الحجاب وتدريس الفنون
لسعد بن حسين

ثمّة ظاهرة بدأت تتفاقم في تونس في السنين الأخيرة وهي ميل بعض المدرّسات في التعليم الثانوي إلى وضع الحجاب، ونحن وإن كنا مع حقّ الأفراد في لبس ما يشاؤون وفي إبراز معتقداتهم والجهر بها فإنّنا في المقابل كأولياء وكغيورين على مستقبل الفنون في بلادنا، نرى أنّ لبس الحجاب بالنسبة لمدرّسات بعض المواد التعليمية يتناقض علميا وبيداغوجيا مع طبيعة هذه الموادّ، مع ماهياتها وغاياتها، وإنّ أستاذة تلبس الحجاب قد تحبط عزائم بعض التلاميذ من ذوي الميولات الفنية.

{{ سبحانية الحجاب شيطانية الـــــفنـــون}}

إنّ لبس الحجاب يعبّر عن موقف من الحياة، ويعبّر عن خيارات إيمانية تتعدّى مجرّد التفكير إلى الممارسة العملية. فامرأة تختار لبس الحجاب هي امرأة تختار موقفا معيّنا من الدنيا، كما تختار نمطا معيّنا من التفكير والانتماء، وتصبح حياتها مرتبطة بما يدعوه الفيلسوف سليم دولة المنطق السبحانيّ، وهو منطق لا يمكن أن يكون إلا محافظا لا يرى في الفنون إلا تجلّيا من تجلّيات الأنشطة الشيطانية التي تلهي الإنسان عن مناسك العبادة وتبعده عن ربّه؛ وأستاذة تلبس الحجاب هي امرأة تستنكف من الفنون لأنّها ستحكم عليها من منظار فقهاء الظلام، وانطلاقا من فتاوى شيوخ الفضائيات الجدد، لا من خلال كتب النقد الفني ولا مناهج التدريس المعتمدة؛ فأستاذة تربية تشكيلية متحجّبة لا يمكنها أن تشجّع تلميذها على النحت لأنه فنّ صناعة التماثيل أو الأنصاب، كما أنها سترى في لوحات بعض تلاميذها الآخرين نوعا من الوقاحة لأنها تصوّر جزءا حميميا من الجسد الإنساني؛ وأستاذة مسرح تلبس الحجاب لا يمكن أن تسمح لتلاميذها بإجراء تمارين مختلطة في حين أنّ إحدى مهمّاتها البيداغوجية الأولى مصالحة التلاميذ مع أجسادهم و إخراجهم من تربية العقد والممنوع والمحرّم. إنّ تدريس الفنون يطمح الى تحقيق غاية رئيسية هي ترغيب النشء في الإقبال على الفنون والتعلق بها، ولعلّ التجربة المسرحية التونسية تؤكّد أنّ نسبة مئوية هامّة من الفنانين المشتغلين بالمسرح تمثيلا وإخراجا قد تكوّنت في المسرح المدرسيّ، وأنّ تأثير مدرِّسي هذه المادّة كان كبيرا في التلاميذ؛ ولا أدري كيف يمكن لأستاذة محجّبة أن تجعل الأطفال يميلون إلى هذا الفنّ ويتعلقون به؟ ولا ما هي التمارين التطبيقية التي قد تجريها في حصصها لتحبيب التلاميذ في هذا الفنّ؟ وهل يمكن لمثل هذه الأستاذة أن تحدّث تلامذتها بصدق عن أصول نشأة المسرح، وكيف أنّه انطلق كطقس احتفاليّ بديونيزوس إلاه الخمر؟ وكيف يمكن لأستاذة فنون تشكيلية محجّبة أن تحلّل للطلبة نشأة فنّ النحت؟ وهل بإمكانها تحليل لوحة لامرأة عارية وإبراز مواطن الإبداع الفنّي فيها؟

إنّ المدرّسات المحجّبات يعشن تضارب مصالح صارخا، فهنّ مضطرّات لتدريس موادّ غير مقتنعات بها، وبفوائدها على الناشئة والمجتمع؛ فقناعاتهنّ دينية تقليدية محافظة والمادة الفنية التي يدرّسنها مادّة تتناقض في جوهرها مع التعاليم الدينية؛ ولا يمكن للحلّ هنا الا أن يكون انتهازيا؛ لأنّ تعليم الفنون شيء سيّء تستنكف منه بعض المدرّسات، لكنّ الجراية الشهرية ايجابية يجب المحافظة عليها؛ وهذا من المنظور الدينيّ يدخل في خانة النفاق؛ حينها يكون الحلّ الأجدى بالنسبة لأولئك المدرّسات أن يدرّسن ما يعجبهنّ ولا ينضبطن للمناهج الدراسية؛ والضحية هي التلاميذ أبناء الشعب الكريم، والمشكلة مع هؤلاء المدرّسات أنّ التحجّب شيء طارئ عندهنّ؛ فلا نتصوّر أنّه كان بإمكانهنّ وهنّ طالبات للمادة الفنية أن يظهرن تعلّقا بالحجاب، لأنّ النجاح غير مضمون، ولأنّ الدين الإسلاميّ يحضّ المؤمن على إتقان العمل الذي ينجزه(والإتقان غير مضمون في هذه الحالة)، فلقد كان من الأجدى للمدرّسات المحجّبات أن يخترن بين الدنيا والآخرة، بين الفنّ والتديّن؛ وشخصيا أرى ضرورة أن يتحوّل هذا الصنف من المدرّسات إلى مهن إدارية أخرى في صلب وزارة التربية حتى نقي تلامذتنا من مخاطر دراسة الفنون بشكل خاطئ يجعلهم ينفرون منها ولا يقبلون عليها مما يفقد العملية التربوية كلّ أهدافها العلمية والإنسانية التي انبنت عليها، ولا يجب أن يفهم من مقالنا هدا أنّنا نعرّض بالمدرّسات المحجبات أو نسعى الى قطع أرزاقهنّ، ولكن أردنا من موقع الدفاع عن العملية التربوية وحماية لمصالح أبنائنا التلاميد أن نشير الى خطورة هذه الظاهرة خاصة وأنّ التلميذ كثيرا ما يتأثّر بأستاذه، ونريد أن يكون هذا التأثر ايجابيا يفتح أمام الطالب فرص اكتشاف مواهبه وصقلها، لا وأدها في المهد.

– ( كاتب من تونس )

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This