“الحبس كذّاب…والحيّ يروح”

لمّا أعلمني مهاتفة أنه أرسل إليّ مخطوطه عن تجربته السجنية الذي ينوي طبعه وإصداره، استبدت بي حالة من التوجّس والخوف والرهبة الشديدة. ففتحي بن الحاج يحيى فيما خبرته عنه، على قصر مدّته، كائن صلب، متعنّت، لجوج، صعب المراس، شديد الثبات والثقة بالذات، لا يهاب المشاكسة. هذه هي الصورة التي ارتسمت في ذهني عنه. وهي صورة كافية لوحدها لتستنفر مكامن الخوف في ذهني وبين أضلعي.

هذا الخوف يسكنني كلما ناقشت واحدا ممن طالت بهم تجربة السجن وخاصّة من الرعيل الأوّل للمناضلين اليساريين. ويبدو أن لفراغ السجن وأوقاته الممطّطة التي لا تكاد تنتهي، دورا في نزوع هؤلاء إلى الكلام والمجادلة والنبش في التفاصيل وحتى اللغو والهذيان لملء الوقت وإثبات الوجود ومصارعة العدم وأقدار العبث، إضافة إلى كونهم كانوا يتحاورون حول موادّ إيديولوجية وسياسية واجتماعية وغيرها، هي في حدّ ذاتها إشكالات دسمة تستدعي كثيرا من المعارف وامتلاكا لآليات الحجاج، فتطوّرت لديهم حاسّة جامعة جامحة هي حاسّة الجدل وحتى السفسطة. وهو أمر يحسب لهم في السابق ولربما يحسب عليهم هذه الأيام، أيام اللفّ والسرعة والاختزال.

على كلّ، فتحي من هذا الجيل الذي يخيفني ولا يسعني ساعة أكون في مواجته سوى أن أقرأ سورة يس وأنا على أهبة تامّة لأرميه بالحجر الذي وضعته مسبقا بكفي. وإحقاقا للحقّ، فلم يكن فقط عندي صاحب هذا الوجه الذي أرهبه وأسعى إلى تحاشيه، بل كان في قرارة نفسي محلا للاحترام والإجلال. أحترمه لأنه سويّ في حياته، دمث الأخلاق، متعفّف وصاحب عزّة نفس متسامية جدّا. وأُجلّه لأنه قدّم فاتورة غالية في سبيل ترسيخ الفكر السياسيّ اليساريّ، وفرض الحداثة، واستنفار الثورة على واقعنا الجامد اليابس. علاوة على هذا فإنّي أعشق اللغة التي يكتب بها من خلال متابعتي مقالاته المنشورة هنا وهناك، وهي لغة صفوية ألفاظها منتقاة وتراكيبها لا تعقيد فيها، لكنها بليغة ومثيرة ومشحونة شحن الموادّ التي تتراءى خاملة في ظاهرها لكنّك تحذر الغوص في خبيئاتها لأنّك مهما أعملت مخيالك فلن تقف لها على نهاية، وهو ما يمنحها عذوبة تجعلك تتمنّى بين طيات نفسك ألا ينتهي نصّه حتى لا تتلاشى تلك العذوبة. وأعشق أيضا مضمون كتاباته لما لاحظته فيه من مظاهر الصدق والبوح الصافي والتهكم اللاذع والجرأة التي تلامس في بعض المواقف حدّ الوقاحة واللامعهود.

طالعت المخطوط فسطعت صورته كما ترسخت عندي في كلّ أبعادها وألوانها. فالعنوان، وهو أوّل ما يعترضك، يحيلك إلى عالم المحبوسين ومن هم على صلة بهم، والحكم والمواعظ التي انتهوا إليها من تجارب السجن المريرة. وحين تتقدّم في القراءة تعرف أنّ هذه الحكمة الشعبية سمعها فتحي أوّل ما سمعها من “كريوكة” وهو الإسم الذي يطلقه السجناء على المخنّثين من الرجال، في أوّل يوم وطأت فيه قدماه عتبة السجن بعد أن انتهت أيام اعتقاله بوزارة الداخلية مشجّعا له ورافعا من معنوياته، حتى لكأن المخفيّ وراء الحكمة هو أنّ الحبس لن يدوم سوى أيّام. وبما أننا نعلم أنّ فتحي قضّى خمس سنوات بأكملها في السجن، نقف على هول المفارقة لأنّ حبسه لم يكن كذّابا بل كان واقعا وحقيقة. والمفارقة الثانية أنّ هذا العنوان يفصله من خلال عنوان فرعيّ هو “ورقات من دفاتر اليسار في الزمن البورقيبي” فتكتسي المقولة الشعبية بعدا نخبويا مخصوصا يرتبط باليسار وبتشعّب عالمه الفكريّ والسياسي وصعوبة تأقلمه مع تربة الشعب وموروثاته ومواطن أصالته.

والكتاب في بنائه يبدو للوهلة الأولى مضطربا مقطع الأوصال لا يخضع لنظام. فالإهداء إلى ابنته غريب شيئا ما، إذ جاء مطوّلا وفي قالب قصيدة شعرية فتشكّ إن لم يكن جزءا من متن الكتاب. ثم تتتالى جملة من النصوص منفصلة عن بعضها البعض وقائمة بذاتها، وتختلف اختلافا بيّنا في حجمها، وفي مواضيعها. ويستهلّها بتمهيد يبرز فيه أوّل صلته بعالم الكتابة وافتقاد واقعنا الثقافي لأدب السجون وضعف توثيق التجربة السجينة. ثم يأتي نصّ بعنوان كلمة ودّ يبرز فيه مدى ديمقراطيته وتواضعه وحرصه على الأمانة التاريخية من خلال استشارة بعض رفاقه الذين عايشوا نفس مسيرته حول بعض التفاصيل، أو لرفع لبس ما أو الاعتراف بالجميل لهم. ثم يورد نصا ثالثا بعنوان” تقديم” كتبه المسرحي توفيق الجبالي يبيّن فيه فقدانه للشجاعة الكافية لتقديم الكتاب واقتصاره على فقرة سجّلها لحظة انتهائه من قراءته. ولعلّ أطرف ما في هذا التقديم ما يزخر به من دعابة مؤدّاها تمزّقه بين الرغبة في الدخول إلى السجن للتعرف عن كثب على التجربة التي رآها ممتعة وحميمية والتي أغراه بها فتحي، وبين قراره في عدم الزجّ بنفسه في هذه ” الشهوة المازوشية” مخافة عواقبها اللامحسوبة.

وفي الوقت الذي تكون قد هيّأتَ فيه نفسك للبدء في خوض غمار الكتاب أي” دفاتر من السجن”، تجد نفسك وقد تلاعب بك الكاتب وأرجأ الانخراط في صلب الموضوع لتنقبض أعصابك أكثر، كأنك تركب دابّة حرونا وأنت متحرّق للوصول فلا تتقدم بك المسافة. فيواجهك بنزعة حجاجية رافضة منذ مطلع النص الذي وضعه تحت عنوان “عودة الذاكرة” إذ تعترضك في صدارته عبارة “ليس صحيحا” فتستحضر صورة فتحي المحاجج اللجوج وينحبس النفس في صدرك، لأنّ ذهنك يذهب إلى أنك أنت المعنيّ. لكن سرعان ما تتنفّس الصعداء حين تكتشف في نفس الجملة أنّ المرمى المقصود ليس سوى الكاتب عينه. فيعارض نفسه بنفسه ليظهر أنّ دوافع الكتابة عن تجربة اليسار لا تزال قائمة بل تزايدت الحاجة إليها في بحر السنوات الأخيرة إثر تسارع وتيرة رحيل رموزها. وينتابك شعور أوّليّ أنّ الكاتب بصدد التأجيل المتعمّد للحديث عن تجربة السجن. وحين تتقدّم معه وهو يعدّد المعطيات المستجدة التي تدفع دفعا إلى تدوين تجربة اليسار الجديد ومعاناته في السجون أيام بورقيبة، تتراجع عن حكمك الأولي وتعذره ولربما تضحك في سرّك من تسرّعك في الحكم. فهذه المعطيات، وإن كانت الجمر الذي التاع به الكاتب وزجّ به في أتّون التوثيق والكتابة، فهي مهماز حام لكل من رافقه أو سبقه أو تلاه بغية أن يتحملوا بدورهم المسؤولية في توثيق التجربة وصيانتها من التلف والضياع، مهما كان شكل التوثيق، باعتبارها تجربة رائدة ومؤسّسة.

والعجيب عند فتحي بن الحاج يحيى أنّ أولى كتاباته عن هذه التجربة كانت في الزمن الراهن ذلك أنّ تدويناته وتعليقاته في الحبس ضاعت كلها، أي أنها متأخرة جدا إذ تتجاوز ربع القرن فيما بين الكتابة والتجربة. والبداية يحدّدها مع “مؤسّسة التميمي للبحث العلم والمعلومات ” التي خصصت ندوة لتجربة مجموعة”أفاق” اليسارية، فأثارت شجونه وهمزته همزا لاذعا في اتجاه تحمّل مسؤولياته والتوثيق للتجربة. ثم تتالت هذه المهاميز: الموت العبثيّ لأحمد بن عثمان الرداوي، ذلك المناضل الصلب الذي عجزت في وجهه آلة التعذيب الجهنمية عن الحصول على معلومات، أية معلومات، دون طائل؛ وفاة نور الدين بن خذر بعد شهرين تقريبا من وفاة الرداوي، وهو من أبرز زعماء مجموعة “أفاق”، إن لم يكن هو القائد الملهم؛ عمّ حسين والد المناضل محمد الشريف الفرجاني يتوفّى وهو في عزّ أنفته المعهودة منذ أيام سجن ابنه ورفاقه؛ فتحي المسدي واحد من الرفاق المناضلين الذين عاشوا التجربة أيام لهبها يسكت نبضه ذات يوم أيام السنوات الأخيرة؛ روني شيش أب ثلاث مناضلات رافقن الحركة منذ نشأتها وزوج مدام شيش التي كابدت ألوانا كثيرة من المشاقّ من أجل إيصال القفة إلى المسجونين.

كل هذه المحطات راكمت في داخله أوجاعا يتّسع مداها ما بين الحاضر والماضي وما بين الواقع والذكريات ومابين التخاذل وتحمل المسؤولية. وكان لا بدّ حينئذ من أن يرفع عنه هذه الأوجاع أو على الأقل شيئا منها وينفّس عن مكبوتاته ويرضي ضميره. فانفجر في هذه الورقات انفجار بركان استنظف ما بين جوانبه ورمى بأثقاله الدفينة إلى أبعد مسافة ممكنة دون أن تكون هذه الأثقال حمما حارقة لا تبقي ولا تذر بل شهبا أضاءت عتمات مهمة من ماضينا غير البعيد ولاشك أنها ستنير سبلا أكثر ثباتا ووضوحا لأجيالنا الحاضرة واللاحقة ممن يسعون عن حقّ إلى استلهام تجارب أسلافهم الصادقة في الفكر وفي السياسة وفي التضحية في سبيل عزّة الوطن وكرامة أبنائه.

وأنت تنتهي من قراءة هذا النص الذي يوضح فيه ما دفعه إلى الكتابة تركن إلى يقين أنّ الرجل ما عاد له من مبرّر سوى الدخول في الموضوع. وتمنى بخيبة جديدة إذ يسرح بك هذه المرة أيضا خارج انتظارك ويعود بك القهقرى إلى ثلاث آلاف سنة، هي مجمل تاريخ اليهود بأرض إفريقية وكيف انحسر وجودهم اليوم حتى لكأنهم في طريقهم إلى الزوال منها بلا رجعة، لتخسر البلاد مجموعة من صلبها أصيلة ضاربة في تاريخها وقدمت لها الكثير. وتجد الرابط بين الموضوع الذي ينوي الخوض فيه وموضوع اليهود التونسيين، وهو دفن روني شيش الذي عاش سنواته الأخيرة محملا بعبئين ثقيلين، الأوّل هو حماية مقبرة اليهود بـ”بورجل” وتجديدها، باعتبارها واحدا من الشواهد الأخيرة على قوم مروا بهذه الأرض، الثاني مساندته الفاعلة لشباب اليسار في معركته مع دكتاتورية بورقيبة لاسيما أيام ثوائهم في دهاليز السحن. وحتى وإن وقفت على الرابطة بين الموضوعين فإنك تشعر أنّ المضمون الأساسي تأخّر، وتعمّد الكاتب تأجيله وإن كان النص الأخير الذي أدّى به عملية التأخير هذه جميلا ممتعا في مضمونه وفي لغته وفي بنائه.

ثمّ تطوي الصفحة وأنت تكاد تكون على يقين أنّ الصفحة الموالية هي انطلاق الموضوع، فإذا بك أمام نصّ مقسّم إلى ثلاثة أجزاء يتصدّر كل منها تاريخ باليوم والسنة لا يبعد عنا اليوم سوى أربع سنوات بينما يبعد عن تجربة السجن بحوالي عقود ثلاثة. فيصيبك الإحباط من جديد. النص كله يدور حول نور الدين بن خذر وشمائله العالية وما أثارته وفاته من شجون الذكريات المستعادة بين رفاق السجن.

وهذه النصوص جميعها، منذ الإهداء، تتكامل فيما بينها لتنسج خيوط حبائل تكبلك وتضعك بصورة لطيفة متدرجة في جو النضال والمبادئ الثورية النبيلة وعسف الحكام وفظاعة السجن حتى لكأننا بالكاتب يسعى جاهدا إلى أن لا يصدم القارئ، خصوصا إذا كان رقيق المشاعر، ويباغته بمتاعب النضال وأوجاع القمع وأهوال الجور إنما يترفق به كما تترفق أم بطفلها تأخذ بيده وتجذبه شيئا فشيئا ليسير ويتقدم نحو المراسي المنشودة. فكانت هذه الإشارات والضخات المتناثرة بين طيات هذه النصوص لسنوات المقاومة والقمع كي يستأنس القارئ ويتقبل أجواءها المشحونة.

وينطلق الكاتب من خواتم الأشياء، من حادثة غلق سجن 9 أفريل، وهو أشهر سجن في البلاد، وهدمه تماما لترحل معه ذاكرة بأسرها، ذاكرة أجيال لا تحصى تعاقبت عليه من سجناء الحق العام من جميع الفئات والجهات إلى السجناء السياسيين من اليوسفيين واليساريين والقوميين والإسلاميين إلى النقابيين إلى رجال الدولة نفسها ممن دارت عليهم الدوائر. وبإثارته لهذه الحادثة في مستهل الكتاب يرفع الكاتب تحديا كبيرا في وجه من قرّر انتهاك الذاكرة الوطنية وإعدام هذا المعلم التاريخي الهامّ بغير وجه حقّ. فكأننا به يقول: أنتم تمسحون آثار الجريمة وأنا أبقيها حيّة على الدوام. انتم تعدمون الذاكرة وأنا أبعث فيها الروح. أنتم تهدمون السجن وأنا أبنيه. أنتم تنسفون دابر دابره وأنا أخلّده. وهل الكتابة إلا وجه من وجوه التخليد والإدامة؟

ثم ينفجر سيل الذكريات انفجارا لا يوقفه بُعدُ الزمن ولا ضعف خلايا الاسترجاع ولا كثرة الأحداث ولا لانهاية الجزئيات ولا تعدد الشخوص، فنراه ينبش في أعماق الماضي ليفتح مسارب توصله إلى قاع الحكايات لينتشل منها تفاصيل بفضلها أثّث مادّة الكتاب تأثيثا إبداعيا متينا شائقا. فلا تدري وأنت تتصفحه وتتابع متنه، إن كنت أمام سيرة ذاتية أم أمام مذكّرات، أم أمام كتاب في التاريخ أم كتاب في السياسة أم شهادة على أحداث محددة، أم قصة محكمة الفصول بحوافزها وأطرها الزمنية والمكانية وشخوصها الرئيسية والثانوية وأحداثها وعقدتها وتأزّمها وانفراجها. ولا تدري أيضا إن كنت بصدد قراءة نص موضوعيّ يوثّق لتجربة مجموعة يسارية مناضلة وما حفّ بها من ظروف موضوعية وما عاشته من أحوال في ذاتها أم نصّ ذاتيّ مشبع بروح العاطفة الجياشة والانفعال الحادّ وطافح بحميمة مؤثرة. ولعل سرّ المتعة التي يثيرها النص إنه جامع لكلّ هذه الأبعاد ويلامسها جميعها. بل إنك، فضلا على هذا، لا تعدم فيه الشعر. فأوّل ما يعترضك إهداء إلى ابنته صاغه شعرا. وعلى امتداد النص ترافقك الاستعارات ومختلف أصناف المجاز وألوان من الصور، ترحل بخيالك إلى عوالم من الإيحاءات المترامية والألفاظ الجزلة والأصوات المنتقاة بعناية والمتناغمة فيما بينها، بما يجعلك تشعر أنك في خضم قصيدة نثر لا تكاد تنتهي ولا تتوقف عذوبتها، بل تظل هذه العذوبة عالقة بك لمدة قد تطول بعد أن تكون قد برحت القراءة.

وإذا كانت تجارب الاعتقال السياسي في تونس قد عجزت عن خلق مادة أدبية واسعة وثرية، على العكس من عديد البلدان العربية مثل المغرب ومصر وسوريا، فإنّ فتحي بن الحاج يحيى يلتحق برفيق دربه جلبار النقاش في كتابيه “كريستال” و”ماذا فعلت بشبابك ؟”، في استثمار التجربة لإبداع نص أدبي رائق وإن كان يصعب جدا تنميط نص فتحي وفق واحد من الأجناس الأدبية المألوفة. ولاشك أنّ الرغبة في الكتابة عن تجربة السجن نجدها لدى كل من مرّ بهذه التجربة، ولا شك أنها تطارد السجين منذ أن يحلّ نزيلا بالسجن وتقوى المطاردة حين يتحرّر من قيده. غير أنّ الرغبة لوحدها لا تكفي والنية الطيبة بمفردها لا تثمر إذ يتحتّم على كلّ من رام ذلك أن يمتلك الأدوات اللغوية والفنية التي تساعده على إخراج نص ينطوي على ما به يكون أدبا يشد القارئ ويؤنسه ويفيده ويبعده عن الشهادة الجافة الجامدة.

وإذا كانت الشهادة الجافّة الجامدة تحقّق هدف الفائدة لأنها ترسّخ وثيقة في التاريخ، فإن الشهادة التي تصاغ وفق شروط جمالية الأدب تحقق هدفين معا: هدف الفائدة وهدف الإمتاع. وفتحي اختار الطريقة الثانية. فكل شيء في نصه يشي بأنه اعتنى به اعتناء واجتهد كثيرا في حبكته وصياغته حتى يلحقه بعالم الأدب اللذيذ الممتع. ولم يطلع به على الناس إلا حين رآه قد استوفى شروط جماليته المطلوبة. وهكذا نزّل نصه بامتياز في صميم الأدب الرفيع الذي لن تبليه الأيام مهما تقادم عهده.

غير أن امتلاك الأدوات الفنية واللغوية بدوره لا يكفي لوحده لتحويل تجربة الاعتقال والسجن من مادة موجودة بالقوة إلى مادة موجودة بفعل الكتابة والتدوين تتداولها أيادي القراء، إذ لا مناص من امتلاك القدرة النفسية على حكيها وكتابتها. وهذا أمر ليس متوفرا لكل الناس. وفي اعتقادي، فإن في رباطة جأش فتحي وأنفته وصلابته وعقلانيته وصرامته نعثر على الأرضية التي تنبع منها هذه القدرة النفسية. فهو من طينة المناضلين الأشداء الذين لا تخيفهم المخاطر ولا تثنيهم عن مواصلة الطريق ولا يتأففون ولا يشتكون. وهو أيضا من طينة المناضلين المتشبعين بأصالة وبساطة “الحومة” الشعبية التي ينحدرون منها، وتلاحم أفرادها واستبسال كل منهم للذود عن حماها بما ملكت يداه وما خلقت فيه من شيم التضامن وإيثار المجموعة مع الاعتداد بالذات والمجاهدة في سبيل فرض الوجود. فمنذ شبابه الأول، كما نكتشف ذلك في الكتاب، لم يكن يهاب من هو اكبر منه سنّا ولا يتخلّف عن مصارعته ولا يهمّ عنده إن انهزم بل ما يهمه هو أن ينهزم بعزّة ولا يهرب ولا تلاحقه لعنة الخسّة والجبن. ثمّ لمّا تمّ إيقاف عدد من رفاقه فرّ إلى فرنسا. ثم التحق بمخيّم للتدرب على السلاح في لبنان تابع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. ولما قرّر قياديو “العامل التونسي” في المهجر، وهو واحد منهم، العودة إلى أرض الوطن لإعادة هيكلة التنظيم الذي تهرّأ بفعل الاعتقالات المتتالية، عاد إلى الجزائر ومنها دخل إلى البلاد سرا في رحلة شاقة محفوفة بالمهالك. ويقبض عليه بعد مدة على حين غرّة وينهال عليه أعوان البوليس بالضرب لكنه لم يرم السلاح وظلّ يسبّهم ويتوعدهم ويردّ على إهاناتهم له ولم يكبل الضرب لسانه.

رجل من هذه الطينة لن يسكنه أي ضعف أو أي خوف وهو يستعيد التجربة بفظاظتها وقساوتها. فقد سردها علينا بكل أريحية وبعيدا عن التوتر. لم يكن منكسرا وهو يسترجع تفاصيلها المضنية وعذاباتها الدامية ولم يتذمّر ولم يشتك ولم يجلد نفسه ولم يجلد رفاقه رغم بعض الأخطاء الفادحة ورغم بعض الخيانات أحيانا. فجاء سرده واقعيا رصينا. والتزم فيه الحياد والموضوعية. فإن بدا له أمر قد يثير جدلا أو خلافا مع من كان معه لا يتورّع عن الإعلان بدون حرج عن أنه لا يخرج من دائرة تقديره الشخصي. وبذلك يترك المجال لكل من عاش معه التجربة كي يقدره وفق ما يرتئيه. وفي تقويمه للقاء مع بورقيبة يشدّد على أنّ الأحكام التي ساقها ليست بالضرورة أحكام من شارك في اللقاء من رفاقه. أكثر من هذا، ففي حديثه عن الفترة التي قضاها في حبس الكاف مع مجموعة صغيرة من رفاقه بعد أن وزعت الإدارة العامة للسجون كافة أفراد التنظيم على سجون متباعدة، نجده ينوّه بالمدير ومساعده للطفهما وإنسانيتهما وحسن معاملتهما للسجناء، بما يربك القارئ الذي لا يتصور وجود أشخاص خارجين على النمط السجني العنيف المعهود. وفي حديثه عن أيام الاعتقال بوزارة الداخلية يذكر بخير بعض أعوان الأمن الذين كانوا مكلفين بحراسة زنزاناتهم إذ كانوا يعطونهم بعض السندويتشات والسجائر ويعلمونهم بما يجري في الخارج وينقلون للواحد منهم بعض أخبار رفاقه الموقوفين. فقد كان بالإمكان أن يثأر في الكتابة ممن اعتدوا عليه وعذبوه سواء أثناء الإيقاف أو أثناء السجن أو من القضاة الفاقدين لكل استقلالية والذين رفضوا تدوين أقوال السجناء حول التعذيب الذي تعرضوا له ولم تمّح أثاره الجسدية إلا بعد مدة من انتهاء المحاكمة. لم يفعل شيئا من هذا. سعى فقط إلى أن يفسر بعض التصرفات ودوافعها ومخلفاتها بكل هدوء بال ورصانة عقل. فالتعذيب لم يزد المعذبين إلا صمودا ونزع عنهم عوامل الخوف: ” كنا خارج مساحة الإصابة بالخوف أو الأذى أو اليأس الذي يريدون إصابتنا به “. وكذلك لم تكن كتاباته عن الاعتقال وعن السجن مجالا للتباهي والتفاخر واستعراض البطولات. فقد نظر إلى التجربة على أنها بكل بساطة جزء من تجربة الحياة. صحيح أن تجربة السجن تجربة قاسية وتنغمس عميقا في أغوار النفس الإنسانية. إلا أنها، عند الإنسان الواعي بحقيقة مراوحة الوجود الإنساني باستمرار من النقيض إلى النقيض، لا تكتسب بالضرورة أفضلية خاصة قياسا إلى التجارب الأخرى. لحظات السعادة ولحظات الشقاء هي من صميم حياة الإنسان. وبهذا المنظور تعاطى فتحي مع تجربة السجن التي عاشها هو ورفاقه. فلا تلحظ عنده أي مظهر من مظاهر التذمر والتشكي أو الاسترحام. وبهذا المنظور أيضا سجلها للتاريخ ولذاكرة رفاقه الأموات والأحياء وللأجيال الجديدة دون أن يعمد لا إلى استنقاصها ولا إلى تهويلها ودون أن يحاول لا تجميلها ولا تقبيحها. سجلها كما هي وساقها بلا زيادة أو نقصان باستثناء ما أضفاه عليها من سمات شخصيته الأريحية المنشرحة. وحرصه الشديد على التسجيل الحيادي والواقعي والأريحي مكنه من أن ينحو بالكتابة منحى هزليا مضحكا ربما اتخذه سلاحا يطفئ به جمر السجن الذي أوقده أعداء الحرية وأعداء الإنسان لتعذيب مخالفيهم وإذلالهم وخطف الضحكة منهم وليتغلب على القساوة الجسدية والنفسية التي يسببها السجن فيخلق الضحكة حتى بعد فوات أوان حدثها.

بقي أمر احترت له حقا. التجربة السجنية التي يتحدث عنها فتحي هي سجن سياسي بامتياز والمجموعة التي ينتمي إليها هي مجموعة سياسية قلبا وقالبا. وقد وجدت نفسها في السجن بكوادرها وقيادتها وكثير من مناضليها. وتراص الجماعة في السجن فوجا إثر فوج. وتواصلت النقاشات بينهم في السجن حول تقويم الضربات المتتالية التي طالت التنظيم وتقويم الخط الإيديولوجي والخط السياسي العام والتكتيتات المتبعة ومدى جدواها. واحتدمت هذه النقاشات وقالوا وأطالوا وتفرق القوم سبأ وتشرذموا حول كثير من أمهات القضايا: طبيعة الثورة المقبلة: اشتراكية أم وطنية ديمقراطية؟ ما طبيعة النظام السياسي القائم؟ أي مرجع إيديولوجي ينبغي أن يعتمد: ماو تسي تونغ أم أنور خوجة؟ ما مدى وجاهة التراجع عن الكراس الأصفر وإقرار التوجه العروبي الذي تبناه التنظيم؟ هل أثمر تغيير التكتيك من الدعاية إلى التحريض نتائج إيجابية أم كان كارثيا على التنظيم ومناضليه؟ ما أقوم السبل في التعامل مع الحبيب عاشور والنقابة العمالية؟ كتاب يؤرخ لهذه الفترة المتأججة بما فيها من أسئلة حارقة وإشكالات مدوّية وصاحبه في قلب الحدث يخلق لدينا، نحن معشر القراء، انتظارا بأن يدلي الكاتب بدلوه في هذه المسائل التي ظلت لسنوات وسنوات تغذي الصراعات وتعطي مبررات الانقسام بين مختلف مجموعات اليسار وحتى داخل المجموعة الواحدة، أو في القليل الأقل أن يقدم تقويما إجماليا للتجربة بصرف النظر عن الموقف البات والتفصيلي الذي يمكن أن يتخذه منها. ذلك أن الكتابة، وبعد فاصل زمني مهم تتيح فرصة التأمل ومراجعة الأفكار والتوجهات والأحلام أيضا. غير أن فتحي راوغنا وابتلع لسانه وأصم أذنيه عن كل هذا وانساق وراء التداعي الوجداني الحميمي لوقائع التجربة ومحطاتها البارزة. وهذا يدفعنا إلى التساؤل عما إذا لم يكن السكوت ذاته موقفا. فكتابة تجربة استثنائية في مثل تجربة اليسار التونسي في نهاية الستينات وفي السبعينات، وتجنب التحرش بقضايا الفكر والسياسة والاكتفاء بالإشارة المجردة إلى بعضها مما يقتضيه مقام السّرد ألا يكون تعبيرا من جانب الكاتب عن تجاوز ضمني لقمقمها الإيديولوجي والسياسي ومعانقة فضاء أرحب، قد يكون ما فوق أو ما بعد الإيديولوجيا كنسق دغمائي مغلق لم يعد يرضيه، وما فوق أو ما بعد التنظم السياسي كإطار يقتل المبادرة الفردية ويجعل المرء خاضعا لإكراهات الأجهزة وضوابطها وهو ما لم يعد يقنعه؟ ألا تكون هذه هي فلسفته الجديدة التي أرغمته، شاء أم أبى، على إغماض العينين على معمعة الإيديولوجيا والتنظم السياسي؟ وإذا صحّ هذا المعنى، فكتابة فتحي عن تجربة السجن تتخطى كونها فعلا ملموسا لمقاومة النسيان وانتصارا للذاكرة ضد التهميش والإقصاء والإهمال لتتحول هي ذاتها، أي الكتابة، إلى وسيلة من أجل نسيان التجربة والتخلص من وزر بمقاس كلكل الليل الطويل والرمي بتركته الثقيلة ثقل الجبال الرواسي لإراحة الضمير وإن كان يستحيل محو كلومها الغائرة في أعماق الوجدان.

ومهما يكن من أمر، ففتحي بن الحاج يحيى ظل هو نفسه ذلك المقاوم العنيد الذي لا يستسلم ويفعل ما بوسعه للوصول إلى الهدف المنشود مهما كانت وطأة المعاناة. وها هو يخرج من معاناة السجن إلى معاناة الكتابة لتنجب تجربته الجديدة، أو على الأصح معاناته، عملا إبداعيا مفيدا وشيقا واستثنائيا بكل المقاييس يكشف عما جرى وراء القضبان ويضيء زوايا معتمة من تاريخنا القريب مثلما ما أعطت سنوات سجنه في الماضي، هو ورفاقه، الدليل المادي على قصر نظر أنظمة الاستبداد ووفرت الدرس وأقامت الحافز للأجيال القادمة في أن يقاوموا الظلم ولا يخشوه مهما تكن الضريبة التي يتحتم عليهم دفعها حتى تفرّ غيمات الظلام.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق