الحارقون على الأرض… والحارقون إلى السماء!

اليوم العالمي للكتاب في نهاية شهر إبريل. ومعرض تونس الدولي للكتاب في نهاية شهر إبريل والأسبوع الأول من شهر مايو2007. حدثان، أحدهما كوني، وثانيهما محلّي ـ بينهما معارض للكتب أخرى لا تعنينا في هذا المقام- يحيلان على فعل القراءة الذي لا يخلو منه وجود البشر، مهما كان الوجود مظلما وبلا حروف، أو كان البشر أميين جهلة وعميان. لا مناص من القراءة، ولا مهرب من التدوين الشفوي أو المكتوب. لنقرأ مع بعض، البعض من عيّنات هذا المكتوب.

القراءة مثل الكتابة. هي ترياق، سمّ محايد، قد يكون قاتلا وقد يكون شافيا. المسألة، كل المسألة، في حكم الثقافة السائدة، التي سبق أن قرأت وكتبت وسادت واستبدت بالسيادة حين أصابت كبد الحقيقة فقتلها. السيادة قاتلة دوما، خصوصا حين يتواطأ معها في ذلك المعنى والزمن، مهما كانت سيادتها، عدما أو غارا، في رئاسة، أو على مزبلة. السيادة بطبيعتها قوّة لها خصائص النّار تأكل نفسها إذا لم تجد ما يُؤكل. تقابلها في الجهة الأخرى تلك الثقافة المستعدة، أو التي تحاول أن تعدّ العدّة، والتي ترغب في أن تسود عبر محاولاتها المشكوك فيها في القراءة والكتابة، وهي تضمر شهوة متعاظمة متمادية في السيادة، مهما كان نوع تلك السيادة.

السعي إلى السيادة هو حياة، وبلوغ السيادة والإيغال فيها وتوثينها موت.

الترياق هو أيضا في حكم الحياة والموت. في هذا السياق هو صيدلة وتطبب: حسن التشخيص، نوعية الدواء، نسبة الجرعات وتوقيتها ورغبة الجسد وقدرته على الاحتمال والتحمّل والاستفادة والشفاء، أو العطب والفساد. وكل ذلك بمساعدة العقل، أو الذهن، سلبا أو إيجابا. يكون الجسد أحيانا هو الكتابة، والعقل أحيانا هو القراءة. والأحيان دوما هو المهيمن.
لست من أنصار القراءة ولا الكتابة والكتاب، ولا أنا من الخصوم.
ماذا تقرأ؟ لمن تقرأ؟ كيف تقرأ؟ متى تقرأ؟ لماذا تقرأ؟
تلك أسئلة للقارئ، بما أنه في مقام أول قبل الكاتب. كل كاتب هو قارئ قبل أن يكون كاتبا. ويصحّ، عكسا، طرح تلك الأسئلة على الكاتب والكتاب والمكتوب. على الحرف والمنحرف والمحترف والحرفة وكل القرف.

معارض الكتب، في كل مكان زرته، سواء أكانت سوقا للبيع والشراء مثلما حالنا العربي، أو كانت واجهة براقة لآخر ما يبرق من بريق التسويق والتبادل والترجمة والنجوم، هي كلّها أيام للقيامة الفكرية والذوقية، الجهنمية، مهما كانت عناوينها وأسماؤها، فوضوية وكريهة ومبلبلة للخواطر والأفكار، وهي في كل الأحوال مرعبة، للقارئ والكاتب، ومثيرة للفزع والدوار، تفلسنا، ولا تفلسفنا، وتستنزفنا روحيا وماليا. أخرج منها مصدّع الرأس وتائها وتافها، تشتعل في أطرافي النيران، دون أي إحساس بالغفران ولا أي إحساس بالإنسان قارئا أو كاتبا.

أفضّل المكتبات القارة المعلومة في أماكنها الثابتة المعلومة. هي تاج القارئ والكاتب بلا منازع. شبيهة بمتاجر الحارات والأحياء والتجمعات السكانية. تقصدها لحاجة معلومة، فتقتني منها معلومك، أو شيئا من ودّ مبهومك. المعارض، قرينة اللهفة والاستعراض وشراهة الاستهلاك. هي بالضبط فضاءات تجارية واسعةعملاقة، عولمية في ظاهرها وفي نواياها وفي منتهاها، تذكرك دائما بأنك ضئيل، دون أن تمدّ لك يد المساعدة. وتوحي لك بأنك في حاجة لما أنت في حاجة إليه وإلى ما أنت لست في حاجة إليه. تصيبك بلهفة المعرفة وسعارها، فتقتني منها معلومك و مبهومك ومجهولك، وما أنت في غنى عنه أو ما هو في غنى عنك، ما يفيض عن وقتك ومالك وقدراتك، وتكون رهينة وجود عند تلك المعارض. وفي ذلك تظل المكتبات حبيبة إلى النفس، لأن لها صلة رحم لغوية بالكتاب، بل لعلها رحم أمومي للكتاب. المكتبة لا تتعسّف ولا تتبجّح، تتيح لك ما جئت، تقريبا، من أجله. المكتبة خليلة الكتاب. معارض الكتب هي مواخير وإخلال وخلل. هي ما يخللك ليس من أجل تصبيرك وإنما من أجل تعفينك. أن تتعفن في مشترياتك التي أنت لست بحاجة إليها. لست بحاجة إليها توّا. أو هي ستتعفّن بعد فترة، وحين تتناولها ستصيبك بالتعفن حتما.

عن التعفن الثقافي وعن التعفن الاجتماعي، كتابة وقراءة، نحن أمام مثل هذه العيّنات التي صادفتني وأنا بصدد ما يشبه الحياة والكتابة والكتاب. الحياة التي كأنها موات.

{{العيّنة الأولى}}

ها أنا، بعد عامين من المقاطعة، كرها في المعرض وفي المعارض، وثقلا في التنقل، ورهبة من التعارف والمعارف، أجدني في الطريق إلى معرض تونس الدولي للكتاب. فقد آن الأوان وأزفت الساعة، ساعة محاولة العمل ومراودات مهنة الشؤم.

في الحافلة، الحافلة بكل شيء سوى بالناس، رغم كثرتهم الكاثرة، الناس الذين لا أدري ما الذي يؤجّل قرار موتهم أو انتحارهم. كأنها حافلة الحشر لا البشر، لا بقاء وإنما فناء يتفانى. لا أنكر أن ذهني الانشقاقي هو من يصوّر لي الأمور على شاكلة قيامية. لكن ليس بدون أسباب منطقية. كنت أفكر في شهر إبريل الغريب، الذي ليس بالطويل وليس بالقصير. ورغم اعتداله في الطول والقصر، إنما كان متطرفا وسخيا في تطرفه عند الحوادث معنا. في يومه التاسع من عقد الثلاثينات من القرن الماضي، سقط، يا للسقوط! في تونس الكثير من الشهداء، الذين تظاهروا ضد التجنيس بالجنسية الفرنساوية، وسمّت تونس الاستقلال يوم التاسع من إبريل من كل عام عيدا للشهداء. والرائع أن شهداءنا لهذا الشهر من عام 2007، بعد أن تجاوز عمر الاحتفال بعيد شهدائنا الرجال المقاومين نصف القرن، كانوا من النساء وكانت اسماءهم: أمل، ندى، هناء، نورس، هشام (12 سنة)، نادية وسنية… نساء تونس الشهيدات العتيدات سقطن، هذه المرة سقوطا مروّعا، جليا وحقيقيا، في آخر يوم من شهر إبريل، داستهن الأقدام الوطنية الهمجية في ملعب في مدينة صفاقس في حفل ما يسمى “طلبة ستار أكاديمي”. احتفل الناس واندفعوا واحتكت الساق بالساق والمنكب بالمنكب والجموح بالجموح والجموع بالجموع وقد أصابهم جنون الحشود. كل حفلة الناس التونسيين كانت من أجل الأيقونة الفنية الموسيقية العولمية على نطاقنا العربي التي هي من تصميم سعودي لبناني. سعودي لبناني يعرفان كيف يٌحياننا أحيانا، وكيف يفتنانا ويغواننا، أو يقتلانا في كثير من الأحيان الراهنة.

من مات مات وفات. له الوفاة كل الوفاة. فقط وفاء للوفاة. وعدم سماح للفوات، تفوت الحوادث، الدنيا كحادث وحوادث وحواديث لمن نقرأها حين لم نكتبها. فوات، وليست وفاة. كل موتانا فوات وليسوا في عداد الوفاة ولا الأموات، لأننا، للأسف، نفوّت ولا نوفّي. فلا موتانا متوفين ولا نحن بمقدورنا أن نمنع الفوات. هنا ثمة مشكلة معرفية ووجودية تمثيلها في من هو ميّت في الحياة، ومن هو حيّ ولا جود له. هل نحن، ما نُسمّى نحن، أحياء في الحياة؟ هل أسلافنا ماتوا في موتهم؟ هل نحن وأسلافنا موت ومقبرة ودعوة للقبر. أليست مهمتنا الأولى، أوكد مهامنا، أن نشرع مباشرة في دفن موتانا، القدامى والجدد. بأن نجعلهم يموتون وينتهون. لأن عليهم أن يموتوا ككل أحياء، أو ككل حياة، من المفروض أنها منذورة بطبيعة وجودها للموت.

الموت جدير بالتقديس شأنه شأن الحياة.

إنما الانتحار ليس حياة وليس موتا بالضرورة.

أردأ أنواع الشهادة أن نشاهد الموت حياة والحياة موتا.

ومن نكد الدنيا حين تُخلط الدنيا عقلنا بحسّنا، فنصير لا نميّز حسّا عن عقل، فنهجر الحسّ والعقل معا، ونكون في مهبّ شهوة الخلط بين الدنيا والآخرة، والفناء بالبقاء، حتّى لا نعود نتعرّف أين نقيم. هل في الدار الفانية أم في الدار الباقية؟

كان ثمة شهداء تونسيون، وطنيون متحمسون وغافلون عن الدنيا ومعترضون بحماس عما يجري في الدنيا، كأي شهداء. أقصد كأي أناس بإمكاننا أن نسميهم انتحاريين، بلغة العصر، يستبدلون دنياهم بآخرتهم، دار الفناء بدار الفناء. أو الأحرى، دار البقاء بدار الفناء، أو العكس، لا أدري! خاضوا معارك حياة أو موت. معارك شهداء وشهادة، على مسألة تبدو لنا غريبة الآن، في هذا الأوان. معارك ضد تجنيس التوانسة بالجنسية الفرنسية، وكان السياسيون المحليون المحنّكون حاضرين ومحرّضين. رغم أن الجنسية الفرنسية العزيزة، والتي كان يتمتّع بها العديد من الشخصيات الوطنية المناضلة والمرموقة، هم ونساؤهم وأبناؤهم. تلك الجنسية كانت ومازالت لا تمنح إلا لمن يستحقها حسب تعريف الاستعمار. كانت مشتهاة في ذلك الوقت وفي كل الأوقات للنخب وللشعوب ، في الماضي كما في الحاضر، وفيما نراه من مستقبل. وهي جنسية لن تكون ممنوحة لمن يطلبها في كل الأحوال، في القرن الماضي أو في أي قرن يقرنهم بالوجود…

شهداؤنا، هم شهداؤنا رغم كل شيء، رجالا ونساء، شهدوا بدمهم المراق، لكي نشهد عليهم، ما أمكننا، بحبرنا المراق هو الآخر. هنا ثمة ثمرات أُخر، من المعاني والشهادة والشهيد. يعني من القتل ومن معنى القتل والنحر والانتحار الأرضي والسماوي. وتلك أيضا شهيداتنا اللواتي سقطن ضحايا حلمهن التلفزي المسفوح، وهمّ أنوثتهن المغدورة المهدورة، التائهة في فنطازم وجودهن الحديث غير المعقول… هن شهيدات شكل من أشكال الدفاع عن ما يحقق المواطنة والوطن، بتصديق الوطن وتلبية ندائه للنضال أو للاحتفال. كلنا جنود للوطن في القتال وفي الاحتفال. شكل من أشكال الشهادة الوطنية الجامحة. شكل من أشكال الانتحار المضمر، المسبوق بالرغبة والتصميم. أناس يموتون من أجل ما يمسى استقلالا، وأناس يولدون في الاستقلال ويموتون من أجل شهوة التمتع ببريق الاستقلال. أو ما كان يسمّيه زعيم تونس الأول: “فرحة الحياة”.

أيها الاستقلال العظيم كم تأكل منّا في كآبتك وفي بهجتك.

“حارقون” على الأرض. حارقون إلى السماء!

من السخريات أن الحبيب بورقيبة، ذلك الزعيم الأوحد لدولة الاستقلال، مات في بداية شهر إبريل سنة 2002.
من السخريات أن عيد استقلال تونس يوم 20 مارس من سنة 1956 تزامن مع يوم 20 مارس 2003 يوم غزو بغداد. ومن السخريات أيضا أن يوم عيد الشهداء في تونس تزامن مع يوم 9 إبريل يوم سقوط بغداد سنة 2003… لا بأس علينا في تونس، مازلنا نحتفل باستقلالنا وبعيد شهدائنا رغم مصادفات الأرقام السخيفة التي لا شأن لنا بها.
أرقام سحرية، أرقام ساحرة، أرقام ساخرة. كنت أفكر بهذا الشأن وأنا في طريقي لمعرض تونس الدولي للكتاب إلى حين اجتيازي بوابة الدخول.

{{العيّنة الثانية}}

بلغني أن هذه الدورة من معرض تونس الدولي للكتاب، وقع فيها استبعاد الكتب ذات المحمول الشعوذي وتلك التي تعلى من شأن الخطاب الديني السلفي. كنت أشك في الأمر. لا يمكن أصلا تنظيم معرض للكتب في أي بلاد عربية، مهما كان اسم تلك البلاد، ما لم يستحوذ الكتاب الديني، السلفي منه خصوصا، على نصيب الأسد وعلى نصيب كل الحيوانات المفترسة الأخرى. فالكتاب الديني هو الخبز الذهني والروحي للشعوب العربية والإسلامية التي لم تعرف خبزا سواه، خصوصا إذا تبدّى لها في غلافه السميك المقوّى، المنجّد البرّاق، الذي يخطف الأبصار مهما كانت محترفة أو منحرفة. الكتاب السيّد بمظهره وبخضرته الغامقة وخطوط عناوينه الذهبية المحفورة النّاهدة. اخضرار على ذهب على نهود. وماذا يطلب العربي والمسلم أكثر من هذا؟ لون الجنّة ولون الدنيا حين يقترنان ويمتزجان وينهدان على غلاف كتاب هو سيّد سيادة مطلقة على من سواه، أو من عداه، من كتب مهما كان بهرجها، أو أناقة مظهرها.

الكتاب الديني والكتاب التراثي هما اللذان يتمتعان بوهج الكتاب، كتاب الماضي الذي لم يمض بعد، في غياب فادح لكتاب الحاضر، والعدم الفاغر لكتاب المستقبل. يبدأ كتاب الماضي من غلافه، بحجمه وطوله وعرضه. والغلاف هو، تقريبا، كل شيء، في ثقافة شعارها: المقال يقرأ من عنوانه. أو من مظهره الخارجي حسب ثقافتنا المظهرية والمرئية المرائية التي نحن عليها.

اجتزت مدخل قصر المعارض بضاحية “الكرم” حيث يقام معرض تونس الدولي للكتاب، كما يسمّى رسميا، دون اقتطاع تذكرة دخول بنصف دينار. جرّبت الاستظهار ببطاقتي الصحفية الرسمية فنجحت التجربة. في الباحة الفسيحة، الفاصلة بين المدخل وأروقة المعرض، اعترضني شخص أول يعلّق شارة على صدره وخاطبني متوسلا وداعيا لي برحمة الوالدين وبرحمة من الله ومغفرة من لدنه إذا ساهمت بالتبرع المالي لبناء جامع بمنطقة “صنهاجة” في وادي الليل من محافظة “منوبة”. وستكون الرحمة والمغفرة مضاعفة كلما ضاعفت من قيمة التبرع. تخلصت منه ومضيت في سبيلي. على بعد بضعة أمتار اعترضني شخص ثان، أكبر في العمر وفي الجسم، وطلب الطلب نفسه وبالعبارات ذاتها، إنما من أجل بناء جامع في معتمدية سجنان من ولاية بنزرت. فعلت معه الفعل ذاته الذي كان لي مع من سبقه. وبدأت أستغرب الأمر. رددت بيني وبين نفسي ما يردده التوانسة ذوو الذاكرة البحرية كلما أرادوا التعبير عن خيبة أملهم من البدايات الفاشلة: “من المرسى بدأنا التجذيف”. يرددون ذلك كلما كانت الرياح غير مواتية للمراكب الشراعية القديمة. أو حين تتعطّل محرّكات المراكب الميكانيكية عند إقلاعها. وفي الحالتين، يتحتم، حينئذ، على السواعد أن تلتحم بالمجاديف لهدر الطاقة البشرية واستنزافها.

فعلا كان تجذيفا في البحر وتجذيفا على اليابسة. اعترضني ثالث. كهل متقدم في كهولته، ورجاني، بمزيد من الرجاء والأدعية، اقتطاع ما أقدر عليه من مقتطعات تبرع لفائدة بناء جامع آخر في جهة أخرى من الجمهورية التونسية، في برج العامري من ولاية (محافظة) أريانة. ازداد تجذيفي، بالمعنى البحري وتجديفي بالمعنى العقائدي، للوصول في أسرع وقت إلى جوف معرض تونس الدولي للكتاب حيث متاهة أمعائه، بما تحتويه من متصلبات دافئة وسوائل دافقة وغازات غافقة وإكراهات نافقة.

عزمت على الدخول والخروج في أسرع وقت ممكن، وأن أتفادى ما أمكن زوّار المعرض، الذين أعرف الكثير منهم، مثقفين وكتابا وعارضين وإعلاميين… إلخ. ثمة ما يُحكى في الحيّز الفاصل بين الدخول والخروج. لكن لأؤجّل ذلك ولأخرج الآن. خرجت من كل فضاء قصر المعارض. أين المهرب؟. هنا كان يتربّص بي متطوع رابع لجمع التبرعات لبناء جامع التوبة بالقتمة، معتمدية سجنان، ولاية بنزرت. شاب في الثلاثين من عمره، بائس الهيئة واللباس والملامح. شبك على سترته المهلهلة بطاقة متطوع مسلّمة من اللجنة المكلفة ببناء المسجد ومختومة بخاتمها. ومسك بيده اليسرى دفتر مقتطعات، كل ورقة منه بقيمة دينار تونسي، أقل من دولار أمريكي بقليل.

قلت له أنني سبق أن قابلت شخصا يطلب التبرع لجامع في سجنان. هل سجنان (سجن زائد سجن) كلها تنوي بناء جوامع والانخراط في صلاة جماعية؟ أجابني وهو يبلل شفتيه من فرط جفاف ريقه، ووقوفه النضالي تحت شمس ربيعية نضرة تسومه العذاب. قال إن اللجنة بعثت للمعرض مندوبين اثنين لجمع التبرعات لجامع التوبة بمشيخة القتمة، هو أحدهما. نقدته دينارا وسألته عن اسمه بعد أن قلت له أنني أعمل في الصحافة. سلمني مقتطعة وقال لي أن ثمة زوارا للمعرض يعطونه دينارا ليتخلصوا منه، وكانوا يشيرون عليه بأن يحتفظ بالمقتطعة في الدفتر وبالدينار لنفسه، ولكنه يعتبر نفسه في مهمة مقدسة لا يجوز فيها الغشّ، وأخرج من جيبه مقتطعة ممزقة وقال أنها آخر ورقة لم يرغب المتبرع في تسلمها، في حين أنه مزقها ولم يستأثر بقيمتها المالية.

اسمه عز الدين سعيداني، تفضّل متطوّعا مشكورا بمدّي شفويا بإحصائية سكانية لقريته التي تتألف من 8 آلاف ساكن، ولا يوجد بها لا جامع ولا مسجد. وأفادني بأن شيوخها التقاة يضطرون للسفر إلى مدينة سجنان، التي يسكنها 48 ألف ساكن، من أجل الصلاة. في مشيختهم، قريتهم القتمة، عندهم مستوصف، وعندهم مقاه، وعندهم مدرسة ابتدائية وأخرى إعدادية، ولديهم منطقة فلاحية سقوية بصدد التهيئة، ينتظرونها بفارغ الصبر ليسترزقوا منها. لكن ليس عندهم مكتبة ولا أي مرفق من مرافق الترفيه.

عز الدين لا يصلي ولكنه يحبّ عمل الخير. كان يعمل كهربائيا، ولكن صعقته قوة كهربائية، فكفّ عن مزاولة عمله وراح يتعاطى بعض الأعمال اليومية التي تجود بها الحياة أو لا تجود. وهو الآن متطوع بإرادته ورغبته للمساهمة في بناء جامع في قريته، يقول أن تكلفته في حدود 90 ألف دينار تونسي. ويشدد أن لا أحد من أبناء القرية يعرف موقع الجامع المرتقب ولا مساحته ولا مثاله الهندسي. كل ذلك في علم المُعتمَد والجهات الرسمية.

عز الدين متطوّع تقريبا، فقد تلقّى من الجهات المسؤولة 25 دينارا تونسيا لتسهيل مهمته، وعلى ضوء المصاريف التي سينفقها يكون حسابه مع الجهة المعنية. ومن أجل تقليص المصاريف يأكل قليلا ويقضّى ليله مع لفيف من أبناء جهته العاملين في مدينة تونس. سلّمني عز الدين مقتطعة بدينار تثبت أنني تبرعت لجامع التوبة بالقتمة، حسب ترخيص من الجهات المعنية، تحت عدد 485 بتاريخ 25/ 1/ 2007. وكتب فيها رقم الحساب البنكي، ورقم المقتطعة وكل المعلومات الضرورية. وأضاف أنه وزّع من المقتطعات ما قيمته 150 دينارا تونسيا خلال يومين. أزيد قليلا من مائة دولار أميركي. وبعد أن تتجمع التبرعات فإن عز الدين لا علاقة له بالحسابات ومراقبة الحسابات.

عز الدّين هو معنى حارق وجسد محروق بالشمس والكهرباء، يتردد وجوده بين الأرض والسماء. سألته في الختام، هل صادف أن تقابل مع أحد من أبناء قريته، وأبناء مدينة سجنان التي قضّى فيها سنوات دراسته، في معرض تونس الدولي للكتاب. أجابني أن لا أحد ممن يعرف صادفه في هذا المعرض، فالكتب هي للمسؤولين والمثقفين وليست للمواطنين… نين!

{{العيّنة الثالثة والأخيرة للضرورة}}

بعد مغادرتي لمعرض الكتاب، كنت على سفر إلى جهة من الجهات الساحلية في تونس. علق في ذهني من زيارتي للمعرض كيف أن موقع المملكة العربية السعودية يحتل دائما، منذ زمن بعيد، منذ بداية تأسيس معرض تونس الدولي للكتاب، تقريبا، صدارة المعرض، في مواجهة مدخله الرئيس. السعودية في الصدارة العربية دائما. في الروح وفي الدين وفي السياسة وفي الإعلام وفي الثقافة وفي… السعودية قبلتنا في كل شيء. يا لسعدنا الذي بلا مثيل!

في جناح السعودية الأخضر الفاخر، في زاوية منه، تجمهر أناس، أغلبهم من النساء، المتحجبات وغير المتحجبات، وبعض الرجال، الملتحين وغير الملتحين، وكانوا جميعا يستعطفون ويتوسلون المسؤول عن ذلك الحيّز من الجناح، وكان ذلك المسؤول لا يكفّ عن تمسيد لحيته الطويلة، شبه البيضاء، والتغزّل بها ومداعبتها بأصابعه الناعمة، وهو مستغرق في حديث مع واحد آخر له لحية أقل طولا. كانت النساء وكان الرجال التوانسة يستعطفون ويتوسلون الملتحي السعودي الذي كان يلبس جلبابا ومداسا ويضع ساقا على ساق، من أجل الحصول على نسختهم المجانية من القرآن، الذي دأب الجناح السعودي على إهدائها لزوار المعرض. يبدو أن النسخ المتوفرة وقع توزيعها كلها. لكن نساء معرض تونس في جناح السعودية مستعدات للتضحية وللاستشهاد من أجل نيل نسختهن من القرآن السعودي، حالهن في ذلك حال قتيلات تونس، أو شهيداتها العتيدات، في عرض ستار أكاديمي الصفاقسي… أنا على يقين أننا بإمكاننا في تونس أن نخسر أضعاف أضعاف النساء القتيلات في ستار أكاديمي، الذي هو الآخر من تمويل سعودي واستنساخ لبناني وابتكار عولمي، فيما لو شاءت السعودية إقامة حفل لتوفير القرآن لمن منّت عليه بالإيمان ومنحته دين الإسلام والغفران.

أليس صاحب روتانا وأخواتها الخليعة، وصاحب القنوات الدينية الملتحية المحجبة كثيرة التقوى والتحريض على… هو سعودي يجمع طلبة ستار أكاديمي بطلبة الفناء في الدين الإسلامي في نسخته السعودية المعاصرة؟!

وصلتُ محطّة القطارات الساحلية والجنوبية في ساحة برشلونة بعاصمة تونس. بيني وبين زمن سفر القطار ساعة، أو شبه ساعة. فرصة لتأمّل المكان. حظّي الكئيب تأمّل الكتب والأمكنة وأناس الأمكنة. خرجت من قاعة المسافرين، ألفيت مكتبتين من مكتبات الرصيف، يحوم حولها فتيان وشباب في عمر العشرين، وما فوق قليلا وما تحت قليلا، ومعهم نفر من رهط مختلط. يحوم حول مكتبتيْ الرصيف الفتيان والشباب مثل الذباب، حومان الذباب على العفن أو على الحلوى. يقبلون ويدبرون، يتصفحون الكتب، ويتشاورون ويهمسون ويتناقشون، يغادرون ثم يعودون. اقتربت من مكتبتيْ الرصيف. نظرت في الكتب. في أغلفة الكتب. تصفحت بعضها. وفي اللحظة ذاتها تصفحت الوجوه الفتيّة للشباب المقبلين على التصفح، وليس بينهم شابات.

لن أورد قائمة بالكتب المعروضة على شبه رصيف “محطة برشلونة” وتلقى إقبالا متناميا، والتي بعض عناوينها في حوزتي، ولكنّي ألخّص العنوانين حسب معناها. الأول هي عناوين تدعو إلى تعلّم اللغات الأوروبية الأساسية في أقل من شهر. وهذه متاحة للذين يرغبون في حرق المراحل وحرق أنفسهم في البحر أو في البر. من أجل الوصول إلى الجنّة في الدنيا. كتب لغوية بسيطة وتبسيطية تجعل الجنّة الدنيوية متاحة لكل لسان حاذق وروح مغامرة وانتحارية في أقل من شهر، حسب زعمها. وجنّة أخروية متاحة هي الأخرى ببعض الأدعية والتلخيصات الفقهية الغيبية التي تتمحور في كيفية كسب رضاء الله ودخول الجنّة في بضعة أيام، لمن ضاقت به الدنيا ورغب في الآخرة، زهدا أو نضالا أو انتحارا.

من لا يرغب في الجنّة؟ وعلى رأي سيغموند فرويد، من لا يرغب في جنّة رحم أمّه أو فرجها قبل أن يقذفه منتظرا متى يبتلعه؟ هنا مسألة وعي بالخروج من الرحم وبشهوة العودة إليه. جنّة فُقدت وجنّة نُشدت. وما بينهما جنّة يحققها الجنيّ ويهدرها البشري الذي لا نصيب له من الجِنٌّة، أي مما هو مخفي.

جنّة في الدنيا، وجنّة في الآخرة، للمحاربين والاستشهاديين والوطنيين والمنتحرين والمغامرين والمتطوعين والراغبين والمجانين. من نلوم؟

كلهم أهلنا، بلا تأهيل ولا مؤهلات. كلهم بلا أهلا ولا سهلا، لأن الأمر ليس فيه معاني الأهلية ولا السهولة. موت يقتفي أثر موت لكي يؤهله لمفارقة الحياة ويدرّبه على الجهل والنسيان وعشق الموت.

ما بين جنتي الدنيا والآخرة ثمة كتب الطبخ تباع بكثرة. يأكلون للحصول على طاقة ضرورية من أجل الوصول إلى جنّة ما.
بضعة أيام وبضعة حروف مبهمة تكفي لشقّ البحر والإقامة في جنّة الكفّار الدنيوية. بضعة أيام وبضعة حروف تكفي لحذق صناعة حزام ذهني انفجاري يُخلّص من الدنيا ويفوز بالآخرة لكي تكون الإقامة الأبدية في جنّة المؤمنين المسلمين الأزلية بجوار الله والملائكة والأنبياء والشهداء. فن للطبخ يتلخّص في بضع لقم وبضع ملاعق، وبقليل من وعي الحراريات والدهنيات والطاقات لتهيئة البدن لما ينبغي أن يتحمّله لكي يضطلع بالمهمة المطلوبة على أفضل، أو أبشع، وجه؟
أي كتب وأي يوم عالمي للكتاب وأي معارض محلية ودولية وأي قراءة؟

كل شيء في المتناول، وكل شيء يشجّع على ثقافة الانتحار إما في اتجاه الأرض أو في اتجاه السماء، خدمة للحارقين على الأرض أو الحارقين إلى السماء.

في الأخير يظل السؤال: هل أن الأوان هو ما خرج عن السيطرة، هو ما فارقنا وما كُتب علينا وليس ما كتبناه؟ أم أن الأوان هو حتمية مجابهتنا للزمان والمكان والإنسان، من أجل التصدي المتفائل، العتيد، الباسل، الحكيم، الدرويش… مجابهة بكل المعاني والأوضاع والإمكانيات والتحالفات والحسابات، لكل ما هو انتحار، وشهوة انتحار، وثقافة انتحار، وغذاء انتحار، حرقا ومفارقة للزمان والمكان والإنسان؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق