الحجاب – جمال البنا

تأليف جمال البنّا

كلمة الغلاف

لا يكتفي جمال البنا بتقديم رؤية فقهية صريحة ودقيقة لموضوع الحجاب، بل إنه يقدم دراسة اجتماعية وحياتية وتاريخية شاملة للحجاب، ويعرض لنا أثره على المرأة المسلمة وعلى المجتمعات الإسلامية على المستوى الاجتماعي والحياتي والنفسي. إذ يرى أن حجاب المرأة كان الأداة الحاسمة لحجب المرأة عن مجتمعها وعن الاضطلاع بدورها الحقيقي فيه. وأن ذلك لم يقتصر على المسلمين، بل كان لدى مختلف حضارات العالم، بما في ذلك الهند والصين والآشوريين واليونان والرومان وفارس وبيزنطة، فضلا عن المسيحيين واليهود.

وإذ يخطّئ الكثير من المفسرين والفقهاء، السابقين المعاصرين، فإنه يقدم لنا رأيا فقهيا مغايراً يستمده من الآيات القرآنية ومن السنّة النبوية ومن الروايات المثبتة لزمن النبوة وصدر الإسلام. ويرى أن الكثيرين من هؤلاء المفسرين والفقهاء أعطوا موضوع الحجاب، باسم الإسلام كما فهموه، أهمية ومنزلة وقداسة بحيث جعلوا منه أصلاً من أصول الدين، رغم أن أصول الإسلام معلومة وهي: الإيمان بالله والرسول وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً.

وبذلك فلا علاقة للحجاب، كما الطلاق والاختلاط… الخ، بأصول الإسلام ولا تمس العقيدة في شيء. وليس الخطأ المشهور في هذا الأمر أَوْلى من الصواب المهجور، الذي بموجبه يرى جمال البنا أنه إن شاءت المرأة أن تلبس زياً غير الحجاب “فإننا لا نستطيع أن نشهر عليها دعوى مخالفة الإسلام، ولا ندّعي لأنفسنا حقاً في التدخل في أمر هو من أخص شؤون المرأة: فهي صاحبة الحق المطلق فيه…”.

ويعتقد الأستاذ البنا أنه “لا يمكن القضاء على النقاب إلا إذا قضينا على الفقه التقليدي الذي يُعدُّ النقاب ثمرة له. وبدون هذا ستذهب كل محاولات القضاء عليه أدراج الرياح”.

مقدمة
قد لا يعلم أبناء هذا الجيل، المشغول بالأحداث، والمهموم بأعباء المعيشة، والمنقطعة صِلاته، أن الحجاب، في العقد الثاني من القرن العشرين، كان سبباً في قيام ثورة عاتية في الأفغان عصفت بأسرة مالكة، وجاءت بأخرى. فعندما جرؤ الملك أمان الله خان ـ خلال محاولته تحديث بلده القبلي الجبلي الوعر ـ على أن يُظهر زوجته الملكة ثريا وقد تخلصت من النقاب، وبدت مكشوفة الوجه عارية الذراعين، ثارت ثائرة الشعب فاقتلعت الملك أمان الله من عرشه وقضت على أولى محاولات تحديث الأفغان وأعادت المرأة الأفغانية مرة أخرى إلى خدرها ونقابها.

فعلى مدار ألف عام، كانت قد خضعت المرأة المسلمة لرأي فقهي متزمت يقضي بأن تغطي وجهها بنقاب كثيف، وأن تمتنع عن التعليم والعمل، وحرّم عليها الاختلاط بالمجتمع أو التعرف عليه، وجعل مهمتها الوحيدة هي إرضاء الزوج وإنجاب الأبناء وتربيتهم، ليقتصر عالمها ما بين المطبخ وغرفة النوم.

لكن منذ ما يقرب المائة عام فقط ظهرت في بعض الدول الإسلامية، مثل مصر وتونس، الدعوة لتحرير المرأة شهدت معركة مريرة ما بين دعاة السفور ودعاة الحجاب. وقد نجحت الحركة في أن تستنقذ المرأة المصرية من عالم القرون الوسطى، وتنقلها إلى عالم العصر الحديث، على الرغم من أنها لم تتمكن من القضاء على دعاة النقاب، الذين رزقوا في بعض الأوقات بعوامل شدت أزرهم وأعلت صوتهم.

ولكن الأمر الواقع فرض نفسه على هذا السجال ما بين دعاة السفور ودعاة الحجاب، فالمرأة المسلمة ـ على الأقل في مصر ـ تمكنت من أخذ زمام المبادرة، فظهرت إلى الميدان مكشوفة الوجه واليدين مستورة الشعر، مرتدية ما أُطلق عليه اسم «الحجاب»، تمييزاً له عن النقاب الذي يغطي الوجه باستثناء فتحة صغيرة أمام إحدى العينين!

وخلال الأعوام الثلاثين الأخيرة أصبحت المحجبات هن الغالبية العظمى بين النساء اللواتي يسرن في الشوارع أو يمارسن المهن والأعمال، من طبيبات ومحاميات ومحاسبات ومعلمات… الخ. وتحتشد بهن دواوين الحكومة، إضافة إلى مؤسسات الإعلام حيث يتحملن مضايقات شديدة دون أن يتخلين عن حجابهن. فلا معنى بعد الآن لتجاهلهن أو التنديد بهن بعد أن أصبحن الأغلبية. وبداءة الديمقراطية تقضي بأن تذعن الأقلية للأغلبية، وأن يسلّم المراقبون والمتابعون لشؤون المجتمع بها، بدلاً من أن يكابروا فيها.

وظاهرة الحجاب الجديدة التي جاءت بديلة للنقاب، لا بد وأن يكون لها أصل في اقتناع المرأة المصرية المسلمة بها، ولا يمكن عزوها إلى عناصر قهرية، كالاعتقاد بأنها ناجمة عن ضغط بعض الآباء. بل الأمر على العكس من ذلك، إذ تعرضت النساء اللواتي أخذن بهذا الحجاب لضغوط لكي يقلعن عنه، ولكنهن رفضن ذلك، حتى بعد أحداث 11 سبتمبر-أيلول سنة 2001 في نيويورك وواشنطن، عندما تعرضت المسلمات اللاتي يرتدين هذا الزي لموجة من الكراهية وإساءة المعاملة والشكوك… الخ. كما أن استمرار بقاء المجموعة التي تؤمن بالنقاب يوضح أننا أمام ظاهرة جديدة تحتاج معالجة موضوعية، متحررة من الأهواء والنزعات والآراء المترسبة في الأذهان والمتأثرة بعوامل عديدة غير موضوعية.

ولقد كانت معظم المعالجات السابقة تنطلق من منظور «شرعي»، باعتبار أن الحجاب هو أحد الآداب التي ارتبطت في الأذهان بالإسلام، لهذا أصبحوا يطلقون عليه «الزي الشرعي». وغلب على الكتابات الإسلامية التي تناولت موضوع المرأة طابع التحايل والمراوغة، فبعض هذه الكتابات يعرض ما قدمه القرآن الكريم من حقوق وضمانات وكرامة للمرأة، دون أن يعرض لآراء المفسرين والفقهاء الذين هدموا هدما كل ما جاء به القرآن حول هذا الموضوع. فالكثير من هذه الكتابات يتقهقر أمام حديث، يعد بمقاييس المحدّثين القدامى صحيحاً، أو مما يؤخذ به، ويحاول أن يلتمس مبررات للأخذ به والاستناد إليه ولو أنه يتضمّن انتقاصاً من حقوق المرأة. أو يلجأ هؤلاء للمماحكات والتأويلات لإبراز أن ليس في هذا الحديث شيئا يمس المرأة. وقد سئم الناس من هذه الكتابات لأنهم يريدون الحق الصراح، كما يريدون معالجة جديدة تختلف عن المعالجات التقليدية والمكررة والتي أشبهت نوعاً من الاجترار.

ولعل من عناصر الإبداع في هذا الكتاب أنه تنبه إلى أن الحجاب ـ وبمعنى أدق النقاب الذي كان مستخدماً طوال القرون الماضية ويحجب وجه المرأة ـ هو المسؤول الأول عن تدهور وضع المرأة المسلمة، لأنه أغلق الباب في وجهها وشل كل الحريات التي منحها إياها القرآن. وقد حاول هذا الكتاب معالجة الجانب (الشرعي) في ضوء فهم جديد للنصوص وطريقة جديدة للتعامل معها، يمكن بواسطتها التوصل إلى إقرار حقوق المرأة على أساس أصولي ليس فيه تعسف وإن كان فيه تجديد.

قضية الحجاب قضية متعددة الأبعاد، فهي تشمل المرأة والمجتمع، ولا نجاوز الصواب إذا قلنا إنها تشمل الرجال أيضاً.

وقد كشف هذا الكتاب عن بعدين لم يظفرا بالمعالجة فيما كُتب عن الحجاب عادة. البعد الأول: الجذر التاريخي، وأصل الحجاب في الحضارات الأولى. فالبشرية جمعاء ـ باستثناء الحضارة المصرية القديمة ـ كانت تفرض على المرأة صوراً ثقيلة من صور الحجاب. وأن هذه الحقيقة كان لها أثرها في استمرار وجود الحجاب ـ الذي لم تتحرر منه المرأة الأوروبية إلا في الحقبة الحديثة اعتمادا على ظروفها الخاصة ـ لأن القضاء على هذا التقليد القديم ليس سهلاً. كما أن الإسلام ليس مسؤولاً عنه، كونه كان موجوداً قبله، وبشكل أكثر شدة، في كل الحضارات.

والبعد الثاني: هو أثر الحجاب على المجتمع. فالحجاب الذي كان مطبّقاً طوال القرون الماضية كان هو النقاب الذي يغطي وجه المرأة ويعزلها عن المجتمع، ويعزل المجتمع عنها. وكان لهذه الحقيقة آثار عميقة وشاملة على المجتمع، قلما يُلِمّ بها أو يُعنى بها الذين يكتبون عن الحجاب، ويتغنون بمزاياه.

أما الحجاب الذي يُظهر وجه المرأة ويديها والذي أتاح لها العودة إلى المجتمع، فلم تتوصل المرأة المسلمة الحديثة إليه إلا مؤخرا جدا، وبفضل حركة تحرير المرأة التي ينددون بها.

ومن المفاتيح التي كشف عنها هذا الكتاب أن مشكلة الكتّاب الإسلاميين، الذين عالجوا موضوع المرأة، هي أن نظرتهم إليها اقتصرت على كونها أنثى وليس كإنسان. ولهذا فبالرغم من التكرار الذي لا يملّونه عن مساواة الإسلام للمرأة بالرجل، وتكريمها… الخ، يأتون بعد هذا الكلام مباشرة بما يهدّه هدّاً وينقضه نقضاً، دون أن يستشعروا حرجاً أو يحسّوا خجلاً. هذا لأنهم لا يفهمون مضمون كلمة الإنسان وما يتطلبه من حريات وحقوق. والحقيقة إن جهالتهم هذه بفكرة الإنسان تشتمل النساء والرجال أيضا. وقد كاد يقضي الفهم القديم للإنسان والالتباس الذي أحاط بتعبير «العبودية لله» على الفكرة الحقيقية للإنسان. وقد اقتحمت فكرة المرأة كإنسان عليهم الباب بتأثير الحضارة الأوربية وعسر عليهم الإيمان بها، ولكنهم، وبتأثير عوامل عديدة، قبلوها اسماً ورفضوها عملاً، بحيث يرفعونها إلى عنان السماء بأقوالهم وينزلون بها إلى الدرك الأسفل بأعمالهم، نتيجة لأصالة القيمة المتدنية للمرأة في أعماق نفوسهم. وهذا هو سبب الازدواجية التي يتسم بها موقف الكتّاب الإسلاميين، ما بين الإدعاء وبين الحقيقة، وما بين القول وبين العمل.

ولا يقل أهمية عن الإلمام بهذه الأبعاد وأثرها المعالجة الجذرية لطريقة فهم الإسلام والموقف من النصوص، فالنصوص ليست صماء، كما لا يجوز للذين يعالجونها أن يخروا عليها صما وعميانا.

على أنه يوجد في هذا الكتاب شيئاً آخر، شيء أهم مما قدمه من استكشاف الأعماق التاريخية للحجاب وأبعاده الخفية، ومعالجته النصوص معالجة غير تقليدية. هذا الشيء هو الإيمان العميق بأن النساء ظلمن على مر العصور ظلماً شديداً، ورضخن لحماقات وإساءات و«رذالات» الرجال، وجرّدن من إدارة شؤونهن بحيث لم يعد لهن من أمرهن شيئاً. وأصبحن «عوان» أسيرات، كما قال الرسول وهو يدفع عدوان الرجال. ولم تستطع قوة أن تنقذهن حتى مشارف هذا العصر، بما في ذلك الإسلام وآيات القرآن ومحاولات الرسول، للأسباب التي سنوضحها في باب «الإسلام والحجاب»، فعشن مقهورات ومتن وفي النفس غصة.

هذا الإحساس العميق الذي يحمرّ له الوجه خجلاً ويتصدع منه الفؤاد أسى، كان هو الباعث على تأليف هذا الكتاب كاعتراف بالذنب وكاعتذار عنه.

إن هذا لهو أقل ما تستحقه المرأة، هذا المخلوق الكريم الجميل المضحي الذي أعطى الكثير، وكان جديراً بالاحترام والتقدير، ولكنه جوزِي بالعقوق والتحقير.

إنه حق الأم، والأخت، والزوجة، والحبيبة. ولا يوجد في عالم الحقوق ما هو أقدس وأوجب من هذا الحق.

فأي حق يفْضُلُ حق الأم التي حملت في رحمها وأرضعت على صدرها ورعت بكل حواسها طفولة تزحف على الأرض، ولا تملك لنفسها شيئاً حتى جعلت منها صبيا عفيا، أو شابة بهيجة. وأي حق يطال حق الزوجة التي أدارت البيت بكفاية وحققت لزوجها الإشباع العاطفي والنفسي وكانت له الحب والسكن.

بأمل أن تُصلِح هذه السطور ما أفسدته تلك العصور، وأن يكون الآتي أفضل من الماضي، وأن تظهر أخيرا المرأة المحرَّرة بكل ما فيها من جمال وعطاء… ألّفنا هذا الكتاب.

{دار بترا للنشر والتوزيع}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق