الحجاج ومتون التراث

الحجاج من جهة كونه آلية الاختبار النّظريّة، إنّما هو بنية مركّبة منفعلة بمقامات التلفـّظ ومتلوّنة بالخواصّ المؤسّسيّة الّتي تولـّد ملامح الرّمز الممكنة وتعيّن سمات الحقائق الجائزة.

فالتّراث عامّة والتّراث الدّينـــيّ خاصّـــة كيانــــان منفعــــلان بتصــــورات الوسطـــاء (بالمعنى الميديولوجيّ) وبمواقف الفاعلين الاجتماعيين (بالمعنى السّوسيولوجيّ).

إن بين النصّ (القرآن) وحواشيه (متون علم الحديث / متون علم السّيرة / متون علم التّفسير …)، جملة من الوصائل وجمعا من الرّوابط البنيويّة والتّداوليّة الّتي تجعل النصّ من جهة كونه خطابا نواة والحواشي بآعتبارها مصاحبات، كيانين متفاعلين لا مشاحة ولا ضير وهذه الرّؤية تستدعي توسيع مفهوم النصّ في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة ومراجعة بؤر الفعل فيها، وذلك من خلال رؤية تكامليّة تقدّر أن متون الفعل في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة لا تنحصر في النصّ القرآني وحده، بل تتعدّاه إلى ما حفّ به من خطابات حادثة فسّرته أو أوّلته.

إنّ لفت النّظر إلى الوصائل الممكنة بين النصّ ومصاحباته ينقل بؤرة الجذب من المركز الأرثودكسيّ إلى الهامش الغريب نقلا ينسّب العلاقات ويعيد رسم توبوغرافيا جديدة لمختلف الأشكال الخطابيّة الفاعلة في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة.

{{مناويل النّظر}}

إنّ المناهج لا تعدو أن تكون سوى وسائط عمل تعقلن فعل التّأويل وتنظّم مسالك التّفسير، فهي لا تهدي بقدر ما تأسر ولا تنير بقدر ما تعتم، لذلك لم يكبح جماح حركتنا، منوال دون غيره، لآعتقادنا في عدم كفاية تلك المناويل كفاية مطلقة تجعلها أرثودكسا مصونا لا يقبل الخلخلة ولا يستجيب إلى التّطويع.

إنّ مناويل النّظر ومناهج المباشرة، إنّما هي في سياق تصوّرنا هذا محاصيل مظروفة تستعمل ولا يعتقد فيها، لأنّ الاعتقاد فيها ينجرّ عنه تكريس سلطة المراقبة المتعالية الّتي تثنى حركة سير المؤوّل في استكشاف مغالق الخطاب وكشف النّقاب عن ضامر أبنيته وصامت أشكاله.

إن بحث الحجاج داخل محيط الثّقافة العربيّة الإسلاميّة باعتبارها تمثّل النّسق التّداوليّ الجامع الّذي يحضن كلّ الأرصدة الماديّة والرّمزيّة الّتي كوّنت تراث تلك الثّقافة وبنت مدّخر تلك الحضارة. والحجاج باعتباره مدخلا نظريّا ممكنا إلى نسق الثّقافة العربيّة الإسلاميّة الجامع يقود إلى تأصيل المبحث، وذلك من خلال الوقوف عند الخواصّ التّداوليّة الّتي يمكن أن تطرأ على المفهوم، يُستنبت في تربة جديدة، فإمّا أن يثمر ويزهر وإمّا أن يموت ويذبل، إذ هي تلك سنّة الكائنات جميعها لا تفريق ولا استثناء.

فردّ المفاهيم الإجرائيّة الّتي يطلبها بحث من البحوث إلى محيط التّداول، يكسبها ضربا من النّسبيّة كبيرا، يوسّع مجالاتها ويجنـّبها خطر الوقوع في مضايق الجبر والإرغام.

إنّ باب الفواتح، إنّما هو باب المراجعات المفهوميّة وباب بسط الحدوس المعرفيّة الّتي ينبغي العمل على الاحتجاج لها والبرهنــــة على ما تقتضيه بطريقـــة جدالية تأويليّــة لا يضيرها ضير ولا يمنعها مانع، حتّى نبني مقاربة تأويليّة، ترى الحقائق وجوها والعقائد محاصيل تصنعها الإرادات الفاعلة تكتب حياتها وتشرعن تداولها.

إن اختبار المدخل الحجاجيّ – باعتباره مدخلا من مداخل التّأويل الممكنة – داخل متون الفكر التّفسيريّ العربيّ الإسلاميّ الممثّلة (المتن الأثرييّ/المتن النّظريّ/المتن الإشاريّ)، وذلك من خلال أربعة مداخل إجرائيّة أساسيّة:

* الأطر الحجاجيّة

* المنطلقات الحجاجيّة

* التّقنيّات الحجاجيّة

* الاستراتيجيّات الحجاجيّة

تلك المقولات الحجاجيّة الأربع من جهة كونها مداخل إجرائيّة تنظّم المادّة المدروسة وتوجّه حركة تأويل الأبنية الدّالّة على نظام الحجج داخل خطاب الطّبريّ التّفسيريّ بوصفه خطابا تسمه العقائد الأصوليّة الأثريّة تلوّن حججه وتوجّه استراتيجيّاته.

{{الدّراية والنّظر}}

وهي المقولات الأربع ذاتها تقودنا عند مزيد اختبارها إلى أنّ نظام العمل الحجاجيّ محكــوم بالخـــواصّ المذهبيّة الّتي تحضن تصوّرات المفسّر، يحتج لحكم من أحكام القرآن أو يتأوّل قاعدة من قواعده.

لقد قادنا النّظر في طبائع الحجاج داخل مجراها الثالث إلى أنّ طلبة المفسر/المؤوّل في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة كامنة بالأساس في التّشبه بأعمال الآلهة، يحكمون سيطرتهم على كياناتهم توجيها وأمرا، لذلك كان توق المريدين من أهل الحضرة والكشف تتميم ما توقـّف عنده الأنبياء: تأويل الممكنات النّصيّة وكشف ما وراء الحجاب من الحقائق والفرائد يتزود بها الكائن، يرحل رحلته ويثبت إرادته.

إنّ حركة تفسير القرآن وتأويله، إنّما هي حركة تؤرّخ لتنازع الفهوم وتجادل الإرادات داخل مجال الثّقافة العربيّة الإسلاميّة كما أنّ النظم الحجاجيّة المصاحبة حركةَ التّفسير والتّأويل، إنّما هي تمثيلات شكليّة متجانسة من حيث الأبنية (تماثل المقولات الحجاجيّة) متباينة من حيث الوسم الحجيّ (الحجاج والأنساق العقديّة) والترشيح المذهبيّ الّذي وفقا له تنكتب الحقائق وتفعل الأفكار.

{{التّركيب والمجاوزة}}

هناك مثلـّث معرفيّ أنطولوجيّ، أطرافه الحجاج/الحقيقة/التّأويــل، لافتين نظر المتدبّر المتأمّل إلى ما يصل بين أطراف هذا المثلّث داخل مجال الثّقافة العربيّة الإسلاميّة التّداوليّ من روابط وعلاقات يصير بمقتضاها الحجاج آلية تأويليّة تبني حقائق المفسّر وتشرعن عقائد المؤوّل يحتجّ ويجادل، ينافح ويفاخر بمزاعم تصوّرها وبحقائق دان بها ..

يقتضي السياق أن نقوم بفعل مجاوزة فلسفيّ لجل المناويل التّصوريّة الشّكليّة، ما تعلّق منها بالحجاج أو بالحقيقة أو بالتّأويـــل، لنستبدلها برؤية أركيولوجيّة، لا تحرجها الإيتوبيّات ولا يضيرها فعل مداعبة الآلهة (نظريّة اللّعب المعرفيّ)، حتّى يتسنى لنا الوقوف على مراكز الطّرد والدّفع داخل محيط الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، من جهة انبناء حقائقها وتكوّن عقائدها ومسالك إثبات تصوراتها، فينجلي نظامها الدّاخليّ وتبدو ملامح نذور فاعليها، يرسمون الأطر ويقيمون أسيجة التّحصين، خوفا من تيه الضلالة واختشاء من ضياع المنازل وانفراط المراتب.

وإذا جاز أن نحوصل هذا الموضوع الشائك الذي سبق أن تناولناه في أطروحة جامعية دارت حول مبحث الحجـــاج في نماذج ممثّلة من تفسير سورة البقــــرة، نسجّل رؤوس أفكار أساسية:

· إنّ مفهوم التّراث مفهوم متحوّل تفعل فيه إرادات الفاعلين وتشكّله نوازعهم، لذلك تعددت مقارباته واختلفت مواقف النّاس منه وتصوّراتهم عنه.

· إنّ الحجّة في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة كيان مجرّد، فارغ من المعنى، يملؤه المحاجّ/المؤوّل بالتّصوّرات والعقائد الّتي يروم تثبيتها وينوي تحقيق أفعالها.

· إنّ الحجاج نشاط ذهنيّ تأويليّ، يوظّفه المحاجّ/المؤوّل، لإثبات عقائده وإنشاء تصوّراته وإقامة عوالمه الممكنة وتسمية حقائقه المزعومة.

· إنّ التّنازع بين أصحاب الفرق في المجال التّداوليّ العربيّ الإسلاميّ، إنّما هو تنازع على المنازل والمراتب، تحتكر رمزيّاتها ويذاد على حياضها، حتّى لا تنفرط الإمرة ولا تذهب ريح السّلطان.

· إنّ النّماذج التّفسيريّة هي تمثيلات ممكنة لـ “حقائق النصّ التّامّـة” الّتي تصــــوّر أداءها كــــلّ مفسّر/مـــؤوّل، يطلق حرفه ويرسل توقه.

· إنّ المناويل الحجاجيّة هي إمكانات تصوريّة تساعد على إقامة صرح تأويليّ لا تغريه الكفايات المعرفيّة المطلقة ولا يغازله بريق النّظريّات الوافدة.

· إنّ الأشكال الحجاجيّة والهياكل البرهانيّة المستخرجة من المتون التّأويليّة ، دالّة في جملتها على اتّسام كلّ مجرى تأويليّ بمعقوليّة مخصوصة وبمنطق متفرّد، وهو ما يقضي بضرورة مراجعة المثاني المتكلّسة (العقل/النّقل، القديم/المحدث…)، مراجعة جذريّة تقف على شحنها الإديولوجيّة وعدم كفايتها الإجرائيّة في قراءة المتون التّراثيّة وتدبّر مقاصدها واستحصال نظمها وأبنيتها.

· إنّ تغيّر مركز الجذب في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، بعد ميلاد مقولة الإسلام السّياسيّ وخبوّ بريق مقولة إسلام الدّعوة/إسلام البواكير، من المركزيّة النصيّة (القرآن)، إلى المركزيّة المصاحبة (الحديـــث / السّيرة / التّفسير…) دليل على أنّ حجيّة السّلطة تحولت من “المركز الأصم” إلى “الهامش المغلوب” في جدل عنيف لا يعدمه إلاّ الفناء ولا يبطله إلاّ الاندثار (الحاجة الدّائمة إلى تفسير النصّ وتأويله).

· إنّ الحقيقة في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة – من جهة كونها مطلب المفسرين ونشيد المؤوّلين وجهة العارفين – كيان يبنى وحاصل يصنع (تعدّد التّفاسير وكثرة التّآويل).

· إنّ المعنى في المدوّنات المختبرة وحدة تامّة وجوهها وتمثيلاتها كتب المفسّرين ومدوّنات المؤوّلين يدّعون امتلاك الأصول وتحويط الكلول، يحتجّون لها وينتصرون لصلاحها.

* إنّ تجريب المدخل الحجاجيّ في بيان قوانين الثّقافة العربيّة الإسلاميّة الجامعة، إنما هو وجه من وجوه التّعامل الممكنة مع أنماط الفهوم المتعدّدة ووجوه المنطقيّات المتباينة الّتي يتوخّاها كلّ مفسر/مؤول أو محاجّ/مستدل، يكشف غيبا مهجورا أو ينطق صوتا مقهورا، أدركته مؤسّسات إقامة الحدّ تمنع الطّارئ وتراقب الحادث، تجد له أبدالا وتصنع له أقوالا تجريه عليهـــا، حتـــّى لا يضـــلّ ولا يتيه

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق