها مثل بتلات الوردة حول فراغ دائري تنطلق منه الممرات مجدداً وتتعانق مع ممرات أخرى، في انعطافات جديدة وهكذا. أوقف الشيخ المؤشر على أحد هذه التقاطعات وكبّر الصورة، فبدت في وسط الدائرة طاولة مستديرة حولها رجال بسحنات مختلفة، أمامهم أجهزة كمبيوتر وأقراص مدمجة ومجلدات بمختلف الأحجام. كرر هذه الوقفات على عدد كبير من الانعطافات. بعض الطاولات انصرف مستخدموها إلى المطالعة في صمت، بعضها نطق الكمبيوتر بمناقشاتهم الصاخبة بلغات معروفة وأخرى غير معروفه.

–ليس بينهم حارس واحد!

قال رائد الشجاعة، فرد عليه الشيخ الذي بالغ بتكبير الصورة عارضاً مقاطعها جزءاً بعد الآخر:

–كلهم حراس، تقصد ليس هناك ضابط واحد.

–الضباط هم الحراس.

–يحرسون الوهم، ويموتون في معارك خاسرة، لكنك هنا لتحرس فكرتك، ومعركتك تستحق التضحية.

–هل تعني أنني سوف أموت هنا؟!

ـ تقصد التخلي عن الجسد؟ الجميع يحدث له هذا بطريقة أو أخرى، هنا أو في مكان آخر.

–هؤلاء..؟!

–تخلوا عن أجسادهم منذ قرون، لكن أفكارهم كانت من الثبات بحيث أبقتهم أحياء، انظر!

وأخذ الشيخ في تكبير الصورة حتى ملأت الشاشة، وحرك مؤشر الصوت.

–أتسمع؟!

لم تلتقط أذناه عبارة واحدة، ولم يستطع أن يحدس بما ينطوي عليه الجدل الحار بينهما. تطلع إلى الشيخ الذي تابع من دون أن ينظر إليه:

–يقضون اليوم في الدفاع عن أفكارهم، ومن كثرة الجدل تنفرط كلماتهم وتختلط، وعادة ما يخفقون في إثبات شيء محدد، فينصرفون إلى إعادة فرز هذه اللغة من تلك.

–وكيف لي أن أتعامل مع كل هذا؟!

–إخفاقهم ليس معناه إنعدام أمل.

قال الشيخ، بينما كانت أصابعه تعبث بمفاتيح الكمبيوتر، معيداً إلى الشاشة الصورة الكلية للمكتبة بتشابكاتها المدوخة.

–كلهم أخفقوا وسأنجح أنا؟!

–لم يخفقوا، أضاف كل منهم سؤاله وهذا يكفي.

فكر رائد الشجاعة أنه جاء للبحث عن إجابة، وليس لإضافة سؤال. ولم يعلم أن الشيخ سيلتقط ما يفكر به .

–على أحد هذه الرفوف يستريح كنزك.

–وكيف أجده؟

–مسألة حظ، قد تجده سريعاً وقد تستغرق وقتاً وقد تضل إلى الأبد.

دقق رائد الشجاعة مذعوراً في الخريطة المعقدة للمكتبة محاولاً تبين مواضع الانعطافات الدائرية التي صارت مجرد نقاط ضئيلة بين الالتفافات. تخيل مصيره عندما ينتهي روحاً هائمة بين أشباح هذه المتاهة. نظر في عيني الشيخ اللتين تتفرسانه. أحس بالدوار. وبدأت الروائح المخزونة تثقل على صدره فتضاعف إحساسه بالاختناق. وصارت الرغبة في الهروب أكبر من أي فضول لديه. هب واقفاً وسرعان ما تهاوى إلى الأرض.

عندما أفاق فارس الشجاعة وجد نفسه مستلقياً فوق العشب على التخوم بين المعسكر والقصر. كان نور الصبح يكافح حتى يشق الظلمة، أخذ في تدليك جسده المرتعش حتى تمكن أخيراً من الوقوف. لم تكن هناك مكتبة، ولم تكن هناك لافتة. انسحب بخطى واهنة، متنفساً هواء الصباح المنعش.

{{24}}

على مدى أشهر طويلةلم يجد لحظة سكينة واحدة، كي يقرر خطوته التالية. لم يكف عن استعادة وقائع تلك الليلة، بقلق لايلبث أن يتحول إلى غبطة، عندما يتذكر أن أحداً لم يوجه إليه ملاحظة واحدة بشأن زيارة المكتبة، هل كان يحلم؟ هل زارها حقيقة؟ هل الزيارة مشروعة، هل هي مخالفة تضاءلت أمام التحديات التي قلبت فرقة الفرسان، ومن المؤكد كل فرق الحراسة الأخرى؟

كان من الصعب تجاوز آثار يوم الظلام، خصوصاً وأن ظهور السحابة السوداء لم يعد يقتصر على فصل الخريف القصير، بل امتد ليظلل السماء في معظم أيام السنة، مهدداً بالإظلام التام في أية لحظة.

سرت رائحة الموت قوية من دون أن يتحدث بها أحد، لكن آثارها كانت تبدو في نظرات العيون، في الإحباط الذي تمضي به الجياد في المواكب، والتلويحات المصطنعة لأفراد فرق الشعب عند مرور المواكب وأحياناً التلويحات الملغزة التي يمكن تفسيرها على أكثر من وجه، يحاكون بها تلويحات الشعب الحقيقي.

الصقور بدأت تتجه بمخالبها إلى الداخل، وإن كان من الصعب معرفة أعداد من لحقهم العمى في الجنود أو في صفوف فرق الشعب، كان الواحد منهم يختفي قبل أن تتجلط دماء عينيه، بينما صار بالإمكان تخمين عدد الضباط الذين تسحبهم الكتيبة الخفية قياساً إلى عدد الضباط الجدد حملة النجمة الواحدة على الكتفين بسحناتهم المختلفة والأسماء التي يحملونها كشارة مميزة.

أخذت حالة الانهيار المعنوي تسري مثل مرض معدٍ، تخطى البشر إلى الجياد التي لم تعد تكف عن الصهيل، مبددة فرص التواصل المشوشة بين فرسانها في السهرات، مقلقة نومهم المؤرق أصلاً. تكررت وقائع تراخي بعض الجياد إلى ما بعد صافرة الاستنفار وحالات جنون أثناء المواكب تبدت في دوران الرأس باستمرار ولعق المخاطم والتشدق العصبي. تعاملت القيادة بحسم مع الجياد الميؤوس من إصلاحها، بينما عملت على رفع معنويات البقية بإخراجها من الاسطبلات إلى مزارع المعسكر في رحلات ترفيهية تتيح لها الاحتكاك والتعايش الحر لتغيير كآبة المعازل في الاسطبل وفي المواكب التي تحتم على كل حصان الالتزام بموقعه. كما بذلت عناية أكبر بالتغذية والتنظيف. وللمرة الأولى كلفت القيادة الفرسان بتنظيف جيادهم بأنفسهم بدلاً من جنود خدمة الاسطبل، كما ألزمتهم بملازمة الجياد في كل لحظات التدريب، بما في ذلك تمشية الإحماء الصباحية.

تزايد فترات التدريب نجح في رفع معنويات الخيل، وإعادة اللحمة بين جسد الفارس وجواده لكن ذلك لم يقلل من عادة السهر بين الضباط، وفرص تبادل الشائعات المثبطة للهمم، على العكس، تزايدت وبشكل جديد ظاهرة خروج الضباط بالليل يترنحون تحت تأثير الحشيش، لايقدرون على نطق كلمة السر واضحة، ولذلك كانوا يحملونها في أيديهم ويطلعون عليها زملاءهم من الضباط المناوبين، بينما كان على جنود خدمة الغرف أن ينهضوا بعبء حمل الضباط إلى الأسرّة في غرف لايعرفون إن كانت تخص هذا الضابط أو ذاك.

ولم يتمكن رائد الشجاعة من البقاء بعيداً عما يحدث. راودته لحظات شك يائسة: ماذا يفعل هنا؟!

ومثل نور خاطف تومض صورته طفلاً يجري باتجاه أمه الشابة الجميلة التي تتلقفه في حضنها. ويأخذ دبيب الذكرى في التقدم خطوة خطوة باتجاه الشباب: التطلع من الشرفة صوب أشباح النساء في الشرفات البعيدة، أيام المرح الجامعي، التلامسات التي تبدو عفوية مع زميلات الصف، الرحلات إلى الشواطيء، سرحات الأصابع فوق فخذ دافيء في ظلام السينما.

–ربما أحتاج إلى إجازة.

لِمَ لا؟ فكر بينما كان يحدق في سقف الغرفة بعينين خاليتين. إن أحداً لم يمنعه من الذهاب في عطلة، لكنهم كفوا عن تذكيره بذلك بعد أن تكرر رفضه. من حقه أن يجرب العودة إلى الحياة خارج أسوار المعسكر. كيف تبدو الآن؟ ولِمَ لاتكون فرصة للاختيار من جديد، ربما دعمت فرصة كتلك إيمانه بما نذر نفسه له منذ البداية، وأكدت له أنه اختار المكان المناسب، بل إن هذا مؤكد، فهو لم يعد يرى نفسه في مكان آخر.

أخذته رجفة لمجرد التفكير في عودته مرة أخرى، تسعى به سيارة وحيدة من سيارات الحرس بين صخب السيارات المدنية اللامبالية، لتحمله إلى شقة موحشة، لاأحد ينتظره فيها، ولاطفل يلوح له لحظة صعوده إلى أتوبيس المدرسة.

طبول حداد تصاعدت ضرباتها الجنائزية المكتومة في قلبه. قام من سريره. استبدل ملابسه، ومضى إلى أقرب صوت قادم من الغرف المجاورة. كانوا ضباطاً من مختلف الدرجات يكادون يختفون تحت سحابة من الدخان. تلقى رداً على تحيته مشوشاً ببقايا ضحكات. أفسحوا له، وساد صمت للحظات. مد له أحدهم يده بسيجارة منتفخة.

–تعظيم سلام لشجيع الخرابة!

قال أحدهم صاخباً، بينما نفث دخانه باتجاه شارة الشجاعة على صدر الرائد. وقعت معابثته موقع وجوم من الضباط الذين لم يفقدوا رشدهم تماماً.

–صدقوني، نحن جن سليمان، لقد مات الرئيس منذ زمن.

–بماذا تهرف أيها المسطول؟

–قل لي أنت، هل حدث أن رأيته يوماً؟

–لم أسع إلى هذا أبداً، ومع هذا فقد أراه، هي مسألة حظ.

–حظ؟ أي حظ يجعلني أحرس شبحاً لمدة عشرين عاماً؟

بدا الضابط مصراً، فتطوع آخر لمحاولة إنقاذ الموقف، وقد شعروا أنهم عرايا أمام الضابط الجديد اليقظ في السهرة.
ـ ليس حظاً، بل احتمالات يعرفها دارسو الرياضيات. أربعون موكباً أرضياً ومثلها في السماء، مما يعني أن احتمال وجوده في موكب الفرسان واحد على ثمانين في كل مرة.

يبدو أن هذه المحاولة العلمية للتفسير لم ترض ضابطاً آخر، فتدخل متبرماً:

–حظ، احتمالات، النتيجة أننا نحرس شبحاً.

–هي هيء، ليس شبحاً تماماً. لقد رأيته ذات مرة.

وأخفض الضابط من صوته وهو يتلفت حوله ثملاً:

–قلوط! صدقوني قطعة خراء حقيقية مدببة الرأس، رأيتها داخل الرداء!

ووجد ضابط الشجاعة أن من واجبه أخيراً أن يتدخل، على الرغم من التشوش الذي بدأ يحسه بعد الانتهاء من سيجارته.

–من قال إنك حارس أو تصلح لأن تكون حارساً، هل نسيت تدريباتك الأولية؟ ألم تكن حراسة مثل تلك الأشياء تمريناً على احترام المهمة في ذاتها؟ هل يعني هذا أنه الرئيس، هه، نسيتم؟!

ساد صمت، قبل أن يجد ضابط الشجاعة نفسه وحيداً، يأكل بنهم. وفي الصباح استيقظ بصداع حاد في رأسه. أخذ يستعيد الوقائع، من دون أن يتذكر هل غادر الضباط تباعاً أم أن يداً خفية كانت تمتد لتسحبهم بعيداً بمن فيهم مضيفهم؟ وأخذ يتطلع إلى عينيه الحمراوين في المرآة في محاولة يائسة للتيقن هل كان كل ذلك وقائع حقيقية، هل غادر سريره في ذلك المساء حقاً، أم أنه كان يحلم؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق